معاناة أشخاص "لا يشعرون بالألم"

معاناة أشخاص "لا يشعرون بالألم" مصدر الصورة iStock

في معهد علم الوراثة البشرية بمدينة آخن الألمانية، تستعد الطبيبة إنغو كورث لموعد غير عادي، إذ تعمل على جمع عينات دم من ستيفان بيتس، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 21 عاما، ويعاني من اضطراب وراثي نادر لدرجة أن بضع مئات فقط من الناس حول العالم يعانون منه، حسب التقديرات.

يعاني بيتس من عدم الإحساس بالألم، وهذا يعني أن بإمكانه وضع يده في الماء المغلي أو الخضوع لعملية جراحية دون مخدر دون أن يشعر بأي انزعاج على الإطلاق. وفي جميع الأمور الأخرى، فإن إدراكه الحسي طبيعي، فهو يتعرق عندما تكون الغرفة دافئة ويرتجف في البرد القارس. لكن كجميع الذين يعانون من عدم الإحساس الخلقي تقريبا، يعتبر بيتس حالته نقمة وليس نعمة.

يقول بيتس "يعتقد الناس أن عدم الشعور بالألم هو أمر جيد وأنه يجعلك إنسانا خارقا. لكن بالنسبة للذين يعانون من عدم الإحساس الخلقي بالألم فالوضع هو العكس تماما. نريد أن نعرف ما يعنيه الألم وكيفية الشعور به. وبدون ذلك، تكون حياتك مليئة بالتحديات".

عندما كان بيتس طفلا، اعتقد والداه في البداية أنه متخلف عقليا. ويتذكر والده دومينيك قائلا "لم نكن ندرك لماذا كان أخرقا. كان دائما يصطدم بالأشياء ويعاني من عدد كبير من الكدمات والجروح".

لا يعاني والدا بيتس ولا أشقاؤه من هذه الحالة، ولكن شُخصت إصابته في نهاية المطاف بعدم الإحساس الخلقي بالألم عندما كان في الخامسة من عمره، إذ عض طرف لسانه دون أي استجابة واضحة للألم. وبعد ذلك بفترة وجيزة كسر مشط قدمه اليمنى بعد القفز من أعلى سلالم.

ومن منظور تطوري، فإن أحد الأسباب التي تجعل العلماء يعتقدون أن عدم الإحساس الخلقي بالألم نادر جدا هو أن عددا قليلا ممن يعانون من هذا الاضطراب وصل لمرحلة البلوغ. تقول كورث "نخشى الألم، ولكن من الناحية التطورية من مرحلة الطفولة إلى الشباب، يعتبر الألم مهما للغاية لعملية تعلم كيفية تعديل النشاط البدني دون إلحاق ضرر بأجسامنا ولتقدير مدى المخاطر التي يمكن تحملها".

وبدون آلية التحذير الطبيعية للجسم، يعرض الكثيرون ممن يعانون عدم الإحساس بالألم أنفسهم لسلوك مدمر ذاتيا في مرحلتي الطفولة والشباب. وتروي كورث قصة صبي باكستاني جذب اهتمام العلماء من خلال سمعته في مجتمعه كمؤد في الشارع يمشي على الفحم الحار ويغرز السكاكين في ذراعيه دون إظهار أي علامات على الألم. وقد توفي في وقت لاحق وهو في سن المراهقة بعد قفزه من سطح أحد المنازل.

مصدر الصورة iStock
Image caption يعاني بيتس من عدم الإحساس بالألم، وهذا يعني أن بإمكانه وضع يده في الماء المغلي

ويقول جيف وودز، الذي يجري أبحاثا عن الألم في معهد كامبريدج للأبحاث الطبية في بريطانيا "من بين مرضى عدم الإحساس الخلقي بالألم الذين عملت معهم في المملكة المتحدة، قتل العديد من الذكور أنفسهم في أواخر العشرينات من العمر من خلال قيامهم بأمور خطيرة للغاية لعدم شعورهم بالألم، أو أصابوا مفاصلهم بأضرار بالغة أو انتهى بهم الأمر بالانتحار".

وقد ذهب بيتس للمستشفى مرات عديدة، إذ يعاني من عرج طفيف في ساقه اليسرى بسبب التهاب في العظم والنخاع كان قد أصيب به بعد كسر عظام الساق أثناء التزلج. ويقول "تتعلم كيف تتظاهر بأنك تعاني من الألم كي تمنع نفسك من التهور. وهو أمر ليس سهلا عندما لا تعرف ما هو الشعور بالألم. أحاول الآن أن أكون حذرا وإلا فإن جسدي سيتوقف يوما ما".

لكن الآليات ذاتها التي تسبب اضطراب بيتس يمكن أن تحسن حياة الملايين في العالم في المستقبل المنظور.

وقد تم الإبلاغ عن أول حالة من عدم الإحساس الخلقي بالألم عام 1932 من قبل طبيب من نيويورك يدعى جورج ديربورن، كان قد وضع توصيفا لحالة بائع تذاكر في الرابعة والخمسين من العمر ادعى أنه لا يذكر أي شعور بالألم رغم تجارب عديدة مثل ركضه إلى منزله بعد التعرض للطعن وهو طفل.

وعلى مدى السنوات السبعين التالية، لم يعر العلماء اهتماما كبيرا لهذه الحالة الغامضة التي كانت تبرز في بعض الأحيان في السجلات الطبية حول العالم. ولكن مع تقدم وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت العثور على مجموعات من الناس تعاني من عدم الإحساس الخلقي بالألم أسهل، بدأ العلماء يدركون أن دراسة هذا الاضطراب النادر قد يوفر فهما جديدا للألم بحد ذاته وكيفية إيقافه للكثيرين الذين يعانون من حالات ألم مزمنة.

أما الحافز الأساسي لذلك فهو "مالي" من الدرجة الأولى، فالألم أصبح صناعة عالمية لدرجة مأساوية تقريبا، إذ يستهلك سكان العالم 14 مليار جرعة من أدوية تخفيف الألم يوميا، بتقديرات تشير إلى أن واحدا من بين كل عشرة بالغين يعاني من ألم مزمن سنويا. ويستمر هذا الأمر لمدة سبع سنوات في المتوسط.

ويعود سبب شعورنا بالألم إلى نشاط البروتينات التي تعيش على سطح الخلايا العصبية، وهي الخلايا التي تمتد من الجلد إلى النخاع العظمي. وهناك ستة أنواع من خلايا الألم العصبية، وعندما تنشط من خلال المحفزات فإنها ترسل إشارة إلى النخاع الشوكي وتصل إلى الجهاز العصبي المركزي وتلمس على شكل ألم. ويمكن للدماغ أن يغلق شبكة إشارة الألم هذه إذا ما اختار ذلك عبر مواد كيميائية تدعى الإندورفين، والتي تنتج في حالات الإجهاد الشديد أو ارتفاع مستوى الأدرينالين.

مصدر الصورة iStock
Image caption يمكن لصبي باكستاني أن يمشي على الفحم الحار ويغرز السكاكين في ذراعيه دون إظهار أي علامات على الألم

ويهيمن على عالم مسكنات الألم مواد أفيونية مثل المورفين والهيروين والترامادول التي تعمل بطريقة مشابهة للإندورفين، بما فيها تلك المسببة للإدمان "العالي". وقد كانت نتائج هذه المسكنات مدمرة، ففي الولايات المتحدة يتوفى 91 شخصا يوميا من جرعات زائدة من المواد الأفيونية ليصل عددهم إلى أكثر من نصف مليون منذ العام 2000.

ولا تتسم البدائل الأخرى مثل الأسبرين بالفاعلية في حالات الألم الشديد ويمكن أن تسبب آثارا جانبية معوية شديدة على المدى الطويل. ورغم أن هناك حاجة ملحة إلى إحراز تقدم في أبحاث الألم، إلا أنه لم يتحقق سوى القليل حتى أيامنا هذه.

في أوائل الألفية الثانية، سمعت شركة كندية صغيرة للتكنولوجيا الحيوية تدعى "زينون للأدوية" عن عائلة من مقاطعة نيوفاوندلاند الكندية يعاني العديد من أفرادها من عدم الإحساس الخلقي بالألم. ويقول سايمون بيمستون، رئيس الشركة ورئيسها التنفيذي، إن "الأولاد في العائلة كانوا غالبا ما يكسرون سيقانهم حتى أن أحدهم وقف على مسمار دون أن يشعر بألم واضح".

وبدأت الشركة تجوب العالم لإيجاد حالات مماثلة لإجراء تجارب على الحمض النووي وترتيب جزيئاته. ووجدت الدراسة الناتجة عن ذلك طفرة مشتركة في الجينات تدعى SCNP9A وهي التي تنظم مسارا في الجسم يدعى "قناة الصوديوم Nav1.7". وعملت تلك الطفرة الجينية على إلغاء هذه القناة، وبالتالي إلغاء القدرة على الشعور بالألم.

وكان ذلك هو التقدم الذي كانت صناعة الأدوية بانتظاره.

ويقول روبن شيرنغتون، نائب رئيس شركة زينون لتطوير الأعمال، والذي كان مشاركا كبيرا في الدراسة الأولية، إن "الأدوية التي تعطل قناة Nav1.7 يمكن أن تكون وسيلة جديدة لعلاج المتلازمات المزمنة مثل الألم الالتهابي وآلام الأعصاب وآلام أسفل الظهر والفصال العظمي. ولأن كل الوظائف الحسية تبقى طبيعية لدى مرضى عدم الإحساس الخلقي بالألم عدا عدم الشعور بالألم، فإنها توفر احتمال الحد الأدنى من الآثار الجانبية".

مصدر الصورة iStock
Image caption يستهلك سكان العالم 14 مليار جرعة من أدوية تخفيف الألم يوميا

وعلى مدى العقد الماضي، أثار Nav1.7 "سباق ألم" عبر صناعة التكنولوجيا الحيوية بين عمالقة شركات الأدوية، بما فيها ميرك وأمجين وليلي وفيرتكس وبيوجين، التي تتنافس كي تصبح الأولى في جلب فئة جديدة تماما من مسكنات الألم إلى السوق.

ولكن تطوير حاصرات قناة الصوديوم التي تعمل على الجهاز العصبي الخارجي على وجه التحديد ليس عملية بسيطة تماما. وقد يستغرق الأمر خمس سنوات حتى يمكن معرفة ما إن كان تثبيط 1.7 Nav هو مفتاح تعديل إشارات الألم في البشر. وتعول شركة زينون ذاتها على ذلك، ولديها حاليا ثلاثة منتجات قيد التجارب السريرية بالشراكة مع كل من تيفا وجينتك. ووصل أحد هذه المنتجات إلى المرحلة الثانية من التجارب لألم الحزام الناري والمنتجان الآخران في المرحلة الأولى من دراسات السلامة.

ويقول شيرنغتون "يعتبر1.7 Nav هدفا صعبا وشاقا لصناعة الأدوية لأنه واحد من قنوات الصوديوم التسع المتشابهة للغاية. وهذه القنوات نشطة في الدماغ والقلب والجهاز العصبي، لذا يتعين تصميم شيء يستهدف تلك القناة بعينها ويعمل فقط على الأنسجة التي تريد أن يعمل فيها، وهو ما يتطلب الكثير من الحذر".

وفي غضون ذلك، تستمر مسارات جديدة وراء الألم في الظهور من خلال دراسة عدم الإحساس الخلقي بالألم. ويعد أحد أكثر المسارات إثارة هو PRDM12 الذي يعمل كمفتاح رئيسي على ما يبدو ويحفز ويوقف سلسلة من الجينات ذات العلاقة بالخلايا العصبية للألم.

ويقول وودز "قد لا يعمل PRDM12 بشكل صحيح في حالات الألم المزمن وهو مفرط في النشاط. وإذا تمكنا من إعادة توجيهه، فيحتمل أن نتمكن من تحويل خلايا الألم العصبية إلى حالة طبيعية مرضية. والأمر الآخر المثير بشأن PRDM12 هو أنه يظهر في خلايا الألم العصبية فقط، لذا إذا تمكنا من صناعة دواء لتعديله فربما نحصل على مسكن بآثار جانبية قليلة جدا، لأنه لن يؤثر على أي خلايا أخرى في الجسم".

وفيما يستفيد عالم أبحاث مسكنات الألم من تميز أولئك الذين يعانون من الاضطراب غير العادي بعدم الإحساس الخلقي بالألم، فإن احتمال جعلهم يعيشون حياة يشعرون فيها بالألم في المستقبل لا يزال ضئيلا.

ويشير بيمستون إلى أن هؤلاء الأفراد، ومن خلال مشاركتهم بالدراسات التي يشرف عليها مختصون طبيون، وفي العديد من الحالات للمرة الأولى، بدأوا يتلقون مشورات طبية. ويضيف "دون مساهماتهم لن نتمكن من التقدم في هذا المجال، لذا فنحن ممتنون لهم للغاية. ويستفيد هؤلاء الأفراد كونهم جزءا من النظام الطبي لأنه يمكن تنفيذ استراتيجيات على هذه الأسر كي لا يُحدث الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب ضررا كبيرا لأنفسهم حين يكبرون. ومن خلال هذه الدراسات، يمكن أن يصبح تشخيص حالات عدم الإحساس الخلقي بالألم في وقت مبكر متاحا أيضا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة