مخاطر العمل في حراسة محطات الطاقة النووية البريطانية

الضباط المكلفون بحماية محطات الطاقة النووية البريطانية مصدر الصورة Nuclear Police

انزلقت إحدى السيارات على جانب الطريق، وقفز منها السائق على الأسفلت، وكان يعتزم التوجه إلى أحد المباني المجاورة. وحين همّ الرجل، الذي كان يرتدي سترة مموهة، أو بالأحرى تظاهر، بتحطيم أحد نوافذ السيارة باستخدام أداة حديدية، صاح أحد ضباط الشرطة: "توقف".

كان هذا جزءا من تدريب يؤدي فيه أحد المدربين دور شخص مخالف للقانون.

وتجرى هذه التدريبات في معسكر سابق للجيش في مقاطعة سري بالمملكة المتحدة، حيث أقف وسط عشرات من ضباط الشرطة الذين يتدربون على كيفية حراسة وحماية محطات الطاقة النووية ذات الحماية الأمنية المشددة، والتي يبلغ عددها في المملكة المتحدة 14 محطة.

ويعد هذا المعسكر من أهم مراكز التدريبات العسكرية، المصممة لتحسين مهارات مجموعة من منفذي القانون المدربين على أعلى مستوى، والمكلفين بحراسة المنشآت النووية من الجرائم والعمليات الإرهابية.

ثم صاح الضباط مرة أخرى "الق ما في يدك"، وفي لمح البصر طرحوا المتسلل الزائف أرضا وتظاهروا بصعقه بالكهرباء. وبعد بضع دقائق، قام الضباط بتفتيش المدرب، المستلق على الأرض بلا مقاومة، بطرق التفتيش والتحقيق المعتادة للتأكد من عدم وجود المزيد من التهديدات. واستغرق هذا التدريب عدة دقائق، بينما كان المتدربون ومدربوهم يراقبون بانتباه.

وبعد بضعة دقائق، ستقوم المجموعة بمناقشة وتحليل هذا التدريب بالتفصيل. وهذا التدريب ليس مصمم للضباط المبتدئين، فالكثير من هؤلاء المتدربين هم ضباط وضابطات شرطة متمرسون من قوات حماية المنشآت النووية المدنية.

وتتولى "شرطة المنشآت النووية" البريطانية حماية محطات الطاقة النووية من التهديدات، وهذا يتضمن اتخاذ الاستعدادت اللازمة للتصدي لكل من يحاول اقتحام المنشأة، على سبيل المثال. ويعد أسوأ الاحتمالات التي يستعدون لها هو الهجوم الذي يستهدف المحطة النووية بنجاح أو يسفر عن سرقة مادة نووية.

وأعطاني المدربون سدادات أذن، وأدركت السبب بعد بضع دقائق.

أطلق مدرب آخر مجموعة من طلقات الصوت من بندقية من طراز "ايه كيه 47"، وصوت هذه البندقة يصم الآذان، وتضيء فوهتها باللون البرتقالي مع كل طلقة. ومن مكان ليس ببعيد، رد ضباط في دورية زائفة على الهجوم، وتبادلا إطلاق النار، بعد أن بات من الواضح أن هذا المهاجم الوهمي لا يمكن السيطرة عليه بهدوء. ولم يمض وقت طويل حتى رفع المهاجم ذراعيه مستسلما وسقط على الأرض في إشارة إلى أنه جُرح أو قُتل. وتوجه إليه الضباط لتفتيشه.

وفي هذه الأثناء، كان المدربون يراقبون التدريبات بعناية، فإن مهمتهم تقييم رد فعل المتدربين تجاه الحدث، وستكشف طريقة تصرف هذه القوات وسرعة تأمينها للمنطقة عن مدى قدرتها على الاستجابة للطوارئ.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption يطلق المدربون طلقات صوت من أسلحة نارية كجزء من التدريب لمحاكاة الطوارئ المحتملة

وتخضع محطات الطاقة النووية حول العالم لحراسة مشددة. ووفقا لمعهد الطاقة النووية بالعاصمة الأمريكية واشنطن، تحاط محطات الطاقة النووية الأمريكية بحواجز وأنظمة أمنية مشددة. ومن المعتاد أن تجد دوريات الحراسة تطوف حول المكان. وزادت التدريبات بالذخيرة الحية التي تلقاها أفراد الأمن بهذه المواقع منذ عام 2009.

لكن المستوى الأمني بمحطات الطاقة النووية قد يتغير من وقت لآخر، ففي أعقاب هجمات باريس في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015، شددت فرنسا الإجراءات الأمنية على منشآتها.

وبعد بضع سنوات من هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، اتخذت المملكة المتحدة قرارا بتعزيز الأمن حول منشآت الطاقة النووية البريطانية. وفي عام 2005، حلت شرطة المنشآت النووية المدنية محل شرطة حماية هيئة الطاقة الذرية، التي تأسست عام 1994 ولم تتول حماية محطات الطاقة. ويتمركز ضباط شرطة المنشآت النووية المسلحون حول جميع مواقع محطات الطاقة النووية غير العسكرية، ليوفروا مستوى غير مسبوق من الحماية.

وكانت الأنظار موجهة في الآونة الأخيرة إلى شرطة حماية المنشآت النووية، كونها حديثة نسبيا. وفي العام الماضي، كشفت المعلومات التي حصلت عليها بي بي سي من شرطة المنشآت النووية، بموجب قانون حرية المعلومات، عن وجود 130 مخالفة أمنية على مدار السنوات الخمسة الأخيرة، بما فيها اختفاء مسدس أثناء التدريبات، وفقدان مفاتيح لإحدى محطات الطاقة. ومع ذلك، غُيرت أقفال محطة الطاقة، وعثر على المفاتيح فيما بعد.

وقال مايك غريفيث، رئيس شرطة حماية المنشآت النووية ردا على ذلك، إن شرطة المنشأت النووية تلتزم بالحفاظ على القيم والمعايير الأمنية التي يتقيد بها عناصرها، وقد تغيرت بالفعل بعض الإجراءات بعد اختفاء المسدس، لمنع تكرار ذلك مستقبلا.

حالات قصوى

إن الأحداث التي يستعد الضباط لمواجهتها في التدريبات اليوم نكاد لا نراها في الواقع.

يقول أحد المتدربين في الاستراحة بين التدريبات: "هل سبق لي أن أطلقت رصاصة منذ أن انضممت إلى شرطة المنشآت النووية؟ كلا. لكن هل أتوجه مع زملائي في الدورية إلى مواقع الحوادث ونتعامل مع الجمهور يوميا أو أسبوعيا؟ نعم".

وفي بعض الأحيان، يلقي الضباط في دورية شرطة حماية المنشآت القبض على المخالفين للقانون. وفي عام 2015، نجحوا في ضبط 11 مخالفة. وفي عام 2011، سُجلت ثلاث مخالفات كحوادث إرهابية.

وأضاف المتدرب أنه يعمل الآن في موقع هينكلي بوينت بمقاطعة سومرست، جنوب غربي إنجلترا. وقد صادقت الحكومة البريطانية مؤخرا على قرار إنشاء محطة "هينكلي بوينت ج" الجديدة للطاقة النووية. لكن القرار أثار جدلا واسعا. ومن بين مهام ضباط حماية المنشآت النووية تأمين محطات الطاقة في مواجهة الاحتجاجات المناهضة لإنشاء محطات طاقة نووية جديدة.

ويقول الضابط: "هؤلاء المتظاهرون يريدون التعبير عن رأيهم، وإذا وفرنا للناس مساحة من الحرية لذلك، فلن تحدث مشاكل".

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption يتلقى ضباط شرطة حماية المنشآت النووية تدريبات صارمة على كيفية إحباط أية محاولات لاقتحام محطات الطاقة النووية البريطانية

ومع ذلك، فإن هناك الكثيرين في المملكة المتحدة لا يعلمون بوجود ضباط مدججين بالأسلحة، يحرسون محطات الطاقة النووية يوميا على مدار السنة، إذ أن ضباط الشرطة في المملكة المتحدة لا يحملون أسحلة في المعتاد.

ومن بين نحو 200 ألف ضابط شرطة في إنجلترا وويلز، تلقى عشرة آلاف و500 ضابط فقط تدريبات على استخدام الأسلحة النارية. إلا أن هناك بعض الاستثناءات في المملكة المتحدة، كما هو الحال في هيئة الشرطة في أيرلندا الشمالية التي يُمنح فيها جميع الضباط أسلحة.

ولهذا السبب، يقول ضباط شرطة المنشآت النووية إن السكان في المناطق المجاورة يسألونهم بين الحين والآخر عن سبب وجود الضباط المدججين بالسلاح. ويقول المتدربون إنهم يحاولون توضيح دورهم للناس كلما أمكن.

وتتولى شرطة حماية المنشآت النووية الكثير من المهام، من بينها حراسة المواد النووية أثناء نقلها داخل أراضي المملكة المتحدة وخارجها، إذ تُجهّز بعض السفن التي تنقلها خارج البلاد بالمدافع الرشاشة. وفي العام الماضي، أشرفت فرقة حراسة خاصة تابعة لشرطة حماية المنشآت النووية على نقل مواد نووية عبر مسافات بلغت في مجملها 30 ألف ميل حول العالم. ويخضع جميع الضباط لعمليات فحص للتأكد من عدم تأثرهم بالإشعاعات، ويحمل كل منهم جهاز قياس الجرعات الإشعاعية، الذي يقيس تعرض الجسم للإشعاع.

وتسهم شركات الطاقة التي تدير المواقع النووية في تمويل شرطة حماية المنشأت النووية، التي تبلغ ميزانيتها نحو 100 مليون جنية استرليني. ويقول المتحدث باسم شرطة المنشآت النووية إن مساهمة دافعي الضرائب في تمويل شرطة المنشآت النووية ضئيلة للغاية. وبينما زادت الأموال المخصصة لشرطة المنشآت النووية إلى حد غير مسبوق في السنوات الأخيرة، خُفّضت ميزانيات قوات الشرطة الأخرى في ظل إجراءات التقشف.

وفي خطة استراتيجية تمتد من عام 2016 إلى 2020، ذكرت هيئة التنظيم النووي التهديدات التي تواجه البنية التحتية النووية بالمملكة المتحدة، والتي كان من بينها التجسس لحساب دول أخرى والإرهاب.

وكان الجو باردا هذا الصباح في معسكرات الجيش بمقاطعة سري، لكن الكثير من الضباط اعتادوا أن يتجولوا في الشوارع في جميع الأجواء وفي المواقع النائية. ومن بين المواقع التي توفر لها شرطة المنشآت النووية الحماية، محطة الطاقة النووية في دونراي، على الساحل الشمالي لاسكتلندا، والتي خرجت من الخدمة حاليا.

وذكر بعض الضباط في فرقة أخرى إنهم يحبون التحدث إلى السكان عندما يخرجون في دوريات حراسة، إلا أن هذا ليس سهلا عندما تكون مدججا بالأسلحة والدروع.

وقال أحد الضباط: "يستقي الكثيرون معلوماتهم عن الأسلحة النارية من الأفلام". وأضاف آخر: "والأفلام الأمريكية أيضا، التي تعكس ثقافة أمريكية مختلفة تماما عن الثقافة البريطانية".

وأشار ثالث إلى أن طبيعة مهام ضباط المنشآت النووية غير واضحة للناس من خارج جهاز الشرطة.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption تمتلك المملكة المتحدة أكثر من 12 محطة للطاقة النووية التي تحتاج إلى حماية من المخاطر المحتملة، ولهذا السبب توجد شرطة حماية المنشآت النووية

وأضاف الضابط: "بعض الناس لا يعرفون ما الذي نفعله تحديدا، فنحن لا نقف على البوابات بالسلاح فحسب، بل هناك الكثير من المهام الأخرى التي نضطلع بها، مثل الإشراف على نقل المواد النووية الذي يتطلب حرصا شديدا".

ولا يخفى على أحد مدى خطورة المواد النووية، ولهذا يخضع الضباط لفحص دوري للكشف عن مدى تعرضهم للإشعاع.

ويقول ضابط آخر مشيرا إلى مقياس الجرعات الإشعاعية: "هذا لا يفارقنا أبدا. وإذا ذهبنا إلى أماكن تزداد فيها نسب الإشعاعات، فتُستخدم أجهزة لقياس ومراقبة جودة الهواء من حولنا".

لكن الضباط هنا لا يشعرون بالقلق حيال احتمال تعرضهم للإشعاعات. ويضيف الضابط: "أنا لست مهتما".

ويبدو أن جميع الضباط هنا لديهم خبرات مختلفة، إذ كان أحدهم يخدم في السجون سابقا. ويقول الآخر إنه كان ضابط جيش سابق، والثالث يقول إن هذه هي المرة الأولى التي يتولى فيها دور في مجال إنفاذ القانون.

وقال الأخير: "لقد جئت إلى هنا مباشرة"، وقاطعه الآخر مازحا: "لقد جاء من المدرسة إلى هنا"، وتعالت ضحكاتهم جميعا.

ويقول أحد الضباط: "أرى أن ما يميز هذا المكان هو روح الود والصداقة التي تسود بين جميع الضباط. وهذا الأمر لا يفهمه أحد خارج الجهاز. ويضطر كثيرون لنقل السكن بعد الحصول على الوظيفة، لأنك ببساطة لا تستطيع تأديتها إذا كان مسكنك بعيدا عن مكان عملك".

ويوافق الجميع على أن التدريب بانتظام هو الجزء المفضل من هذه الوظيفة، ويقولون: "نود لو نتدرب طوال اليوم، وكل يوم إن استطعنا".

وهذه الوظيفة تتطلب مجهودا بدنيا، ولهذا يجب أن يحافظ الضباط على لياقتهم البدنية. ويوجد متخصصو لياقة بدنية في جميع المواقع، مهمتهم توفير الدعم الصحي للضباط ومساعدتهم على التعافي من أية إصابات عضلية تحدث للضابط أثناء تأدية عمله. وهذا يعد جزءا من الإجراءات الجديدة التي وُضعت للحد من الإجازات المرضية، التي زادت مؤخرا عن المستويات المطلوبة.

وفي العام الماضي، خسرت شرطة حماية المنشآت النووية معركة قانونية بشأن نظام المعاشات الجديد، وهذا يعني أن الضباط لن يتمكنوا من التقاعد قبل بلوغ 65 عاما، أو بالأحرى لن يتقاعدوا قبل أن يبلغوا 68 عاما. وتختلف شرطة حماية المنشآت النووية عن قوات الشرطة المعتادة، فلا يتولى ضباطها التحقيق في الجرائم أو الحفاظ على النظام العام، وتخضع لإشراف وزارة الخارجية، على عكس أجهزة الشرطة الأخرى التي تخضع لإشراف وزارة الداخلية، ولهذا فإنها تعامل معاملة مؤسسات القطاع العام.

ورغم ذلك، يرى اتحاد شرطة المنشآت النووية المدنية أنه ليس من المنطقي أن يواصل الضباط تأدية هذه الوظيفة، التي تتطلب جهدا بدنيا استثنائيا، طوال هذه السنوات.

لكن الغالبية العظمى من الضباط الذين شاهدتهم اليوم أصغر سنا من ذلك، وتملأهم الحماسة لحماية محطات الطاقة النووية.

ويقول أحد الضباط: "يواظب الكثير من ضباط حماية المنشآت النووية على حضور التدريبات، لأننا نتعامل مع مواد على أعلى درجة من الحساسية"، وأضاف آخر "ولهذا فإننا نهتم بالتدريبات".

ويؤكد جميع الضباط في التدريب اليوم أنهم يقدّرون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. ونظرا لما تتطلبه الممتلكات النووية للدول اليوم من مستويات فائقة من الحماية، فعليهم أن يتوخوا الحذر واليقظة في مواجهة التهديدات الخطيرة المحتملة.

ويضيف المتدرب: "في النهاية لو وقع مكروه، لن يكون أمامك إلا فرصة واحدة للنجاة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقعBBC Future

المزيد حول هذه القصة