أبطال مجهولون أنقذوا بعثة "أبولو 13" من كارثة محققة

صورة من الفضاء تظهر سطح القمر والأرض معا مصدر الصورة Getty Images

بعد يومين من انطلاق بعثة "أبولو 13" التي كان من المفترض أن تهبط على سطح القمر، حلت كارثة بالمركبة الفضائية التي تقل عددا من رواد الفضاء. ويستعرض فيلم وثائقي جديد تفاصيل تلك الرحلة، ويحكي فيه رائد الفضاء جيم لوفيل عن الجهود المذهلة التي بُذلت لإعادة طاقم تلك البعثة إلى الأرض.

في اليوم الثاني من انطلاق بعثة "أبولو 13"، في 14 من أبريل/نيسان 1970، كان أفراد البعثة، جيم لوفيل، وجاك سويغرت، وفريد هايس قد قطعوا مسافة طويلة في طريقهم إلى القمر. وفي وقت مبكر من ذلك اليوم، ذكر جو كيروين، مسؤول التواصل مع البعثة في مركز مراقبة البعثات الفضائية في مدينة هيوستن بولاية تكساس، أن المركبة الفضائية "في حالة جيدة وسليمة"، وأضاف مازحا "الملل يقتلنا هنا في المركز".

في الحقيقة، لم ينجح الهبوط الثالث لوكالة ناسا الفضائية على القمر في لفت انتباه الجمهور. يقول لوفيل، الذي شارف التسعين من العمر الآن، لكنه يبدو أصغر من ذلك بعشرين سنة، لـ بي بي سي فيوتشر: "كان الناس قد سئموا الحديث عن الهبوط على القمر، ولم تذكر الصحف معلومات عن بعثة أبولو 13 إلا في صفحات حالة الطقس".

وفي رسالتهم التي بُثت على القنوات التليفزيونية مباشرة بعد 55 ساعة و46 دقيقة من انطلاق البعثة، اصطحب الطاقم المشاهدين في جولة داخل وحدة القيادة ومركبة الهبوط على سطح القمر، لكن هذا البث لم تعرضه أي من القنوات التلفزيونية الرئيسية.

ويقول سي ليبرغوت، الذي كان يجلس خلف لوحة التحكم في مركز المراقبة بوكالة ناسا ليدير الأنظمة الكهربائية والبيئية والاتصالات بالمركبة الفضائية: "خلا مركز المراقبة من أي ممثل لوسائل الإعلام. إذ ظنت وسائل الإعلام أن الجمهور ليس مهتما برحلات الذهاب إلى القمر والهبوط على سطحه".

وكان ليبرغوت واحدا من بين الكثير من الشباب الذين عُينوا في مركز المراقبة، وكان أغلبهم في العشرينيات من العمر وقت عمليات الهبوط على القمر. ويسلط الفيلم الوثائقي الجديد، "مركز مراقبة البعثات الفضائية: أبطال أبولو المجهولون"، الضوء على دور ليبرغوت في مراقبة سلامة أنظمة الحفاظ على حياة البشر في مركبة أبولو الفضائية.

مصدر الصورة NASA
Image caption يقول جيم لوفيل، على يسار الصورة، إن الجمهور كان قد سئم الحديث عن البرنامج الفضائي الأمريكي

وقد أرسى كريس كرافت، أول رئيس لفريق مراقبي الرحلات الفضائية بوكالة ناسا، مفهوم الإشراف على الرحلات الفضائية المأهولة من غرفة واحدة على سطح الأرض من خلال مجموعة واضحة من الأوامر، مستفيدا من أفكاره في مجال اختبارات الطائرات.

وشبه كرافت التحكم في البعثات الفضائية بالفرقة الموسيقية، وعلى غرار قائد الأوركسترا، ينسق رئيس فريق مراقبة الرحلات الفضائية بين أجزائها المستقلة.

وينظر رئيس فريق مراقبة الرحلات الفضائية في جميع الأوامر أولا قبل أن يرسلها مسؤول التواصل مع الكبسولة الفضائية إلى رواد الفضاء. ويتولى عادة مهمة مسؤول التواصل رائد فضاء.

يقول ليبرغوت: "نحن هنا على الأرض أكثر دراية بالمركبة الفضائية وعملياتها من طاقم المركبة الفضائية. وتتردد دوما على ألسنتنا عبارة 'حاول أن تحل المشكلة'. إنه تدريب على ضبط النفس والالتزام وليس التنفيذ فحسب".

وقد بُذلت كل الجهود الممكنة لتحري الدقة والوضوح وتفادي وقوع اللبس في عملية اتخاذ القرار. وفي الواقع، حرص الجميع على اتخاذ كل الخطوات الممكنة لئلا تقع أحداث غير متوقعة.

وفي المساء، قبل أن يحين موعد استراحة طاقم البعثة "أبولو 13"، أبلغهم جاك لوزما، مسؤول الاتصالات: "13، بقيت لدينا مهمة واحدة فقط لتنفذوها متى أُتيحت لكم الفرصة، نريد منكم أن تشغلوا مراوح خزانات الأكسجين البارد".

كانت هذه الخزانات، التي توجد في وحدة الخدمات بالمركبة الفضائية، تقع ضمن نطاق مسؤولية ليبرغوت، فهي تحمل الأوكسجين والهيدروجين، اللذين يتحولان إلى كهرباء وماء من خلال تفاعل كيميائي في ثلاث خلايا وقود، لتشغيل الكبسولة وتوفير ماء الشرب لرواد الفضاء.

مصدر الصورة NASA
Image caption بعثة أبولو 13 كانت ستصبح ثالث بعثة تهبط على سطح القمر

وكان الغرض من تشغيل مراوح خزان الأوكسجين هو التأكد من أن السائل في أوعية الوقود سيختلط بشكل متجانس في الخزان، لضمان أن أجهزة القياس ستنتج قراءات دقيقة.

وما لبث سويغرت أن ضغط على زر تشغيل المراوح، حتى دوى صوت انفجار بعد دقيقتين، ثم انطلقت صفارات جهاز الإنذار الرئيسي.

وفي مركز المراقبة، كانت الساعة الأخيرة من نوبة عمل ليبرغوت، التي تستغرق ثماني ساعات، قد بدأت للتو، وكان أول من أدرك أن البعثة تواجه مشكلة ما. ويقول ليبرغوت: "كثرت البيانات وخرجت عن السيطرة، وسادت حالة من الهرج والجلبة في الغرفة. ولم نعرف ما الذي نراه أمامنا".

وقد طالت نوبة عمل ليبرغوت من ثماني ساعات إلى ثلاثة أيام. وقال لوفيل لمركز المراقبة: "هيوستن، نحن نواجه مشكلة هنا. يبدو لي، بالنظر خارج المركبة، أن ثمة شيئا ما يتسرب من المركبة إلى الفضاء".

وبات من الواضح أن هذا الخطأ لم يكن ناتجا عن أنظمة القياس عن بعد. ويقول لوفيل: "عندما وقع الانفجار، لم نعرف بادئ الأمر ماذا حدث. وحين رأيت الأوكسجين يتسرب، ورأيت على لوحة التحكم أننا نكاد نفقد كل الأوكسجين من الخزان الأول، وأنه ينفد سريعا من الخزان الثاني، أدركت أننا وقعنا في مأزق شديد".

وفي الوقت الذي كانت فيه المحطات التليفزيونية تتسابق للحصول على المعلومات، وتقطع البرامج لتنقل لقطات من مركز مراقبة البعثات الفضائية، أمر جين كرانز، رئيس المراقبين، فريقه بالتوصل إلى "حل للمشكلة"، وأصدر تعلمياته لكل الموجودين بالغرفة بأن يتكلموا من خلال السماعات ومكبر الصوت فقط، وأن يستعينوا بفريق الدعم الفني ويرصدوا سبب المشكلة.

يقول ليبرغوت: "لم يكن لدينا أدنى شك في أننا سننجح في إعادة الطاقم حيا إلى الأرض. فإن مراقبي الرحلات الفضائية لا يقبلون الإخفاق".

مصدر الصورة NASA
Image caption عمل فريق مراقبة البعثة على مدار الساعة لإعادة المركبة، التي كانت تواجه مخاطر حقيقية، إلى كوكب الأرض

لكن ثقة لوفيل اهتزت حين رأى أن المركبة تبعد 200 ألف ميل عن كوكب الأرض، ولا تزال آخذة في الابتعاد. ويقول لوفيل: "لم يكن لدينا أي حلول للعودة إلى الأرض، ولم نعرف ما يجب أن نفعله للخروج من المأزق. ولعل هذه المرحلة كانت الأسوأ في تلك الرحلة الفضائية، إذ لم نكن ندري هل سنعود إلى الأرض أم لا؟"

وقد تولى ليبرغوت، الذي تحمّل مسؤولية إخفاق الأنظمة، مهمه إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأوكسجين والطاقة في المركبة الفضائية التي لحق بها الضرر. وفي ضوء خطة الطوارئ التي وضعها تحسبا لتعطل إحدى خلايا الوقود، كان ليبرغوت يعتزم إغلاق محركات المركبة الفضائية لتخفيف الحمل على خلية الوقود الوحيدة المتبقية.

ويقول لوفيل: "كان هدفنا الحفاظ على خلية الوقود في وحدة القيادة إلى أطول فترة ممكنه، حتى يتمكن رواد الفضاء من الدخول إلى وحدة الهبوط على القمر لتشغيل الأنظمة. وقد نجحنا في ذلك من خلال اكتشاف الأعطال ومعالجتها بشكل منظم حتى لا تتوقف خلايا الوقود عن العمل".

وفي الفضاء، لم يُضع طاقم البعثة الوقت في انتظار التعليمات، بل كانوا قد بدأوا بالفعل في التحرك نحو مركبة الهبوط القمري التي لم يصبها أي خلل، إلا أن لوفيل أدرك من البداية أن الرحلة على متنها لن تكون مريحة.

ويقول لوفيل: "إن وحدة الهبوط على سطح القمر ضعيفة للغاية، فهي مصممة لتحمل شخصين فقط على مدار يومين، وقد رأيت أننا كنا ثلاثة أفراد، وتوقعنا أن تستغرق رحلة العودة أربعة أيام".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption نجحت المركبة القمرية في الرجوع إلى الأرض، رغم المخاوف من تعذر فتح المظلات

وأضاف ليبرغوت: "أدركنا في النهاية أننا لن نتمكن من الهبوط على سطح القمر، وأن البعثة لن تحقق هدفها، فقررنا أن تدور المركبة في المقابل حول القمر لتواجه الأرض".

وطيلة الأيام اللاحقة، عمل مراقبو البعثة الفضائية على مدار الساعة، يغفو كل منهم بضع دقائق تحت مكتبه كلما أتيحت له الفرصة، حتى يعيدوا طاقم بعثة أبولو 13 إلى الأرض، فقد كان أمامهم الكثير من المشكلات التي تحتاج إلى حلول.

وكانوا يخططون لاستخدام نظام الدفع بالمركبة الفضائية لئلا تحيد المركبة عن مسارها، وتوصلوا إلى طريقة للتخلص من ثاني أكسيد الكربون وبقاء رواد الفضاء على قيد الحياة، باستخدام غطاء بلاستيكي، وجورب قديم وشريط لاصق قوي لتركيب أجهزة سحب ثاني أكسيد الكربون مربعة الشكل التي كانت موجودة في وحدة القيادة.

يقول لوفيل: "كان النجاح ثمرة تعاون بين مجموعتين"، وأوضح في حواره أن المجوعتين واجهتا وقتا عصيبا. وتابع: "بينما كان لزاما على المجموعة الأولى، التي تجلس في غرفة المراقبة الوثيرة حيث تتوفر القهوة الساخنة والسجائر، أن تتوصل إلى أفكار لتساعدنا في العودة، كان على المجموعة الثانية أن تنفذ هذه القرارات بدقة من مركبة الفضاء التي تعاني البرودة والرطوبة".

مصدر الصورة NASA
Image caption مشاهد الاحتفال والابتهاج في مركز مراقبة البعثة الفضائية التي أعقبت إنقاذ طاقم البعثة

ورغم أن طاقم البعثة قد تمكن من تشغيل الكبسولة مرة أخرى للعودة بأمان إلى الأرض، بفضل إرشادات فريق مراقبة الأنظمة الكهربائية والبيئية والاتصالات بالمركبة الفضائية بقيادة ليبرغوت، فلم تكن نجاة طاقم البعثة مضمونة بعد.

ومن أجل توفير الطاقة على المركبة، اضطر الطاقم للتضحية بالطاقة الكهربائية التي تحافظ على درجة حرارة أنظمة المظلات.

ويقول لوفيل: "لو كانت الأنظمة التي تطلق المظلات قد أخفقت، كنا سنظل في مسارنا، وكنا سنهبط بسرعة فائقة في الماء، بشكل يتعذر معه البقاء على قيد الحياة".

ولم يتأكد مراقبو البعثة الفضائية أنهم أنجزوا المهمة بنجاح إلا في 17 أبريل/نيسان، حين شاهد الناس حول العالم على شاشات التلفاز لقطات هبوط كبسولة أبولو 13 من بين السحاب، تحملها ثلاث مظلات لتستقر على سطح المحيط الهادئ.

وأصبح طاقم البعثة أبطالا عالميين. وبعد أن تناقل العاملون بغرفة المراقبة السجائر الباهظة ابتهاجا بالنجاح، عاد ليبرغوت وفريق مراقبة الأنظمة إلى منازلهم ليأخذوا قسطا من النوم. وبعد بضعة أيام عادوا إلى العمل للتخطيط للبعثة اللاحقة.

واليوم يجلس الرجال والنساء، على حد سواء، خلف لوحات التحكم بمركز مراقبة البعثات الفضائية، إلا أن المبادئ التي أرساها كريس كرافت في الستينيات من القرن العشرين لم تتغير. وينسب نجاح كل بعثة فضائية إلى مجهود الفريق. وخلف نجاح كل رائد فضاء، عمل مئات الأشخاص على قدم وساق لضمان إعادة طاقم البعثة إلى كوكب الأرض على قيد الحياة.

ورغم ذلك، يقول لوفيل إن بعثة أبولو 13 ستظل من أفضل إنجازات مركز مراقبة البعثات الفضائية. ويضيف لوفيل: "عندما أعود بذاكرتي سنوات إلى الوراء، أجد أن انفجار خزان الأوكسجين ببعثة أبولو 13 ربما كان أفضل شيء حدث في برنامج أبولو للبعثات الفضائية".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة