بريطانيا تسعى للصدارة عالميا في إنتاج طاقة الرياح

طواحين الهواء في حقل لتوليد الطاقة من الرياح في بريطانيا
Image caption حقل بحري ضخم لإنتاج الطاقة من الرياح في بريطانيا

تتطلب إقامة التوربينات البحرية الضخمة لتوليد الطاقة من الرياح مهارات هندسية استثنائية، لكن الطاقة التي تنتجها تعد نظيفة ورخيصة أيضا. وتستثمر المملكة المتحدة أموالا طائلة في توليد الكهرباء من الرياح، وقد غدت الآن رائدة في هذا المجال.

لا يوجد شيء على مرمى البصر يبرز مدى ضخامة هذه الآلات الشامخة التي بدت السماء الزرقاء من خلفها ملبدة بالغيوم. وعلى بعد أربعة أميال من شاطيء ليفربول، أخذ القارب الذي كنا على متنه يعلو ويهبط مع أمواج البحر العالية.

كنا في زيارة للمرحلة الثانية من حقل "بيربو بانك" لتوليد الطاقة الكهربائية من الرياح، لنرى أطول توربينات في العالم، والتي تمثل أعجوبة هندسية في حد ذاتها.

وعندما يصل أحد أذرع التوربين - المكون من ثلاثة أذرع طويلة - إلى أعلى نقطة له، يبلغ الارتفاع الكلي لهذا البناء العملاق نحو 195 مترا، أي نحو ضعف ارتفاع ساعة بيغ بن البريطانية. ويفوق قطر الأذرع الثلاثة للتوربين قطر عجلة "لندن آي" (أو عين لندن) الشهيرة. وعندما تقطع هذه الأذرع الهواء، تسمع لها حفيفا هادئا.

ورغم أن أول مزرعة بحرية للرياح أقيمت في الدنمارك، فإن بريطانيا تحتل الآن مركز الريادة في هذا المجال، إذ تمتلك المملكة المتحدة أكبر مزرعة رياح بحرية في العالم، وتسمى "لندن أراي"، وهي عبارة عن مساحة شاسعة تحوي 175 توربينا عند مصب نهر التايمز.

وتوفر التوربينات البحرية في بريطانيا ما يصل إلى 5.2 غيغاوات من الكهرباء، وهو ما يعادل تقريبا الطاقة الكهربائية التي توفرها مزارع الرياح البحرية في سائر البلدان الأوروبية مجتمعة، وتفوق الطاقة الإنتاجية لهذه التوربينات ثلثي الطاقة الإنتاجية لقارة أوروبا.

أما خارج أوروبا، فلا يتعدى إجمالي إنتاج العالم من الكهرباء المولدة من مزارع الرياح البحرية القليل من الغيغاوات .

ويقول العاملون في مجال مزارع الرياح إن الاستفادة من طاقة الرياح الساحلية لتوفير الكهرباء بأسعار أقل بكثير من أي وقت مضى يجب أن تكون محل اهتمام كبير.

وفي ديسمبر/كانون الأول عام 2016، ذكر المنتدى الاقتصادي العالمي أن كلفة إنتاج توربينات الرياح انخفضت بما يزيد على 30 في المئة في السنوات الثلاث الأخيرة، وانخفض متوسط سعر الكهرباء المولدة من حقول طاقة الرياح ليصل إلى 50 جنيها استرلينيا لكل ميغاوات في الساعة على مستوى العالم، من دون دعم حكومي، وهو ما يعادل نصف كلفة استخدام الفحم تقريبا.

ورغم ما تتطلبه مزارع الرياح البحرية من تصميمات هندسية معقدة وبنى قوية، فإن الطاقة التي تنتجها لا تزال أقل ثمنا من الطاقة المولدة من المفاعلات النووية لكل ميغاوات في الساعة.

ولهذا تستثمر ألمانيا والدنمارك وهولندا وغيرها من الدول في طاقة الرياح، وبدأت دول أخرى مثل الصين وكوريا الجنوبية تبدي اهتماما ملحوظا أيضا بطاقة الرياح.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption محطة بحرية فرعية بمزرعة رياح "بربو بانك"

ويجسد حقل "بربو بانك" مدى سرعة تطور الحقول البحرية لتوليد الكهرباء من الرياح. فبينما كانت مزرعة الرياح الأولى التي أقيمت منذ عشر سنوات فقط تضم 25 توربينا، يولد كل منها 3.6 ميغاوات من الكهرباء، بطاقة تكفي لتوفير الكهرباء لنحو 80 ألف منزل، فإن المرحلة الثانية من حقل "بربو بانك" تضم 32 توربينا، يولد كل منها ثمانية ميغاوات من الكهرباء، بطاقة إنتاجية تفوق بثلاثة أضعاف تقريبا طاقة مزرعة الرياح القديمة.

يقول بينج سايكز، نائب الرئيس ورئيس قسم إدارة الأصول بمؤسسة دونغ الدنماركية للطاقة، التي تولت بناء المرحلة الثانية من حقل "بربو بانك": "شهدت مزارع الرياح تطورا كبيرا. وأرى أن هذا يعكس مدى التطور التكنولوجي على مدار الأعوام العشرة الماضية".

ويضيف أن الدورة الواحدة لهذه الأذرع العملاقة للتوربينات كفيلة بتوفير الطاقة لمنزل عادي في بريطانيا لمدة 29 ساعة. وقد يصل عدد دورات تلك الأذرع إلى نحو 30 دورة في الدقيقة، عند أعلى سرعة لها.

لكن هناك حدودا لقوة الرياح التي تستطيع الأجزاء الدوارة من التوربينات أن تحولها لكهرباء، فإذا دارت بسرعة تتجاوز الحدّ الأقصى، قد تلحق تلك الحركة أضرارا بالتوربين. لهذا، فإن تلك الأذرع مصممة لتثبت في مكانها في وضع الإقفال إذا اشتدت العواصف.

وتحتاج هذه التوربينات إلى عمليات صيانة دورية بعد البناء. لكن نظرا لبعدها عن الشاطئ، فإن هذه الصيانة ليست بالأمر اليسير. وفي ليفربول، تتابع صيانة هذه التوربينات، التي تقع في عرض البحر بحقل "بربو بانك"، فرق من الفنيين الذين يعملون بنظام الدوريات.

ويقول جاستن موناغان، المشرف على فرق الصيانة: "لا تختلف عمليات صيانة هذه التروبينات عن صيانة السيارات، فعندما تتعطل، تذهب بنفسك لتتحرى سبب العطل".

وإذا كانت المشكلة ناتجة عن عطل الترس الكهربائي، أو الأنظمة الهيدروليكية، أو الأجزاء المتحركة، يقوم موناغان وفريقه بإصلاح هذه الأجزاء أو استبدالها. ويوجد بداخل كل توربين بعض الطعام والشراب المعلب، تحسبا للتغيرات الجوية التي قد تجبر العامل الفني على البقاء بداخلها.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption نظرا لطول المسافة التي تفصل التوربينات عن الشاطئ، فإن عملية صيانتها قد تكون عسيرة

إلا أن هذه الحالات تكاد لا تحدث بفضل دقة الأرصاد الجوية ومتابعة حالة الطقس أولا بأول عند انتقال العمال إلى التوربين. لكن ربما يصبح قريبا البقاء في موقع مزرعة الرياح البحرية جزءا من الوظيفة.

ويُعتزم إقامة مشروع بحري ضخم جديد لتوليد الطاقة من الرياح قبالة الساحل الشمالي الغربي لانجلترا، تحت اسم "هورنسي"، وسيبعد الموقع نفسه عن الشاطئ 120 كيلومترا.

وبدلا من الانتقال عبر البحر جيئة وذهابا إلى التوربينات، سيعيش ما يصل إلى 150 عاملا فنيا في وحدات سكنية في عرض البحر، تشبه إلى حد ما الوحدات التي يقيم فيها العاملون في منصات التنقيب عن النفط.

ومن المتوقع أن تصبح المرحلة الأولى فقط من مشروع هورنسي، عندما تكتمل بحلول عام 2021، أكبر حقل بحري لتوليد الطاقة من الرياح في العالم بطاقة تصل إلى 1.2 غيغاوات.

وقد تتراوح القدرة الإنتاجية للمزرعة بأكملها، بحسب الخطط الموضوعة للمراحل النهائية، ما بين أربعة وستة غيغاوات، عندما تكتمل في منتصف العشرينيات من القرن الحالي، وهو ما يكفي لتوفير الكهرباء لما يزيد عن أربعة ملايين منزل، أو نحو 15 في المئة من جميع المنازل في المملكة المتحدة.

محطات استثنائية

ويناقش المطورون في الوقت الحالي إمكانية إقامة المزيد من المشروعات في مناطق نائية. ويهدف أحد المقترحات، الذي لا يزال قيد البحث والنقاش، إلى إقامة جزيرة صناعية في عرض بحر الشمال تحيط بها مئات التوربينات، على أن تُوزع الكهرباء التي تولدها هذه التوربينات عبر خطوط نقل الطاقة بين هولندا، وألمانيا، والدنمارك، والنرويج، وبلجيكا، وبريطانيا.

وتتفاوت التقديرات الخاصة بالقدرة الإنتاجية لهذ المشروع المقترح، لكن بعضها يتراوح ما بين 70 و100 غيغاوات، أي ما يزيد على قدرة جميع محطات الطاقة النووية في فرنسا مجتمعة.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption كلما زاد حجم التوربين، زادت قدرته على إنتاج الطاقة الكهربائية

إلا أن إقامة مزرعة للرياح بهذا الحجم قد تستغرق عقودا من الزمن، وحتى الآن، لا تزال تلك المحطة المقترحة مطمحا بعيد المنال.

وفي المقابل، يتوقع أغلب الناس أن تواصل المملكة المتحدة الاستثمار في مجال الحقول البحرية لتوليد الكهرباء من الرياح، من خلال بناء مزارع رياح بنفس حجم المزارع الموجودة حاليا.

يقول جويل ميغيلارز، أحد المسؤولين بمؤسسة "ويند يوروب" التجارية المعنية بطاقة الرياح: "إن المملكة المتحدة لديها إمكانات كبيرة تؤهلها للنجاح في هذا المجال، إذ تقع المملكة المتحدة وبحر الشمال في منطقة يكثر فيها هبوب الرياح".

ويضيف ميغيلارز أن ما يُعرف بـ "مُعامل الحمولة" الخاص بتلك التوربينات البريطانية، والذي يمثل كمية الطاقة التي ينتجها الحقل، عالٍ بشكل استثنائي.

وفي ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، بلغ متوسط كمية الطاقة التي أنتجتها التوربينات البحرية في المملكة المتحدة 68.2 في المئة من إجمالي القدرة الإنتاجية، في حين أن كمية الطاقة التي تنتجها الكثير من مزارع الرياح البحرية في سائر البلدان تقل في الغالب عن 50 في المئة من القدرة الإنتاجية.

وكلما زاد حجم التوربين، زادت قدرته على إنتاج الطاقة الكهربائية. ورغم أن الحد الأقصى من الكهرباء التي يمكن إنتاجها من التوربين في الوقت الحالي هو ثمانية ميغاوات، فإن ميغيلارز يتوقع أن يتضاعف هذا الرقم تقريبا في غضون عشر سنوات.

وقد تصمد التوربينات في البقاع النائية لما يصل إلى 25 عاما، شريطة المداومة على صيانتها. وعلى عكس محطات الطاقة الشمسية، توفر مزارع الرياح الطاقة أثناء الليل، طالما توافرت الرياح لتشغيل التوربينات.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption رغم تعدد مزايا التوربينات البحرية، فإنها لا تخلو من العيوب، مثل تأثيرها على أعداد الطيور

إلا أن الحقول البحرية لتوليد الطاقة من الرياح لا تخلو من العيوب. فإلى جانب ارتفاع تكلفة تركيب وصيانة التوربينات، فإنها قد تضر أيضا بالبيئة المحيطة.

ويقول معارضو إنشاء التوربينات إنها تؤثر على أعداد بعض الطيور، مثل طيور الأطيش، وبعض أنواع طيور النورس. وقد توقفت أعمال إنشاء المرحلة الثانية من مشروع "لندن أراي" بأمر من المحكمة لما تمثله من تهديد على الطيور البحرية.

ويقول آخرون إن اهتزازات التوربينات قد تشوش على الإشارات التي تصدرها الحيتان. وبالإضافة إلى الضوضاء الناتجة عن تركيب الأعمدة التي ترتكز عليها التوربينات تحت الماء، والتي تعد صاخبة للغاية، فلا أحد يعلم حجم الأضرار البيئية الناتجة عن صوت التشغيل المعتاد للآلات.

إلا أن الكثيرين في بريطانيا يأملون أن يزداد الاعتماد على مزارع الرياح البحرية لتوليد الطاقة، ويفضل أغلب البريطانيين مزارع الرياح البحرية عن مزارع الرياح التي تقام على اليابسة.

ورغم الكثير من الشكاوى من أن التوربينات تشوه منظر البحار، فإن الشواهد تشير إلى تأييد الغالبية لهذه المشروعات. إذ أظهر استطلاع للرأي أُجري في عام 2016 أن 73 في المئة من البريطانيين يؤيدون إقامة مزارع الرياح البحرية.

ويقول موناغان: "هذه التوربينات لن تسبب إزعاجا مادامت بعيدة عن الشاطيء، فهي لن تصدر صخبها في حديقة منزلك".

وفي الوقت الحالي، تلبي التوربينات في بريطانيا الكثير من تطلعات البريطانيين ذات الصلة بالطاقة المتجددة، لأنها نظيفة، ولا تعوق أنشطة الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه تعطي دفعة للصناعات المحلية.

وربما تتكشف المزايا والعيوب طويلة الأجل قريبا، لكن في الوقت الحالي ستواصل أذرع توربينات حقل "تربو بانك" الدوران لتولد طاقة تتدفق في شبكة توزيع الطاقة الكهربائية في بريطانيا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة