ما الذي يدفع سكان هونغ كونغ للزراعة فوق أسطح المباني؟

نباتات مزروعة في صناديق خشبية فوق سطح أحد المباني مصدر الصورة Robert Davies
Image caption تضيف المزرعة المقامة على سطح برج "بانك أوف أمريكا" المكون من 39 طابقا، مساحة خضراء يحتاجها أهل المدن بشدة

تشهد هونغ كونغ في الآونة الآخيرة إقبالا على الزراعة فوق أسطح المباني، مصدره الخوف من تلوث الأطعمة. وقد تُسهم هذه المزارع التي تُقام فوق الأسطح في حل الكثير من المشاكل التي يعاني منها مجتمع يزداد انقساما، وترتفع بين سكانه نسبة المسنين.

لن تندهش في المعتاد لو رأيت فراشة تحط على ورقة خس. لكنني اليوم أقف فوق سطح برج "بنك أوف أمريكا"، وهو مبنى مكون من 39 طابقا في قلب المنطقة الأكثر ازدحاما في هونغ كونغ، لأرى واحدة من أعلى المزارع في المدينة. وهذه الفراشة بالتأكيد قد قطعت أميالا عبر الأبراج لتصل إلى هذه الواحة الصغيرة .

يقول أندرو تسوي، أحد مؤسسي "روفتوب ريبابليك" للزراعة في المدن، وهي مؤسسة اجتماعية تهدف إلى تحويل أسطح المباني الشاهقة التي تصيبك بالدوار بالمدينة إلى حدائق غنّاء: "كل ما عليك فعله هو أن تزرع، وستأتي إليك الطبيعة وتستمتع بالنباتات"، ثم انضم إلينا بول فابريغا وميشيل هونغ، اللذان يديران معا تلك المؤسسة.

ولولا أننا على ارتفاع 146 مترا فوق الشارع، لكانت هذه المزرعة ستبدو كأي قطعة أرض أو حديقة في فناء خلفي، إذ صُفت فيها الصناديق الخشبية مستطيلة الشكل، التي نبتت في البعض منها براعم حديثة، وترعرعت في البعض الآخر منها نباتات خضراء لم يحن قطافها بعد. وفي هذا المكان، طغى صوت الرياح على صوت ضجيج السيارات.

كانت الشمس ساطعة، رغم أننا كنا في شهر فبراير/شباط، وتقول ميشيل هونغ إن الطقس مثالي لنمو النباتات في أغلب شهور السنة في هونغ كونغ رغم تعرضها لأشعة الشمس المباشرة، وهذا يعني أنه يمكنهم زراعة مختلف أنواع النباتات.

وتضيف هونغ: "لدينا طماطم كرزية، وخضروات لا تحتاج لطهي، وبروكلي، وكلها تصلح للزراعة هنا".

ولا تقل الخضروات الورقية التي رأيتها اليوم نضارة عن النباتات التي تنمو في أي مكان آخر في مستوى سطح البحر. ويعتني بهذه النباتات الموظفون الذين يعملون في المكاتب بالبرج يوميا، ويرسلون الثمار التي زرعوها بأنفسهم إلى أحد بنوك الطعام، لتوفير الغذاء للمحتاجين.

ويقول تسوي: "نحن نريد أن نتبرع بمنتجات جيدة، وليس فضلات الطعام فحسب". لكن المزارعين في مشروعات أخرى قد يحتفظون بالمحصول لأنفسهم.

مصدر الصورة Robert Davies
Image caption تشهد هونغ كونغ في الأونة الآخيرة إقبالا على الزراعة فوق أسطح المباني

وتعد الخضروات الطازجة المزورعة في هونغ كونغ من المنتجات باهظة الثمن والنادرة أيضا. وأوضح تسوي السبب، مشيرا إلى سلاسل الجبال التي تحيط بالمدينة، ويمتد بينها صفان من التجمعات السكنية يحيطان ميناء فيكتوريا من الجانبين.

ويقول تسوي: "يكتظ في هذين الحزامين الضيقين ما يتراوح بين خمسة وستة ملايين نسمة". ونظرا للكثافة السكانية المرتفعة، تستورد المدينة ما يزيد على 90 في المئة من احتياجاتها من الطعام، وأغلبها من الصين.

لكن بعد ظهور حالات تلوث أطعمة واردة من الصين، وتسليط الضوء عليها، زاد إقبال الناس الآن على المنتجات المزروعة في هونغ هونغ. فإذا لم تتسن لهم زراعتها على الأرض، فسيرزعونها بالقرب من السحب.

ويعد إنتاج الطعام واحدا من بين أهداف عديدة للمشروع، إذ يتمثل الهدف الأكبر في إحداث تغيير جذري في نمط الحياة سريع الإيقاع في هونغ كونغ.

فالمجتمع في هونغ كونغ، كحال أغلب المدن، ينقسم إلى طبقات اجتماعية، ويرتبط مواطنوها بمجموعاتهم الخاصة من الزملاء والأصدقاء المقربين، وتعيش كل مجموعة في الغالب بمعزل عن غيرها من المجموعات.

ويأمل فريق "روفتوب ريبابليك" أن تساعد المزارع التي تقام فوق الأسطح في إذابة الفوارق بين الطبقات. ويقول تسوي: "إنها تجربة اجتماعية بعض الشيء".

ولتحقيق ذلك، يحاول الفريق على سبيل المثال دعوة المزارعين الذين يعيشون في المناطق المجاورة لزيارة المدينة، لكي يُعلموا العاملين بها الأساليب الزراعية. ويقول تسوي: "نأمل أن تظل هذه المعلومات الثرية عن أساليب الزراعة العضوية باقية لتتناقلها الأجيال، وتنتشر بين أفراد المجتمع".

وفي المقابل، يتلقى المزارعون أجرا نظير زراعة الشتلات في المزارع فوق الأسطح، وبهذا يوفر لهم الفريق مصدرا ثابتا للدخل يحميهم من تقلبات السوق. ويقول تسوي إن هذا الدخل "ينطوي على مخاطر أقل من سائر الأعمال التي يؤدونها، وبإمكانهم أيضا أن ينظموا وقتهم".

ربما تبدو هذه المبادرة بسيطة، لكنها قد تسهم في الربط بين مجموعتين مختلفتين من السكان لا يحدث بينهما أي تواصل في المعتاد. كما يعمل الفريق مع ضعاف السمع والمعاقين، الذين يسهم التواصل مع الطبيعة في تحسين حالتهم الصحية.

وبعد أن غادرنا برج "بنك أوف أمريكا"، اصطحبني الفريق إلى مشروع آخر فوق سطح مبنى "فرينج كلب" (أو نادي فرينج) في هونغ كونغ، ويُزرع في هذه المزرعة مختلف الخضروات من الباذنجان، والطماطم، والزعتر البري وعشب الليمون، والنعناع والكرنب، والتي تحتاجها الحانة والمطعم في المبنى.

وقد مررت بجانب هذا المبنى عشرات المرات دون أن أدرك أنه يحتضن هذه الحديقة الغنّاء البعيدة عن الأنظار فوق سطحه. وهنا، أخبرني الفريق عن الهدف الآخر للمشروع وهو التعليم، إذ يهدف الفريق، من خلال تنظيم ورش عمل بانتظام، إلى توعية سكان المدن بهونغ كونغ بالموارد التي نحتاجها لزراعة الطعام الذي نأكله.

مصدر الصورة Robert Davies
Image caption توفر المزرعة على سطح مبنى نادي "فرينج" بهونغ كونغ الخضروات التي يحتاجها المطعم والحانة بالمبنى

وتتذكر هونغ إحدى المجموعات التي لم تكن قد رأت نبات البروكلي قط، وتقول: "لم تدرك المجموعة أن كميات البروكلي التي نأكلها محدودة. وإذا نظرت إلى الكميات المتوفرة في المتاجر، ستدرك حجم المساحة التي نحتاجها لزراعة هذه الكميات".

ويقول فابريغا إن الآباء والأبناء يستفيدون على حد سواء من ورش العمل التي ينظمها الفريق لتعليم الأسر. ويضيف: "نحن نعلم الناس، رغم أننا نقدم لهم المعلومات الأساسية فقط". وعندما يتعرف الناس على مصادر الطعام وتبعات إهداره على البيئة، قد يختاروا الاعتدال في استهلاك السلع الغذائية، للحفاظ على الموارد البيئية.

ويأمل تسوي أن يواظب الموظفون على تمضية وقت الراحة في المزارع التي تقام على الأسطح كعادة يومية ثابتة. ويشبه تسوي هذه المزارع بمشروب القهوة، الذي كان يوما نوعا من الترف، لكنه أصبح الآن جزءا من الحياة اليومية، بعد أن استحسنه الناس بمرور الوقت.

وإذا سارت الأمور كما يرغب تسوي، فإن الرحلة إلى المزرعة لن تقل أهمية عن جرعة الكافيين اليومية التي يوفرها مشروب القهوة. ويقول تسوي: "ومهمتنا أن نجعل تجربة الزراعة باعثة على الهدوء والراحة".

ولكي نفهم إمكانيات المزراع على الأسطح بصورة أوضح، التقيت ماثيو بريور، الذي يعمل لدى إدارة هندسة المناظر الطبيعية بجامعة هونغ كونغ. ويقول بريور، البريطاني الذي انتقل من المملكة المتحدة إلى هونغ كونغ منذ 25 عاما: "إن سرعة انتشار هذه المزارع وكثرتها تجعل الناس يتعلقون بها، فأنت لا تحبها فحسب، بل لن تستطيع الاستغناء عنها".

وحين قابلت بريور كان منهمكا في مشروعه الحالي، إذ يحاول أن يقدّر المساحة الكلية من المدينة التي يمكن أن تخصص لإقامة مزارع فوق الأسطح. والمدهش أنه وجد أن المساحة المتاحة، بحسب التقديرات الأولية، بلغت 695 هكتارا، أي نحو خمسة أمثال متنزه الهايد بارك في لندن، أو ضعف متنزه سنترال بارك في نيويورك.

ويقول بريور إن إجمالي المساحة الصالحة للزراعة على الأرض في هونغ كونغ "لا تتعدى نحو 420 هكتار، وهذا يعني أن المساحة المتاحة للزراعة على الأسطح أكبر من تلك المتاحة على الأرض".

وفي إطار المشروع، أجرى بريور مجموعة من الدراسات الاستقصائية عن المزارع التي أُقيمت على أسطح المباني في هونغ كونغ، ووجد نحو 60 مرزعة قيد الإنشاء. ويقول بريور: "ما يميز هذه المزارع أنها تلقائية وليس لها علاقة ببعضها، فقد فكرت 60 مجموعة في نفس الفكرة ونفذتها في نفس الوقت".

ويرى بريور أيضا أن هذه المزارع أحد الأشكال الفعالة للحفاظ على سلامة المجتمع لما لها من فوائد صحية، لا سيما لكبار السن. ويقول بريور: "وصل متوسط العمر المتوقع في الوقت الحالي في هونغ كونغ إلى 90 عاما، وهذا يعني أن سكان هونغ كونغ الأطول عمرا في العالم".

وتابع: "المشكلة أن كبار السن لا يجدون مكانا مناسبا للتنزه. ويقضون أغلب أوقاتهم في الشوارع، خاصة محدودي الدخل منهم. أليس من الأفضل أن يمضوا وقتهم على الأسطح؟"، مع العلم أن التدريبات الخفيفة والتواصل الاجتماعي المنتظم من أفضل الطرق للحماية من الخرف.

مصدر الصورة Robert Davies
Image caption الطقس في هونغ كونغ مثالي لزراعة الخضروات على مدار العام

ويضيف بريور أن المزارع التي تقام فوق الأسطح لها ميزة إضافية، وهي أنها تعزل الحرارة والصوت، وبهذا توفر الطاقة الإجمالية التي تستهلكها مكيفات الهواء في المبنى. ويقول بريور إنه يسعى لإقناع الحكومة بأن تنظر بعين الاعتبار للمزارع التي تقام فوق الأسطح بوصفها من الاستخدامات المقبولة للأسطح، وإدراجها ضمن التخطيط العمراني للمدينة.

ثم أراني بريور المزرعة التي ساهم في إقامتها فوق سطح جامعة هونغ كونغ بمساعدة الطلاب وبعض أعضاء هيئة التدريس. ويتذكر بريور المشقة التي تكبدها في حمل أطنان من الطين والسماد من الطابق العلوي إلى السطح، بعد أن حصل على تصريح بإقامة المزرعة، وكان عليه أن يلتزم الهدوء حتى لا يزعج الطلاب أثناء الامتحانات.

وكل ما أراه من حولي في هذه المزرعة معاد تدويره أو إصلاحه من مواقع البناء، وتتضمن المزرعة حاوية لإعادة تدوير الأطعمة وإنتاج السماد. وحرص بريور على زيادة وزن الطين في كل حوض لتثبيته في الأرض تحسبا لهبوب الأعاصير، وحتى الآن لم تتأثر المزرعة بالعواصف.

والمشكلة الكبرى التي يحاول بريور مواجهتها هي حماية المحاصيل من ببغاوات الكوكاتو ذات العرف الأصفر، ويقول: "هذه الببغاوات تعد من الطيور الضارة للمحاصيل، فهي مزعجة وعدوانية".

وفي اليوم الذي زرت فيه مزرعة الجامعة، في فبراير/شباط، في وقت الظهيرة، كانت هادئة تماما، وتطل على منظر الجبال الرائع التي تحيط بالمدينة. ويقول بريور: "يأتي أغلب الناس إلى هنا في آخر النهار ليتأملوا غروب الشمس".

هل تعطي هذه المزارع لسكان المدن في كل مكان بالعالم لمحة عن المستقبل؟ يقول بريور: "تعد هونغ كونغ مختبرا للتجارب. ونقول دوما للطلاب أثناء التدريس 'لا تتخذوا من هونغ كونغ معيارا، بل إن هونغ كونغ نموذج استثنائي'".

وإذا لاقت الزراعة فوق أسطح المباني هنا في هونغ كونغ استحسانا يضاهي استحسان القهوة وشعبيتها، فلن يمضي وقت طويل حتى تصبح مبانيها جزءا لا غنى عنه على مستوى العالم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة