ما هي الحيوانات "الأكثر نهما"؟

ما هي الحيوانات "الأكثر نهما" على وجه الأرض؟ مصدر الصورة Doc White/Naturepl.com

أنا جائع، بل أتضور جوعاً، أو اتحرق شوقاً لتناول الطعام؛ هذه عبارات مختلفة نستخدمها جميعاً عندما نكون في حاجة ماسة إلى الطعام. ولكن هل جربت مرة ألا يسد جوعك سوى أربعة أطنان من المأكولات البحرية؟

للدقة يمكن القول إن الحوت الأزرق؛ عملاق البحار وأضخم حيوان موجود حالياً على الأرض، يتفوق على كل المخلوقات الأخرى فيما يتعلق بالشهية المفتوحة. ففي كل يوم، يبتلع هذا الكائن هائل الحجم ما يصل إلى 40 مليوناً من الحيوانات القشرية ضئيلة الحجم المعروفة باسم الكريليات، وذلك للحفاظ على كتلة جسده الهائلة، وقدراتها على القيام بمهامها.

ولكن هناك حيوانات أخرى تُعرف بشهيتها المفتوحة للغاية للطعام، وبعضها قد يدهشك.

مصدر الصورة Denis-Huot/naturepl.com
Image caption فيل أفريقي خلال تناوله لطعامه

فعلى غرار الحوت الأزرق، لدى الحيوانات الضخمة التي تعيش على البر، شهية هائلة توازي حجمها المذهل. يقول نورمان أوين سميث، خبير في شؤون الفيل الأفريقي من جامعة ويتواترسراند بمدينة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، تلتهم الذكور البالغة لهذا الحيوان يومياً كمياتٍ من الطعام تصل إلى نحو واحد في المئة من وزنها، إذا ما حسبنا وزن الطعام في حالته الجافة، دون الأخذ في الحسبان محتواه المائي. أما الإناث المُرضِعات فتصل معها هذه الكمية إلى 1.5 في المئة من وزن كلٍ منها، وذلك حتى يتسنى لها مواصلة البقاء على قيد الحياة والقيام بواجباتها.

وفي ضوء أن وزن الفيل الذكر في مرحلة البلوغ قد يصل إلى ستة أطنان، فإن ذلك يعني أنه يلتهم يومياً طعاماً يبلغ وزنه وهو جاف 60 كيلوغراما (132 رطلاً). ولا نضع هنا في الحسبان المحتوى المائي لهذه الكمية، الذي يمكن أن يجعلها أثقل أربع مرات من هذا الوزن.

ونظراً لأن هذه الثدييات تأكل الأعشاب، فهي تقضي غالبية أوقات يومها باحثةً عن مواد خضراء كافية لإكسابها الطاقة اللازمة لها. ولذا قد تمتد فترات التهامها الطعام إلى 18 ساعة يومياً، وفقاً لما هو متاحٌ لها من هذه المواد.

وبالمثل، تقضي الباندا العملاقة 14 ساعة يومياً وهي تلتهم نبات الخيزران. وسبق أن قال الباحثون إن هذا النبات لا يشكل الغذاء الأمثل لتلك الحيوانات، في ضوء أن جهازها الهضمي مُعدٌ للتعامل مع مواد غذائية ذات طبيعة حيوانية، ما لا يجعله مناسباً تماماً لهضم الكثير من الألياف النباتية. وقد يفسر ذلك السبب الذي يحدو بدببة الباندا لتناول 12.5 كيلوغراماً من نباتات البامبو يومياً للحصول على المواد الغذائية التي تحتاجها، ولِمَ يقودها ذلك في نهاية المطاف إلى إخراج كمياتٍ كبيرة من البراز.

وبوجهٍ عام، يتعين على الحيوانات النباتية "الجلوس" لوقت أطول على "مأدبة الطعام" التي تُعدها لها الطبيعة، لكي تحصل على سعراتٍ حرارية كافية لها. أما الحيوانات آكلة اللحوم فيمكنها التركيز على الوجبات السريعة.

مصدر الصورة Visuals Unlimited/naturepl.com
Image caption خفاش ينتمي لنوع "الخفاش البني الصغير"

وفي هذا السياق، يُقال إن الخفافيش المنتمية لنوع "الخفاش البني الصغير" قادرةٌ على التهام ألف بعوضة في الساعة. لكن علماء ينظرون بتشكك إلى هذا الرقم. من بين هؤلاء بروك فِنتون، من جامعة ويسترن الكندية، الذي يعتبر هذا الادعاء "منافياً للعقل". ويشير إلى أنه نتاجٌ للخلط بين دراستين أُجريتا في خمسينيات القرن الماضي على نوعيّن مختلفين من الخفافيش.

ويوضح فِنتون أن القائمين على إحدى الدراستين فحصوا محتويات معدة خفاش ينتمي إلى نوع الخفاش ثلاثي الألوان، بعد فترة تغذية. أما الدراسة الأخرى فقد رصدت وسجلت اصطياد خفافيش من نوع "الخفاش البني الصغير" للبعوض وذبابات الفاكهة بداخل مختبر. ولم تقدم أيٌ من الدراستين صورة دقيقة لعدد الحشرات التي يلتهمها "الخفاش البني الصغير" في البرّية.

علاوة على ذلك، فإن الطعام الذي يلتهمه هذا النوع من الخفافيش لا يقتصر على البعوض، فمخلوقاته تفضل فرائس أكبر حجماً مثل حشرات العث، عندما يكون بوسعها اصطيادها. وكشفت دراسة أجريت على الخفافيش في كندا النقاب عن أن البعوض لا يشكل سوى جانبٍ محدود مما تتغذى عليه هذه الكائنات.

ولذا فربما يكون من قبيل المبالغة قليلاً القول إن تلك الخفافيش قادرةٌ على التهام بعوضة كل 3.6 ثانية.

رغم ذلك، فثمة أدلة تشير إلى أن الخفافيش تُعّدِل وتُحسّن استراتيجيات الصيد الخاصة بها للاستفادة بأقصى قدر ممكن من الفرائس المتوافرة لها. فقد كشفت دراسة أُجريت عام 2016 عن أن الخفافيش المنتمية لنوع الخفاش الياباني المنزلي تخطط لوجبتها التالية قبل أن تُجهز حتى على أكلتها الحالية. فتلك الخفافيش لا ترتجل أبداً في هذا الأمر، بل تخطط مسار تحليقها بحسب المواقع التي توجد فيها الوجبات الخفيفة، التي يمكن لها أن تلتقطها على طول الطريق.

مصدر الصورة Artur Tabor/naturepl.com
Image caption حيوان من نوع "الزَبَابَة القزم" آكل الحشرات والشبيه بالفأر

لكن هناك ثدييات أخرى صغيرة بنية اللون تحظى بدورها بسمعة قوية فيما يتعلق بكونها حيوانات نهمة؛ ألا وهو حيوان "الزَبَابَة المألوفة" آكل الحشرات والشبيه بالفأر. فلابد لـ"الزَبَابَات" المنتمية إلى نوع "الزَبَابة المألوفة" أن تتغذى كل ساعتين أو ثلاث ساعات، وأن تستهلك طعاماً يتراوح وزن كمياته ما بين 80 في المئة إلى 90 في المئة من وزنها يومياً، حتى تستطيع البقاء على قيد الحياة. أما تلك المنتمية لنوع "الزَبَابَة القزم" والتي تمت لها بصلة قرابة وثيقة ولكنها تقل عنها في الحجم بواقع النصف، فيصل وزن الطعام الذي تستهلكه في كل يوم إلى 125 في المئة من وزنها.

وتجري عملية التمثيل الغذائي بوتيرة سريعة للغاية لدى هذه الحيوانات، وهو ما يعني أنها تفكك الطاقة وتستهلكها على نحوٍ متسارع. ويعني ذلك أنه يتعين عليها أن تتغذى باستمرار على وجبات مؤلفة من كائنات لا فقارية غنية بالبروتينات، للحيلولة دون أن تعاني من الجوع الشديد.

وعلى أي حال، لا يمكن لأحد الحديث عن التمثيل الغذائي، دون التطرق إلى الطائر الطنان.

مصدر الصورة Mike Potts/naturepl.com
Image caption أحد الطيور المنتمية لنوع "النحلة الطنان" في استراحة قصيرة بين الوجبات

فهذه الطيور ذات المظهر الرائع، تفضل استهلاك السكريات لتزويدها بالقدرة اللازمة على التحليق في الأجواء بطريقتها التي يُستهلك فيها قدرٌ كبيرٌ من الطاقة، نظراً لأن أجنحتها تخفق خلال الطيران بمعدل 50 مرة تقريباً في الثانية الواحدة. ولكن لدى طيور الطنان أحد أعلى معدلات التمثيل الغذائي بين الفقاريات.

وربما تكون قد سمعت عن أن طائر الطنان يلتهم في المعتاد كمياتٍ من السكر تصل إلى نصف وزنه يومياً، وهو ما يجعله يتغذى كل 15 دقيقة على رحيق الأزهار. لكن الأمر المهم هنا هو أن هناك أكثر من 300 نوع من هذه الطيور.

وهنا يقول آدم هادلي، أحد الأعضاء البارزين في فريق الباحثين المختصين بشؤون الطائر الطنان في جامعة ولاية أوريغون الأمريكية، إن كميات الرحيق التي يتم استهلاكها قد تتفاوت بشكلٍ ملموس بين هذه الأنواع.

ويضيف إن ذلك يحدث بصفةٍ خاصة في ضوء التفاوت الكبير بين تلك الأنواع في الحجم، والذي يبدأ من طائر "النحلة الطنان" الذي لا يزيد حجمه على غرامين ونصف الغرام وطائر "الطنان العملاق" الذي يصل في الحجم إلى 24 غراماً.

ومع أن الأنواع الأكبر حجماً، تستهلك كمياتٍ أكبر من الرحيق بوجهٍ عام، فإنها تستخدم طاقتها بمعدلات أقل كثيراً من نظيرتها الأقل حجماً. ويعني ذلك أن الطيور الأصغر أكثر نهماً، إذا قسنا الأمور من منظور النسبة والتناسب.

ويقول هادلي إن تلك الطيور تخزن الطاقة كذلك، لحين الحاجة إليها. ويوضح قائلاً: "من المثير للاهتمام أنها قادرة في أغلب الأحيان على أن تخزن يومياً ما يصل إلى 17 في المئة من وزنها في صورة احتياطيات من الدهون". ويشير إلى أن ذلك سيكون مماثلاً لأن يُزيد شخصٌ عادي من أمريكا الشمالية وزنه بواقع 13.6 كيلوغراماً خلال يومٍ واحد.

أما الأنواع الحيوانية الأخرى فتظهر شهية استثنائية للطعام في مراحل بعينها خلال حياتها. فمثلاً، يتطلب الأمر تخزين احتياطيات هائلة من الطاقة، لكي تتحول يرقة صغيرة للغاية إلى فراشة حرير.

مصدر الصورة Barry Mansell/naturepl.com
Image caption حشرة عث من نوع "عث بوليسموث"

وهنا يمكن الحديث عن حشرات العث من نوع "عث بوليسموث" والتي أُطلق عليها هذا الاسم نسبةً إلى العملاق المتوحش الأسطوري ذي العين الواحدة الذي ابتكرته قريحة هوميروس والمعروف باسم السيكلوب، وذلك نظراً لوجود بقعة تشبه العين على كل جناح من أجنحتها. ولكن ربما يكمن وجه الشبه الأكبر بين هذه الديدان آكلة المحاصيل وذاك الوحش آكل الإنسان، في شهية كلٍ منهما النهمة للغاية.

وبينما تقول موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية إنه بمقدور تلك الديدان التهام كمياتٍ من الطعام، تفوق وزنها بـ 86 ألف مرة خلال 56 يوماً، فإن هناك من يشكك في ذلك. ومن بين هؤلاء المشككين أندريه سوراكوف، المسؤول عن تنسيق أنشطة جمع هذا النوع من الديدان في متحف التاريخ الطبيعي في فلوريدا، الذي يقول إن هذا الرقم مشكوكٌ في مدى دقته. فهو يبدو مماثلاً لما ينجم عن عمليةٍ جرى فيها حساب كمية الطعام التي تناولها شخصٌ ما على مدى سنوات طفولته بالكامل، ومقارنة هذه الكمية بوزنه وهو لا يزال وليداً خرج للدنيا للتو.

ويضيف سوراكوف بالقول إن مشروعاً بحثياً جرى مؤخراً في جامعة فلوريدا وجد أن نوعاً من العث يحمل اسم "عث لونا"، يماثل في حجمه حجم "عث بوليسموث"، يلتهم عادةً كمياتٍ من الطعام تتراوح ما بين نصف وزنه وثلثيّه في كل يوم.

ويقول سوراكوف إن ذلك التقدير رغم ضآلته للغاية إذا ما قورن بما يُقال في موسوعة "غينيس" يظل "أمراً مثيراً للإعجاب". ويشير إلى أن محاولتنا لمحاكاة هذه الديدان على هذا الصعيد، سيتطلب منّا أن نأكل كمياتٍ تتراوح ما بين 22.6 كيلوغراماً و91.1 كيلوغراماً من الخس يومياً. ومن المؤكد أن "الدودة الجائعة للغاية" - التي جعلها الكاتب إريك كارل بطلةً لكتابه المصور الموجه للأطفال - لا تستهلك كمياتٍ من الطعام أقل كثيراً من ذلك!

لكن على عكس هذه الدودة، ليس من المرجح أن يصبح أخر المخلوقات التي نرشحها لنيل لقب أكثر مخلوق جائع على وجه الأرض، بطلاً في يومٍ ما لكتاب أطفالٍ مصور يحظى بالشعبية. الحديث هنا عن ديدان "العَلَقة" التي لا تزال موصومة بكونها "مصاصةً للدماء" على الرغم من أنه تم تسخير عاداتها الغذائية الغريبة والمتميزة لإنقاذ الأرواح البشرية.

مصدر الصورة Willem Kolvoort/naturepl.com
Image caption إحدى العَلَقات المنتمية لنوع "العَلَقة الطبية"

فالعَلَقات المنتمية لنوع "العَلَقَة الطبية" والتي تُعرف بامتصاصها للدماء، تُستخدم منذ قرون لتضميد الجروح ومنع الدماء من التجلط. رغم ذلك، فإن غالبية أنواع العَلَقات في العالم - والبالغ عددها الإجمالي 700 - تتغذى في واقع الأمر على الكائنات اللافقارية مثل نوعٍ يعيش في جزيرة بورنيو ويطارد الديدان ويلتهمها بشراسة.

وقد رأى مارك إي سيدول، من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي وأحد النشطاء المهتمين بشدة بهذا النوع من المخلوقات - عَلَقَات "ضخمة على نحوٍ غير طبيعي" تعيش في الأسْر، حيث يتسنى لها الحصول على الطعام بسهولة، والعيش في مأمنٍ من أي حيوانات تقتات عليها وعلى افتراسها.

ويشير سيدول إلى أن أكبر ديدان "العَلَق" التي رآها في حياته كانت عينات لعَلَقَة عملاقة تعيش في منطقة الأمازون وأخرى لعَلَقَة الجاموس الآسيوي. ويشير إلى أن هذه العينات تمتص بلا ريب القدر الأكبر من الدماء.

لكن الأمر في البرّية يختلف. فشهية حيوان ما تتحدد بناء على فرص تناول الطعام التي تسنح له. فديدان عَلَقَة الغابات التي تتسم بصغر حجمها، إلى حدٍ يجعلها غير قادرة على اصطياد ما تتغذى عليه بنفسها، تضطر إلى أن تنتظر مجيء المخلوق الذي ستتغذى عليه. ونظراً إلى أن الانتظار قد يطول، فمن غير المفاجئ أو المستغرب أن تتخم نفسها بالطعام إذا ما واتتها الفرصة لذلك، ما يصل إلى حد أنها يمكن أن تعكف على امتصاص الدماء في وجبة واحدة، إلى أن يتضخم جسمها ويزيد وزنها بما يفوق سبع مرات وزنها الأصلي. وهو أمرٌ يصعب على أي مخلوق ابتلاعها أو تصورها بكل تأكيد!

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة