أقوى اللكمات والركلات في عالم الحيوان

حمار وحشي يوجه ركلة بقدميه لحمار آخر مصدر الصورة Lou Coetzer/naturepl.com

ربما كان بمقدور الملاكم الأسطوري الراحل محمد علي توجيه لكمات شديدة القوة لخصومه في الحلبة، لكن بوسع بعض الحيوانات التي تعيش في البرية أن تكيل لكمات أكثر عنفا.

لا يوجد الكثير مما يمكن أن يرفع مستوى الأدرينالين في الدم بشكل جامح، مثل الشجار العنيف، حتى وإن كان المرء مجرد متفرج يراقب ما يدور عن كثب، وهو منهمكٌ في التهام "الفُشار" بنهم.

لكن إذا أردت أن تشاهد "مقاتلين" يستميتون في العراك والقتال بحق حتى النهاية؛ فلتنظر إلى الطبيعة من حولك. فهناك تتقاتل الحيوانات لكي تُكلل بما هو أكثر من المجد، فقتالها في هذه الحالة يكون من أجل البقاء.

وعلى مسرح الطبيعة قد تُباغت بما ستراه من حيوانات أكثر قوة وضراوة من غيرها فيما يتعلق بالقدرة على توجيه اللكمات والركلات. وستكون مباغتتك هنا لأسباب تتجاوز مجرد سرعة هذه المخلوقات ومهارتها في القتال.

فطبقاً لما هو معروفٌ للعلماء حتى الآن، ربما يذهب لقب المخلوق صاحب اللكمة الأسرع على الإطلاق، إلى نوعٍ من القشريات البحرية يحمل اسم "جمبري مانتيس" أو "روبيان السرعوف". فمخلوقات هذا النوع تستخدم أطرافها الأمامية ذات التكوين الخاص، لمهاجمة فرائسها بقوة صاعقة وصادمة، إلى حد أن تلك القشريات تمزق سطح المياه، لتُحدث انهياراتٍ داخلية، تتولد عنها حرارةٌ وأضواءٌ وأصوات.

وقد طوّرت بعض أنواع هذا الكائن زوائد ذات طبيعة خاصة تأخذ شكل الحربون الذي يُستخدم لصيد الحيتان، وذلك لكي تطعن بها عند اللزوم. بينما بات لأنواعٍ أخرى أطرافٌ أشبه بهراوة تسحق بها منافسيها وغرماءها. وعُرفت هذه القشريات بأنها قادرة على كسر زجاج الأحواض التي تعيش فيها، وبضربة واحدة.

مصدر الصورة Georgette Douwma/naturepl.com
Image caption روبيان من نوع "روبيان السرعوف الطاووس"

ويتخصص مختبر العالمة شيلا باتيك في جامعة ديوك بولاية نورث كارولاينا الأمريكية في دراسة حركات الحيوانات السريعة. واكتشف الفريق البحثي في المختبر أن "روبيان السرعوف الطاووس" يمكن أن يّولِد قوةً تصل في أقصى مستوياتها إلى نحو 2500 مرة ضعف وزن جسمه، وذلك في زمنٍ لا يتجاوز 800 ميكروثانية.

وترى باتيك أن امتلاك هذا المخلوق لتلك المقدرة الفذة المذهلة يعود إلى أجزاء أطرافه، التي تنقسم إلى ما يشبه النوابض والروافع ومزاليج الأبواب.

ففي كل زائدة من زوائد "روبيان السرعوف"، توجد منظومة وصل بين أجزائها مؤلفة من أربعة مقاطع ترتبط فيما بينها بما يشبه المزاليج، وهي المنظومة التي تتحكم في ما يوّلِده هذا المخلوق من قوة. ويضغط كل مقطع من هذه المقاطع على المقطع التالي له، مما يراكم طاقةً تنطلق عبر الجزء الذي يتخذ شكل حربة أو هراوة.

وتقول باتيك إن الأمر هنا يشبه كثيراً الآلية التي يتبعها رامي السهام في ممارسته لهذه الرياضة إذ يخزن "روبيان السرعوف" طاقة وضعٍ مرنة قبل توجيهه لضربته على نحوٍ سريعٍ وقوي أشبه بما يحدث عندما تغلق مزلاجاً بسرعة كبيرة.

وتنخرط هذه القشريات في منافسات للسيطرة على مساحات أكبر من الأرض. رغم ذلك، تصف باتيك وزملاؤها هذه المنافسات بأنها "مناوشات ذات طابع طقسي" أكثر من كونها معارك مميتة.

فهذه المخلوقات تبدأ مناوشاتها بتقدير حجم وقوة كل منها، ولا تلجأ إلى تبادل الضربات سوى كملاذ أخير. وفي المرات النادرة التي تشتبك فيها تلك القشريات فعلياً، يبدأ النزال بأن يحمي كلٌ منها بطنه بأن يُجعِّد ذيله المدرع الذي يتخذ شكل رقائق أو صفائح (ويُطلق عليه اسم الدُبيّر).

والفائز في هذه المواجهات هو المخلوق الذي يستطيع الصمود أمام غالبية الضربات التي تُوجه إليه، تماماً كما كانت تفعل شخصية الملاكم روكي بالبوا التي جسدها الممثل سلفستر ستالوني على شاشة السينما.

مصدر الصورة Solvin Zankl/naturepl.com
Image caption نملة من جنس نمل "الفك المصيدة"

وقد درست باتيك كذلك حشرات النمل من الجنس المعروف باسم "الفك المصيدة". وقد سُميّ بذلك الاسم نسبة إلى أجزاء فمه التي يمكن لها أن تُغلق على الفرائس بسرعة مذهلة. وتتشاجر هذه الحشرات بدورها لتسوية النزاعات التي تنشب بينها. و"تلكم" بعضها البعض بقرون الاستشعار الموجودة لديها، بهدف تحديد التسلسل الهرمي في العش الذي تعيش فيه.

المعروف أن العديد من الحشرات الاجتماعية تتصادم عبر قرع قرون استشعارها ببعضها البعض. وقد درس العلماء هذا السلوك لدى النمل والزنابير والنحل.

ولكن لا يشكل تلامس قرون استشعار الحشرات دوماً مؤشراً على وجود اعتداء أو هجوم. فقرون استشعار حشرات "نحل العسل" تتلامس بسرعة بالغة - على سبيل المثال - حينما تتبادل الطعام. ولكنها تتلاكم بها إذا ما كان يُراد تحديد أيٍ منها له السطوة.

وفي دراسة أُجريت عام 2016، استخدم باحثون كاميراتٍ قادرة على التقاط صورٍ بسرعة كبيرة، وذلك لتسجيل مشاهد تبادل اللكمات باستخدام قرون الاستشعار، بين أربعة من أنواع جنس نمل "الفك المصيدة".

وقد تبين أن أحد هذه الأنواع - وموطنه الأصلي ولاية فلوريدا الأمريكية - قادرٌ على توجيه ما يزيد على 41 ضربة إلى غريمه في الثانية الواحدة.

ووصف فريق الباحثين الحشرة المنتمية لهذا الجنس من النمل بأنها "أسرع ملاكم جرى توثيق عدد لكماته على الإطلاق".

أما بين الثدييات، فربما يشكل الأرنب البني الحيوان الأشهر من حيث قدرته على توجيه اللكمات.

مصدر الصورة Andy Rouse/naturepl.com
Image caption أرنبان من نوع "الأرنب الأوروبي" يتبادلان اللكمات

وغالباً ما تنشب مثل هذه الصدامات بين الأرانب في فصل الربيع مع بدء موسم التزاوج. وذلك هو أصل المثل الإنجليزي القائل "هائجٌ مثل أرنب في شهر مارس".

وكان يُعتقد قديماً أن الشجار لا ينشب سوى بين الأرانب الذكور، بسبب تنافسها على الإناث في موسم التزاوج، وذلك عبر ضرب بعضها البعض على الرأس بسيقانها الأمامية.

لكن دراسةً حديثةً أظهرت أن "مباريات الملاكمة" هذه، تبدأ في كثيرٍ من الأحيان من جانب الإناث، حينما تكون غير مستعدات للتزاوج، ومن ثم تختار أن تلجأ للعنف لكي تصد عنها "الخُطّاب المتغطرسين". وعلى أي حال، يتعين على ذكور الأرانب أن تتسم بالمثابرة والإصرار، لأن فترة الخصوبة لدى إناثها قصيرة.

أما في استراليا، فيشير وجود العضلة ذات الرأسين المنتفخة لدى ذكور حيوان الكنغر إلى أنها تميل أكثر من غيرها إلى الانخراط في شجارات ومشاحنات؛ دافعها التزاوج. وفي مأوى لحيوانات الكنغر في مدينة أليس سبرينغز، يعيش حيوانٌ من تلك الحيوانات يُعرف باسم "روجر"، حققت المقاطع المصورة التي يظهر فيها رواجاً كبيراً للغاية بفضل عضلاته التي مَكَنَتَهُ من سحق دلو معدني في إحدى المرات.

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2013، تشكل الأطراف الأمامية النامية بشكل أكثر من اللازم لدى بعض ذكور حيوان الكنغر إحدى نتائج ما يُعرف بـ"الاصطفاء الجنسي". وتتبادل ذكور هذا الحيوان اللطمات وتتصارع لحسم التنافس بينها على التزاوج مع الإناث. وبطبيعة الحال تكون الذكور صاحبة العضلات الأضخم ذات أفضلية أكبر.

لكن الكنغر يتميز بشكل أكبر في رياضة "الكيك بوكسينغ" التي تجمع بين توجيه اللكمات والركل بالسيقان كذلك. فالذكور المسيطرة تُمسك بخناق غرمائها، وتستخدم ذيلها لحفظ توازنها خلال توجيهها للضربات بسيقانها القوية التي تنتهي ببراثن حادة.

وتستخدم حيوانات الكنغر أسلوب الركل هذا للدفاع عن نفسها أيضاً. ويمكن أن يشهد على ذلك الكثير من الأشخاص تعساء الحظ، الذين يقومون بجولات سيرٍ على الأقدام بصحبة كلابهم في استراليا. وما دمنا نتحدث عن الركل، فعلينا القول إن تلقي ركلة من حيوان ذي حافر سيكون أشد وقعاً.

مصدر الصورة Jouan & Rius/naturepl.com
Image caption اثنان من حيوانات الكنغر الشرقي الرمادي يتبادلان اللكمات

ولاشك في أن أي شخص قضى بعض الوقت مع الخيول، يعلم كم تستطيع توجيه ركلة مزعجة للغاية، خاصة إذا ما استجمع الحصان قوته لتوجيه ركلة قوية بساقيه الخلفيتين في آن واحد.

ويُشاع أن ركلة الحمار الوحشي يمكن أن تشكل تهديداً أكبر لمن يتلقاها.

لكن البراهين التي تثبت ذلك مُستقاة من الحكايات والروايات لا أكثر. ومن المعروف أن الحُمُر الوحشية أصعب في ترويضها من الخيول، وهو ما قد يشكل سبباً لانتشار فكرة أن ركلاتها أكثر وحشية من نظيراتها التي توجهها الخيول.

وقد كرّس الباحث تيم كارو من جامعة "كاليفورنيا دافيس" الجانب الأكبر من مسيرته المهنية لدراسة الحُمُر الوحشية إلى حد أنه تنكر ذات مرة في زي حمار وحشي، بهدف دراسة هذه الحيوانات في البرّية.

وفي كتابه الذي صدر عام 2016 بعنوان "خطوط الحمار الوحشي"، يصف كارو كيف يتعامل نوعٌ من أنواع الحمار الوحشي يُعرف باسم "حمار الزرد السهلي" مع الحيوانات التي تحاول افتراسه. وأظهر فيلمٌ مُصور هذه الحُمُر وهي تركل أسوداً في صدورها. ولكن ما من سجلات أو تسجيلات علمية تشير إلى أن هذه الركلات كانت قاتلة.

وبوسع حيوانات أخرى أن تركل بدورها، بما في ذلك النعام والزرافات. فقد وُثِقت وقائع لكلا الحيوانيّن وهما يركلان - بل ويجرحان - حيواناتٍ تفترسهما وتفوقهما حجماً. وفي عام 2016، تضمن البرنامج الوثائقي "بلانيت إيرث الجزء الثاني" لقطات رائعة لزرافة وهي تلحق الهزيمة بأسدٍ عبر ركلة وجهتها بعناية إلى نقطٍةً في جسده. وما من عجب في أن يصبح للزرافة القدرة على أن تكيل ذاك العقاب القاسي والخطير للأسد، إذا ما وضعت في اعتبارك أن "ملك الغابة" ربما كان يُعْمِلُ في الوقت نفسه أنيابه الشرسة في كعوب سيقان هذا الحيوان.

لكن مثل هذه التحركات الدفاعية لا تهدف لقتل الغريم بقدر ما تبتغي صده. وبعيداً عن إمكانية أن تصيب ركلةٌ من ركلات الزرافة هذه - عن طريق الصدفة - العمود الفقري للأسد أو فكيه ما يؤدي إلى هلاكه، لا تشكل الركلات في أغلب الأحيان سوى وسيلة لإلهاء هذا الحيوان المفترس، ما يمنح فريسته طويلة الساقين الفرصة لكي تلوذ بالفرار، واصلةً إلى مأمنها.

مصدر الصورة Laurent Geslin/naturepl.com
Image caption "الطائر الكاتب" يبدو مخيفا

والآن، إذا أردت أن ترى ضربات مميتة حقاً، فعليك النظر إلى مخلوقات مفترسة، خاصة تلك التي يكون غذاؤها صعب المراس.

موعدنا الآن مع طائرٍ يجوب المراعي في دول أفريقيا جنوب الصحراء، مُطارداً فرائسه في تكتم، وهو "الطائر الكاتب"، أو "الطائر السكرتير".

ويصف الباحثون في شؤون المخلوقات المفترسة هذا الطائر بأنه "نسر النينجا ذو الساقين الطويلتين". ورغم أن شكل ذلك الطائر قد يبدو مثيراً للضحك والسخرية بشكلٍ كبير، فإنه يتغذى في واقع الأمر على الثعابين السامة، بعدما يهلكها بركلة واحدة قوية للغاية على رأس كلٍ منها.

وفي دراسة أًجريت عام 2016، حاول الباحثون تقدير قوة الركل التي يتمتع بها طائرٌ ذكرٌ من هذا النوع يعيش في الأسر - وأُطلِق عليه لسبب ما غامض لم يُعرف بعد - اسم مادلين. واكتشف الباحثون أن "مادلين" نجح في توجيه ركلات تفوق في قوتها وزنه بخمسة أو ستة أضعاف، وذلك في فترة زمنية لا تتجاوز عُشر الوقت الذي يستغرقه الإنسان للرمش بعينيّه مرة واحدة.

وربما يكون هذا الأسلوب في الصيد قد استُخدِم من قبل من جانب طيورٍ عاشت في أمريكا الجنوبية في عصور ما قبل التاريخ، وحملت بجدارة اسم "طيور الرعب".

وبالمناسبة، كانت هذه المخلوقات ضخمة الحجم، ولا تستطيع الطيران. ويقول العلماء إن الجنس الذي تنتمي إليه تلك الطيور تمتع بسيقانٍ قوية للغاية. وقد خَلَصَ الباحثون إلى هذه النتيجة بفضل تحليل شظايا العظام التي عثروا عليها.

وقد دفع ذلك العلماء إلى استنتاج أن "طيور الرعب" هذه ربما تكون قد اعتادت أن تنهال على فرائسها بتلك الركلات القوية المُهشِمة للعظام، وذلك كوسيلة للوصول إلى نخاع العظام المُغذي الموجود بداخل عظام الفرائس.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة