حالة شبح البوكيمون الغريبة

حالة شبح البوكيمون الغريبة مصدر الصورة Getty Images

في الصيف الماضي في العاصمة الروسية موسكو، كانت إمرأة مستغرقة في لعبة "بوكيمون غو" على هاتفها الذكي قبل أن يغلبها النعاس، وفي أثناء الليل، أيقظها ثقل شديد يجثم على صدرها، وعندما فتحت عينيها قالت إنها رأت بوكيمون حقيقيا، وليس شخصا متنكرا في زي بوكيمون، يتهجم عليها. وأخذت تصارع البوكيمون، وقد استولى عليها الذعر، ولكنها عجزت عن النطق، في حين كان صديقها بجوارها يغط في سبات عميق.

وأخيرا، تمكنت من النهوض، ولكن البوكيمون كان قد اختفى، ولم تجد له أثرا في منزلها، ثم مضت تبلغ الشرطة عن الاعتداء الذي تعرضت له.

وسرعان ما تلقفت مجموعة من الصحف الصغيرة حول العالم خبر البلاغ الذي تقدمت به المرأة، ولاقى صدى واسعا على شبكة الانترنت، حتى وصل إلى صفحتي على موقع تويتر. ولكن، بصفتي عالم نفس تجريبي مهتم بالتجارب الحسية غير المألوفة، فإن أول ما تبادر إلى ذهني أن هذا قد يحدث لأي شخص.

ورغم تعذر الوصول إلى تفسير قطعي للتجربة التي تعرضت لها هذه المرأة، إلا أنني كنت واثقا من أن هذا البوكيمون الذي ظهر ليلا لا يتعارض مع فهمنا الحالي للنوم. وبالنظر إلى المعلومات المتوفرة لدينا عن هذه الحالة الغامضة التي تعود لعوامل نفسية وعصبية، وما تسببه من مشاعر غريبة، قد يجوز لنا أن نصف تجربتها بأنها "معتادة".

والتفسير المبسط لهذه الحالة هو أنها قد تكون مستيقظة ولكنها كانت تحلم. والمصطلح الفني الذي يصف الأعراض التي ذكرتها المرأة هو "شلل النوم" أو الجاثوم، وهو أحد أنواع اضطرابات النوم. ويصاحب عادة هذه الفترات من شلل اليقظة، هلاوس حسية متعددة الأشكال. وفي الواقع، هذه الأطياف التي تراها في منامك قد تتسلل إلى الواقع عند اليقظة.

وثمة ارتباط بين الهلاوس وبين الشعور بالشلل، يجعل المرء يتخيل أن شخصا ما يجثم على صدره في الفراش. ويمكن تتبع حالات مماثلة تعزى لشلل النوم عبر التاريخ وعلى اختلاف الثقافات، وبعضها يعود إلى عام 400 قبل الميلاد.

وقد افترض العلماء أن تجارب شلل النوم هي السبب وراء ما رواه البعض عن تعرضهم للاختطاف على أيدي كائنات فضائية، ولذا، ليس من الغريب أن نعزي هجوم البوكيمون أيضا إلى نفس السبب.

إلقاء اللوم على السحرة

وتذكرنا تجربة سيدة موسكو في سنة 2016، بحالة جون لاودنر، الذي أدلى بشهادته في محاكمات السحرة سيئة السمعة التي انعقدت جلساتها بمدينة سالم (دانفرز حاليا)، بولاية ماساتشوستس، عام 1692.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بريدجت بيشوب هي أولى ضحايا محاكمات السحرة في مدينة سالم، واليوم يتضح لنا أن "لعناتها" لم تكن إلا حالة شلل نوم أسيء تفسيرها

رأى جون طيفا يجثم على صدره وشعر بضيق شديد وعجز عن الحركة، إلا أن أفضل تفسير توصل إليه جون هو أنه تعرض لهجوم من ساحرة في القرية.

ويمكنك أن تلاحظ أوجه التشابه بين تجربته وبين تجربة السيدة الروسية العام الماضي، وهذه الأعراض أضحت من السمات المميزة لحالات شلل النوم. وكما جرت العادة عند ثبوت تهمة السحر قديما، نُفذ في الساحرة بريدجت حكم الإعدام بسبب الشهادة التي أدلى بها جون وأيدها إدعاء البعض أنها تمتلك حلمة ثدي إضافية، رغم أنها اختفت فيما بعد، وأصبحت بريدجت أولى ضحايا محاكمات السحرة في مدينة سالم.

ورغم أنه لم يعد من الشائع أن تعزى أعراض شلل النوم إلى السحر والشعوذة، فإننا حتى يومنا هذا لم نتبين بعد الأليات الفسيولوجية تحديدا التي تؤدي إلى حدوثه. وكل ما نعرفه هو أننا عندما ننام تقتصر أفعالنا على ما نراه في مخيلتنا.

وكلنا لدينا آلية حماية تعيق تحول إشارات التخطيط الحركي التي يصدرها الدماغ إلى إشارات التنفيذ. وهذه الآلية تمنعنا من المضي في تأدية الحركات التي كنا نحلم بها في الواقع. فإذا كنت تحلم أن وحشا يطاردك لن تنهض وتكمل الركض في أرجاء الغرفة أو تسقط من فوق الشجرة، إذا افترضنا أنك تعلمت تسلقها مع الوقت. إذ تعد أدمغتنا أنظمة معقدة للغاية، ولهذا فقد تتعرض لأعطال فنية طفيفة بين الحين والآخر.

ومن أشهر تلك الأعطال الفنية، السير أثناء النوم، الذي يحدث إذا استعدت القدرة على الحركة قبل أن تستيقظ من النوم. وعلى النقيض، قد يستمر العجز عن الحركة لبعض الوقت حتى بعد الاستيقاظ، وهذا يحدث عادة بين النوم واليقظة، سواء عند الاستيقاظ من النوم أو الخلود إليه. إذ تكون واعيا وعيناك مفتوحتين، ولكنك غير قادر على تحريك جسدك، وهذه التجربة شائعة الحدوث، ولكن رغم ذلك لا غرابة في أن تكون مزعجة.

وقد تكون هذه المشاكل ناتجة عن اضطرابات النوم بشكل عام. وقد أثبت باحثون أن تجارب شلل النوم يمكن أن تُستحث في المعمل من خلال إيقاظ المشاركين من النوم العميق مرات عدة. وحتى خارج المعامل، يتعرض الكثيرون لتجربة شلل النوم ليلا، فإن لم تتعرض أنت لهذه التجربة، أغلب الظن أنك تعرف شخصا ما تعرض لها. وبحسب تقديرات الخبراء، سيتعرض 50 في المئة من سكان الأرض لشلل النوم ولو مرة واحدة في حياتهم، ويقول البعض إنهم يتعرضون لها باستمرار ليلا.

وربما لا تكشف الاستطلاعات المتوفرة الحالية عن مدى انتشار الحالات التي تعرضت لشلل النوم، فقد يخجل البعض من الإبلاغ عن ما ينتابه من هلاوس خشية أن تكون من علامات الاصابة بمرض نفسي أو إدمان العقاقير. وفي الحقيقة قد يتعرض الأصحاء لشلل النوم والهلوسة. وربما لو أدرك الناس أن هذه الظاهرة طبيعية، سيقل التوتر والقلق المصاحب لها. ولا أخفي أنني زارتني هذه الأطياف مرتين ليلا، ولكنهم لم يتهجموا علي.

رؤية القوالب المتساقطة

ولكن لماذا رأت السيدة في موسكو شخصية "بوكيمون" تحديدا؟ إن الأحلام ذاتية للغاية ولهذا من المعروف أنها تستعصي على الدراسة العلمية، فكيف تقيس الهلاوس التي يراها الناس وهم غائبون عن الوعي بالتجارب العلمية؟ علما بأنهم ينسونها في المعتاد بمجرد الاستيقاظ. وفي الواقع، وثقت الأبحاث عن التجارب الذاتية للحالمين وجود علاقة بين ألعاب الفيديو والأحلام.

وفي عام 2000، أشار فريق من العلماء بقيادة روبرت ستيكغولد بكلية الطب بجامعة هارفارد إلى أن المشاركين الذين يلعبون لعبة فيديو "تتريس" اعتادوا أن يروا تصورات في أول النوم ذات صلة باللعبة، وقالوا إنهم قبل أن يستغرقوا في النوم يروا صور القوالب المتساقطة التي اشتهرت بها اللعبة. وتوصل العلماء إلى نتائج مشابهة مع ألعاب فيديو أخرى. ويؤكد هذا الدليل فكرة أن النوم يعمل على تعزيز الذكريات الحديثة وتثبيتها.

وأوضح الكثير من التجارب أن الناس الذين يؤدون مهاما تعتمد على الذاكرة يتحسن أداؤهم إذا أتيحت لهم الفرصة للنوم بعد التعلم. إذ يبدو أننا إذا تعلمنا شيئا جديدا تحتاج عقولنا إلى النوم كمساحة للتدرب على حل المسائل.

الفئران تحلم

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يبدو أن دماغ الفأر تكرر المسار الذي اجتازه للخروج من المتاهة مرة تلو الأخرى أثناء النوم

حصل العلماء على المزيد من الأدلة عن العلاقة بين النوم وتثبيت الذكريات عند فحص أنشطة أدمغة الفئران أثناء النوم. ولكن هناك مزايا وعيوب للتعامل مع الحيوانات معمليا، فبينما لا يتطلب إدخال الأقطاب الكهربائية في أدمغة الحيوانات كتابة الكثير من التقارير كما هو الحال عند التعامل مع البشر، فمن الصعب أن تسأل فأرا ماذا رأى في حلمه، ولهذا فإن الخيار الوحيد أمام العلماء هو استنتاج العلاقة بين النشاط الكهربائي والتجارب الذاتية التي تُعاش في الواقع.

وفي إحدى التجارب، أدخل فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قطبا كهربائيا في منطقة الحصين من أدمغة فئران، وهذه المنطقة سواء لدى البشر أو الفئران، تقوم بمهام عديدة من أهمها أنها مسؤولة عن الطريقة التي نشكل بها ذكرياتنا عن الأماكن المادية.

وبفضل الأقطاب الكهربائية، استطاع الباحثون أن يلاحظوا النشاط العصبي لبعض الخلايا في الحصين وقت تنشيطها، إذ تعلم الفئران اجتياز المتاهة أثناء وضع الأسلاك في أدمغتهم. وربط العلماء أنماط النشاط الكهربائي التي ظهرت في الحصين بمواقع الفئران في أماكن محددة من المتاهة.

وترك العلماء الأقطاب الكهربائية على أدمغة الفئران لتسجل نشاط الدماغ عند خلود الفئران إلى النوم. وفي أثناء النوم، كانت الخلايا في الحصين تضيء بالنشاط، والعجيب أن أنماط نشاط خلايا الحصين أثناء النوم تطابقت مع أنماط النشاط الكهربائي المصاحبة للمسارات الصحيحة للمتاهة. وتدل النتائج على أن الفئران ربما كانت تحلم بأنها تركض في المتاهة، لكي تتدرب على أفضل المسارات التي تعلمتها قبل أن تخلد إلى النوم.

ولكن هذه الأبحاث لا تؤكد وجود رابط مباشر بين الأحلام والذكريات، ربما لا يكون الحلم مسؤولا عن تثبيت الذكريات، ولكنه قد يكون أحد آثار عملية تعزيز الذكريات.

ونستخلص من هذا أن هلاوس البوكيمون المزعجة التي رأتها السيدة في موسكو ليست أمرا "طبيعيا" فحسب، بل أيضا قد تتيح لنا فرصة سانحة لسبر أغوار النوم وأسباب رؤية الناس للأحلام. ولهذا، إذا مررت بتجربة مماثلة ورأيت تصورات وهيمة في أول النوم، تذكر: لا تفزع، ولا تلوم الأخرين وتدّعي أنهم سحرة ومشعوذون.

مكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة