تجارب لمساعدة رواد الفضاء على النوم بصورة أفضل

إحدى محطات الفضاء مصدر الصورة NASA
Image caption رواد الفضاء في حاجة إلى نيل قسط مريح من النوم

في مختبر بألمانيا، يتقاضى مشاركون في البحث مقابلا ماليا نظير مشاركتهم في محاولة لفهم أحد أعقد التحديات التي تواجه رواد الفضاء، وهو مساعدتهم على نيل قسطٍ مريحٍ من النوم خلال الليل.

أنا الآن داخل مختبر للأبحاث مُقام تحت الأرض، وسط غابة قريبة من مدينة كولونيا الألمانية. الغرف هنا لا نوافذ لها، ويكسو جدرانها اللون الأبيض، وتتراص عليها بضع صور. أما الأضواء فساطعة للغاية، وتصدر من مصابيح غير مرئية.

الغرفة التي أقف فيها حاليا لا تحتوي سوى على فراش واحد، وجهاز كمبيوتر، بجانب لوحة واحدة ذات طابع مزعج تصوّر تضاريس غريبة تحيط بنبتة عملاقة مُزهرة، وقطار فضائي له تصميم غريب ومتطور. وفي السقف، ثُبتت كاميرات ترصد كل حركاتي وسكناتي.

في مكاني هذا، بِتُ منعزلا عن العالم الخارجي، إلى حد يجعلني أجهل في أي وقت من النهار أو الليل أنا. أشعر هنا بانفصال شديد عن الواقع، وأنني ربما لم أعد موجودا على كوكب الأرض من الأصل. على أي حال، هذا ما سعى إليه مصممو هذه المنشأة التابعة لوكالة الفضاء الألمانية "دي إل آر"، والتي تحمل اسم "إنفيهاب".

ويشكل هذا المكان البيئة المثالية للعلماء والأطباء لاختبار التأثيرات التي تتركها الرحلات الفضائية على جسم الإنسان.

وتتضمن أحدث التجارب الجارية في هذه المنشأة دراسة تأثيرات قلة النوم، وهي مشكلة حقيقية تواجه رواد الفضاء على متن المحطة الفضائية الدولية.

وتقول إيفا-ماريا إلمِنهورست، المسؤولة عن إجراء تلك التجربة الحديثة: "من حيث المبدأ؛ بوسع رواد الفضاء أن يحظوا بنومٍ كافٍ، أي نحو ثماني ساعات كل ليلة، لكن غالبية الرواد لا ينامون سوى خمس أو ست ساعات، وهذا ليس كافيا".

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption يعيش المشاركون في غرف جرداء بيضاء اللون خالية من النوافذ

وعلى أي حال، لا تواجه مشكلة قلة النوم رواد الفضاء وحدهم. فالكثيرون منّا يعانون الأمريّن لإنجاز مهامهم اليومية صبيحة ليلة من الأرق أو قلة النوم، ويسعى هؤلاء لمواجهة ذلك باحتساء القهوة المركزة بشكل مستمر.

وقد حدث لي ذلك وأنا منخرط في الحديث مع إلمِنهورست. فقد كنت مستيقظا منذ الساعة الرابعة والربع صباحا لألحق بطائرتي المتجهة إلى ألمانيا. ولكنني حَسَنُ الحظ، فمهمتي محدودة نسبيا، ولا تتعدى طرح بعض الأسئلة على هذه الباحثة، وتسجيل إجاباتها.

وعلى النقيض، يرتحل رواد الفضاء حول كوكبنا بسرعة تقارب 27 ألف كيلومتر/ساعة (17 ألف ميل/ساعة)، ويعيشون على بعد لا يُذكر من الفضاء الخاوي قارس البرودة. لذا، فأي قرار خاطئ، أو لحظة سهو، أو فقدان للتركيز قد تفصل بين الحياة والموت، سواءٌ بالنسبة لهم، أو بالنسبة لباقي أفراد طاقم المحطة.

فلتتخيل هنا أن يُناط بك دفع سفينة فضائية يبلغ وزنها أطنانا عديدة، وإيصالها إلى مكانها الصحيح بدقة، وأنت لم تنم سوى خمس ساعات فحسب.

لكن ليس من السهل أن يحظى المرء بليلة من النوم المريح في الفضاء. فلا أَسِرَّة، ولا وسادات هناك، بل يضطر الرواد للنوم بداخل أكياس للنوم، تُربط بأحزمة إلى الجدار.

لكن ذلك ليس كل شيء. فبحسب إلمِنهورست، هناك الكثير من الأسباب التي تحول دون أن ينام رواد الفضاء كما ينبغي.

ومن بينها، كما تقول الباحثة، الانعزال الذي يعانون منه، وسطوع أشعة الشمس عليهم كل 90 دقيقة، فضلا عن الضجيج الشديد الذي يعم المحطة الفضائية الدولية بسبب نظام التهوية الموجود فيها. وفي أغلب الأحيان، يتعين على رواد الفضاء - كما تقول إلمِنهورست - العمل بنظام المناوبة لمراقبة التجارب الجارية في المحطة، أو استقبال سفن الإمدادات الزائرة.

ولبحث كيفية تأثر أداء رواد الفضاء بافتقارهم للنوم المريح، كان الفريق الذي تقوده إلمِنهورست يُخضِع مجموعات من المشاركين في البحث - ممن يتقاضون مقابلا ماليا - لتجارب على الحرمان من النوم.

مصدر الصورة Richard Hollingham
Image caption قضى مشاركون في الدراسة، مثل لوكاس، ساعات طويلة دون نوم وهم يحاولون أداء مهام معقدة

وتقول الباحثة إنها وفريقها يسعون إلى توضيح مدى تأثير قلة النوم على قدرة الإنسان على القيام بالوظائف الإدراكية والمعرفية، وكيف يمكن أن يتكيف البعض مع هذا الأمر على نحو أفضل من البعض الآخر.

وتأمل إلمِنهورست في ألا تقتصر الاستفادة من نتائج تجاربها على رواد الفضاء وحدهم، وإنما أن يشمل ذلك أيضا من يعملون بنظام المناوبة على كوكب الأرض، بجانب من يعملون في مهن مثل الطب والتمريض. فهؤلاء الأشخاص غالبا ما يعملون لساعات طويلة، ويتخذون قرارات مصيرية تتعلق بموت إنسان أو حياته، دون أن يكونوا قد حصلوا قبل ذلك على نومٍ كافٍ.

وتقول هذه الباحثة إن نسبة من يعملون بنظام المناوبة بشكل منتظم في ألمانيا وحدها يناهز 16 في المئة. وتشير إلى أن الكثير من هؤلاء لا ينعمون بالفترة التي يُوصى بها من النوم، والتي تبلغ ثماني ساعات في الليلة. وغالبا ما يعمل أولئك الأشخاص في مهن ذات صلة وثيقة بأمور الأمن والسلامة والصحة.

وقد طُلب من المشاركين في التجارب التي تجريها إلمِنهورست، إنجاز مجموعة من المهام يوميا. وشمل ذلك الخضوع لاختبارات قوة الذاكرة، ولأخرى تستهدف التعرف على الوقت الذي يستغرقه كلٌ منهم لاتخاذ رد فعل على موقف معين. كما شملت تلك المهام ممارسة أحد أنواع ألعاب الكمبيوتر.

ولمدة خمس ليال، لم يُسمح لهم بالنوم سوى خمس ساعات فحسب. وأعقب ذلك فترة نقاهة سُمِح لهم فيها بالنوم لثماني ساعات، قبل أن يتعين عليهم البقاء في حالة يقظة مدمرة للعقل استمرت 83 ساعة.

وراقب الأطباء نشاط المخ لدى هؤلاء المشاركين عبر قلنسوات ارتداها كل منهم، وكانت تشتمل على أقطاب كهربائية متعددة، ما جعلها بدت أشبه بالشباك التي ترتديها النساء للحيلولة دون سقوط الشعر خلال إعداد الطعام. كما أخذ الأطباء عينات من دماء المشاركين، وأجروا عمليات فحص بالرنين المغناطيسي لأدمغتهم.

وتقول إلمِنهورست إنها وفريقها مهتمون بالآليات الأساسية الموجودة في المخ للتحكم في مسألة النعاس. وأشارت إلى أن الفريق رصد حدوث تغيرات هرمونية في جسم الشخص إذا حُرِم من النوم ولو لليلة واحدة.

وبالنسبة للمشاركين، هؤلاء الذين أقروا بأن المال كان دافعهم الأساسي للمشاركة في الأمر برمته، كانت الثرثرة والمكوث دون عمل تقريبا - إلا مشاهدة التلفاز خلال تلك التجارب التي استغرقت كل منها أسبوعين تقريبا - أكثر صعوبة مما كانوا يتصورون.

مصدر الصورة NASA
Image caption يضطر الرواد الموجودون على متن المحطة الفضائية الدولية للنوم وهم مربوطون إلى الجدار، ولا توجد لديهم وسادات

ويقول لوكاس، وهو طالب شارك في تلك الدراسة، إنه كان من العسير عليه البقاء مستيقظا، "فقد كان هناك شخصٌ ما دائما على مقربة منا لمنعنا من الاستغراق في النوم".

أما ماغدالينا، وهي مشاركة أخرى تتدرب لكي تصبح مدرسة، فتقول إنه لم يكن بمقدور المشاركين من أمثالها سوى الحديث مع بعضهم البعض، أو مشاهدة التلفاز، أو ممارسة ألعاب على الكمبيوتر المحمول. وتضيف: "دائما كان هناك شخصٌ يقول 'هل أنت مستيقظة يا ماغدالينا؟ ماغدالينا؛ استيقظي!'".

وعكف أعضاء الفريق البحثي على مراقبة المشاركين باستمرار لضمان ألا ينال أحدهم أية إغفاءة، إذ كان الباحثون يجلسون مع المشاركين في الدراسة أو يراقبونهم عبر دائرة تليفزيونية مغلقة. وكان بوسع الباحث وخز المشارك إذا أغلق عيناه لوقت أطول من اللازم.

وبمرور الأيام، صار لوكاس على دراية بأن ذاكرته ومهارته في إنجاز الأعمال - وخاصة تلك التي تتطلب استخدام اليدين - آخذتان في التدهور. ويقول في هذا الشأن: "لاحظت كم صار أداؤنا أسوأ في الاختبارات، وأحاول الآن نيل أقصى قدر ممكن من النوم. فليس هناك مشروعات أخرى ستستمر طيلة الليل، وتضطرني للعمل (بعدها) على تصحيح ما خلّفته من آثار".

وبالإضافة إلى النتائج المتوقعة التي خلصت إليها الدراسة، والمتعلقة بحدوث تدهور في الأداء الذهني نتيجة قلة النوم، كشف الفريق البحثي عن تغير بيولوجي أكثر إثارة للقلق حدث جراء ذلك لدى عينة البحث.

وتمثل ذلك التغير - حسبما تقول إلمِنهورست - في ما رصدته وفريقها من أن النوم لخمس ساعات كل ليلة على مدار خمس ليال قد أبطأ عملية التمثيل الغذائي للغلوكوز، وأحدث تغيرات هرمونية في الجسم.

وثمة ترابط بين هذه النتائج ونتائج دراسات أخرى، تشير إلى أن من يعملون بنظام المناوبة يعانون بشكل غير متناسب من مرض السكري بأنواعه ومن ارتفاع ضغط الدم.

ويتمثل الهدف النهائي، من هذه الدراسات التي لا تزال مستمرة في وضع برنامج عمل يومي أفضل لرواد الفضاء، لكيلا يصابون بإرهاق مفرط بفعل إنجازهم للمهام المنوطة بهم.

فستصبح مسألة ضمان نيل هؤلاء الرواد قسطا كافيا من النوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ضوء أن الرحلات الفضائية الطويلة باتت أكثر شيوعا، وفي ظل الخطوات التي تقطعها الإنسانية باتجاه مرحلة يشيع فيها ارتياد الفضاء بوجه عام وبصورة أكبر.

وجاء حديثي مع إلمِنهورست، بُعيد مغادرة آخر مجموعة من المشاركين للمختبر الواقع في ألمانيا. والمفارقة أن ذلك أتاح لهذه الباحثة الفرصة للانتفاع من النوم بعمق خلال الليل.

وخلال فترة الاختبارات، كانت مضطرة - كما قالت - للاستيقاظ في غالبية الأيام في الخامسة فجرا لإجراء هذه التجربة. وأقرت بأن ذلك خلّف تأثيرات سلبية على قدراتها الإدراكية والمعرفية أيضا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة