الطرق الخفية التي تكشف بها لغتك عن سمات شخصيتك

شخص يتحدث إلى جمهور عبر الميكروفون مصدر الصورة Getty Images

هل تحسب أن بوسعك إذا استمعت لحديث يدور بين أشخاص يستقلون حافلة ما التعرف على طبيعة شخصية كل منهم من خلال ما يستخدمه من كلمات، وما يتطرق إليه من موضوعات؟

وماذا لو أطلعتك على قصة قصيرة، هل بمقدورك أن تستشف أي معلومات عن شخصية مؤلفها من خلال التعرف على اللغة والمفردات التي يستخدمها فيها؟

على أي حال، كثيرا ما يُنصح المرء بأن "يختار كلماته ومفرداته بعناية". الآن تبين أن هذه النصيحة ذات أهمية لا تخفى، فالمفردات هذه ربما تميط اللثام عن أشياء أكثر بكثير من تلك التي ترغب في قولها أو الإفصاح عنها في واقع الأمر.

وثمة أدلة متزايدة تفيد بأن ملامح شخصيتك تُكتب حرفيا تقريبا من خلال اللغة التي تستخدمها، سواء في صورة تغريدات تبثها، أو في عناوين حسابات بريد إلكتروني تختارها لنفسك.

لكن لا تظن أن كل الاستخلاصات العلمية في هذا الشأن جديدة أو مفاجئة. فمن بينها أن الأشخاص الذين يتبين عبر الاختبارات العلمية أنهم أصحاب شخصيات انبساطية أكثر من غيرهم، يتحدثون بصوتٍ أعلى، ويكثرون من الكلام مقارنة بأقرانهم ذوي الشخصيات الأكثر انطوائية. كما ينزع هؤلاء إلى الحديث بسرعة أكبر.

إذا شئنا الدقة أكثر، فسنجد أن النساء ذوات الشخصيات الانبساطية - وليس الرجال الانبساطيون بالمناسبة - يَمِلن بشكل أكبر إلى الانخراط في ثرثرة أو دردشة جماعية. في المقابل، تشير الدراسات إلى أن الرجال الانطوائيين - وليس النساء الانطوائيات هذه المرة - يقضون وقتا أطول في الحديث مع أنفسهم.

إلى جانب ذلك، يختلف الانبساطيون والانطوائيون في الطريقة التي يستخدم بها كل فريق منهم اللغة والمفردات المختلفة. وفي هذا السياق، أُجرى فريقٌ بحثي قاده كميل بيوكيبوم من الجامعة الحرة بالعاصمة الهولندية أمستردام تجربة، طُلِب فيها من مجموعة تضم 40 متطوعا تصفح بعض الصور التي تُظهر مواقف اجتماعية مختلفة، ثم شرح ما يحدث فيها بصوت مرتفع.

وأظهرت النتائج أن اللغة التي استخدمها الانبساطيون في الوصف كانت تميل إلى الطابع الفضفاض والأكثر تجريدية، أما الانطوائيون فتحدثوا بمصطلحات مُحددة وملموسة على نحو أكبر.

بعبارةٍ أخرى، كان الانطوائيون يميلون إلى أن يكونوا أكثر تحديدا. فعندما يشيد الشخص الانبساطي مثلا بمقال ما بالقول إنه "ممتاز"، تجد أن نظيره الانطوائي يعبر عن المعنى نفسه بشكل أكثر دقة قائلا إنه "يتضمن الكثير من المعلومات".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يتسم الانبساطيون، مثل الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكِن، بأنهم أعلى صوتا وأكثر ميلا للثرثرة من سواهم

ولا يختلف ذلك عما كشفت عنه دراسات أخرى، من أن الانطوائيين يميلون إلى استخدام أدوات التعريف والتنكير بشكل أكبر، وذلك في الإشارة إلى أشياء أو أشخاص أو أحداث.

كما ينزع هؤلاء إلى توخي الحذر والحيطة بشكل أكبر في استخدام اللغة والمفردات، لذا يستعينون بألفاظ ذات نبرة متحفظة مثل "من المحتمل" و"ربما". بجانب ذلك، يميل الانطوائيون إلى الاستعانة بمصطلحات وتعبيرات ذات طابع كمي، مثل تلك التي يُشار فيها إلى أرقام محددة. فإذا قال الانبساطي مثلا: "لنذهب لتناول بعض الطعام"، سنجد الانطوائي يقول: "هيا بنا لنتناول شطيرة".

في كل الأحوال، يبدو كل ذلك مفهوما ومتوقعا من زاوية التحليل النفسي. فمقارنة بالانطوائيين، نجد غالبية الانبساطيين يستمتعون بالحياة ذات الإيقاع السريع، ويكونون أكثر ميلا لاحتساء المشروبات وإقامة العديد من العلاقات العاطفية والجنسية العابرة، وكذلك الإقدام بشكل أكبر على المجازفات.

وفي كل مرة يتحدث فيها أيٌ من هؤلاء الانبساطيين، يكون أكثر استعداداً من غيره للإقدام على مجازفات أكبر، على صعيد دقة ما يقوله، وعفويته في التعبير عنه، وقدرته على إيصال المعاني التي يريدها إلى من يستمعون إليه.

ولا تقتصر العلاقة بين طبيعة شخصية المرء وما يستخدمه من مفردات على اللغة المنطوقة وحدها، بل تمتد إلى نظيرتها المكتوبة أيضا. ويظهر ذلك من خلال نتائج دراسة أجراها الباحثان جايكوب هيرش وجوردان بيترسون من جامعة تورنتو الكندية.

ففي إطار الدراسة، طُلِب من مجموعة من الطلاب التعبير كتابة عن تجاربهم السابقة وأهدافهم المستقبلية.

وتوصل الباحثان إلى أن الطلاب الذين سجلوا درجات أعلى في اختبار لتحديد أصحاب الشخصيات الانبساطية، كانوا أكثر استخداما لمفردات ذات صلة بوصف العلاقات الاجتماعية، وهو أمر يمكن فهمه بحسب الباحثيّن في ضوء ما أشارا إليه من أن الانبساطيين "مستكشفون شديدو النشاط على الصعيد الاجتماعي".

لكن الأمر هنا لا يتعلق فقط بما إذا كان المرء انبساطيا أو انطوائيا. فاللغة تكشف جوانب أخرى من شخصياتنا، بما في ذلك مدى كوننا ذوي تفكير متفتح أم لا (فالليبراليون مثلا يزيدون استخدام المفردات المرتبطة بالحواس). وكذلك ما إذا كنّا عصبيي المزاج أم لا (فالأشخاص الحساسون بشدة غالبا ما يشيرون على نحو أكبر إلى مشاعر القلق العاطفي التي تعتريهم).

كما يمكن أن تبين اللغة التي يستخدمها شخصٌ ما مدى كونه ذا ضمير حي (وهنا نجد أن الطلاب الأكثر اجتهادا يكونون أكثر استخداما لمفردات تتصل بما يقومون به من عمل وما يحققونه من إنجازات).

وقد نسوق هنا أمثلة على الطرق المختلفة التي يتحدث بها الأشخاص متباينو السمات الشخصية. فإذا قال شخص حساس أو عصبي المزاج شيئا من قبيل: "أنا أشعر داخلي بحزن جارف"، سنجد أن الشخص ذا التفكير المتفتح يمكنه قول: "إنك بحاجة إلى من يُصغي لك فحسب"، بينما قد يعقب ذو الضمير الحي بالقول: "بوسعنا بذل جهود لمعالجة ذلك".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يميل الأشخاص الأكثر استعدادا لخوض تجارب مختلفة في الحياة لاستخدام مفردة مثل "حبر" أكثر من غيرهم

فضلا عن ذلك، يمكن أن تتضح جوانب الشخصية عبر الكتابات ذات الطابع الإبداعي. ففي عام 2010، أجرى فريق من علماء النفس الألمان تجربة أعطوا فيها مئة طالب خمس كلمات وعبارات تشكل "مُحددات إرشادية"، وهي "حادث تحطم طائرة" و"خادمة صالون" و"ألعاب نارية" و"العصور الوسطى" و"سوبر ماركت".

وطُلِبَ من هؤلاء كتابة قصة قصيرة تحتوي على هذه العبارات الخمس. وأظهرت النتائج أن الأشخاص ذوي التفكير المتفتح أكثر من غيرهم، كانوا قادرين على كتابة قصصٍ ذات طابع إبداعي أكبر. أما أصحاب الشخصيات اللطيفة، الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر توافقا مع ما ومن حولهم، فقد كتبوا قصصا تحض بشكل أكبر على التوائم الاجتماعي والتفاعل الإيجابي مع المجتمع.

واللافت أنه عندما عُرِضت هذه القصص على مجموعة ثالثة ومنفصلة من الطلبة، طُلِبَ منها التنبؤ بخصال وطباع مؤلفي تلك الأعمال، أبلى هؤلاء بلاء حسنا للغاية، على الأقل فيما يتعلق بتوقعاتهم الخاصة بتحلي أولئك الكتاب بصفات مثل القدرة على التفكير المتفتح، والتعامل بلطف مع المجتمع المحيط لا الصدام معه.

وفي ضوء أن غالبية الدراسات التي تحدثنا عنها تناولت اللغة والمفردات التي يستخدمها كلٌ منّا وهو بمعزل عن الآخرين، وليس خلال التواصل معهم، فقد ظهر تساؤل يقول: وماذا إذا كنا بصدد الحديث والثرثرة مع بعضنا البعض؟

في هذا الإطار، كشفت إحدى الدراسات أنك إذا وضعت زمرة من الإنطوائيين في غرفة واحدة، فسينتهي بهم الحال على الأرجح إلى الحديث عن حل المشكلات.

وفي المقابل، يتطرق الانبساطيون حينما يتحدثون مع بعضهم البعض إلى موضوعات أكثر تنوعا، كما تتسم نبرة أحاديثهم بطابع مبهج وممتع بشكل أكبر، كأن يقول أحدهم "أحب الركض" أو يشير آخر إلى أن أعمال الكاتب الفلاني "رائعة".

ومن الواجب أن نُذكِر هنا من جديد أن نتائج مثل هذه الدراسات تتماشى مع ما يعرفه غالبيتنا سلفا من أن الانبساطيين يميلون خلال ممارستهم لأمور حياتهم إلى التركيز بشكل أكبر على الاستمتاع بها، لا أكثر ولا أقل.

بطبيعة الحال، لا يخفى على أحد أننا بتنا نقضي الآن أوقاتنا ونحن منهمكون في إرسال رسائل البريد الإلكتروني والكتابة على المدونات الإلكترونية، ونشر تغريدات على موقع تويتر. ويبدو - وبوسعك توقع ذلك - أننا نفضح طبيعة شخصياتنا عبر هذه الأنماط الرقمية من الكتابة كذلك.

فعبر دراسة تحليل مضمون شملت ما يُنشر على نحو 700 مدونة، تشمل مئات الآلاف من الكلمات، توصل باحثون من جامعة تكساس في ولاية أوستن بالولايات المتحدة إلى أن المفردات التي يستخدمها الناس تتماشى مع الطريقة التي يصفون بها شخصياتهم.

فعلى سبيل المثال، يقل استخدام عبارات السباب ومفرداته من جانب من يعتبرون أنهم أصحاب شخصيات أكثر لطفا من المحيطين بهم.

لكن هؤلاء الباحثين لم يكتفوا بذلك، بل ربطوا بين التحلي بخصال شخصية بعينها واستخدام مفردات محددة. فقد تبين أن من حصلوا على درجات أكبر في الإجابة على أسئلة تكشف ما إذا كانوا "منفتحين على خوض تجارب جديدة" في الحياة أم لا، كانوا أكثر ميلا لاستخدام كلمة "حبر".

كما أنه لم يكن من المفاجئ للباحثين على أي حال أن يتضح أن الانبساطيين ينزعون على نحو أكبر لترديد كلمة "مشروب" في سياق كلامهم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يميل الانبساطيون إلى ذكر المفردات المتعلقة باحتساء "مشروب" ما خلال أحاديثهم

الأمر نفسه ينطبق على التغريدات التي ننشرها على موقع تويتر. فقد أظهرت دراسة أخرى أن الأشخاص الانبساطيين يميلون إلى الإشارة في تغريداتهم إلى المشاعر الإيجابية والمواقف الاجتماعية بشكل أكثر تواترا. أما من تبين أنهم ذوو شخصيات حساسة أو مزاج عصبي (أو من يعانون من عدم الاستقرار العاطفي) فكانوا ينزعون إلى استخدام ضمائر المتكلم بشكل أكبر مثل "أنا"، و"يخصني".

ويتماشى هذا الاستخلاص الأخير مع نتائج الدراسات التي تشير إلى أن من يواجهون اضطرابات عاطفية يكونون أكثر استخداما لمثل هذه المفردات دون تحفظ. مثالٌ على ذلك، أن الشخص الانبساطي يمكن أن يعبر عن شعوره بالسعادة قائلا: "نحن سعداء للغاية" أما من هو عصبي المزاج، فيشير إلى الحالة نفسها بعبارة مثل: "إنني أقضى وقتا طيبا".

ومن المدهش للغاية أن الصلات التي تحدثنا عنها بين استخدام مفردات معينة وامتلاك خصال شخصية بعينها، تبدو متسقة مع بعضها البعض للغاية. فقد أظهرت الدراسة سالفة الذكر أنه كان بمقدور من أجري عليهم البحث أن يتوقعوا بدقة ملامح شخصية شخص غريب عنهم تماما، وذلك على صعيد ما إذا كان عصبي المزاج، أو لين الجانب، بمجرد قراءة التغريدات التي كتبها لا أكثر.

في واقع الأمر، يبدو أننا لا نقوى على منع أنفسنا من محاولة فك رموز شخصيات من نلتقيهم ونتعامل معهم عبر تحليل المفردات التي يستخدمونها. ونحن هنا لا نتورع عن إصدار أحكامنا باستمرار ودون تحفظ على هؤلاء، إلى حد أننا يمكن أن نتوقع طبيعة شخصية أي منهم من خلال تحليل الرموز والمفردات والأرقام التي يستخدمونها على شبكة الإنترنت.

فعلى سبيل المثال، يُنظر إلى من يستخدمون الأرقام بشكل أكبر في صياغة عناوين حسابات بريدهم الإلكتروني، على أنهم أقل مراعاة لضمائرهم من غيرهم. كما نميل إلى الاعتقاد بأن عناوين البريد الإلكتروني ذات الطابع المرح أو الساخر تخص على الأرجح أشخاصا انبساطيين (رغم أن ذلك ليس صحيحا بالضرورة).

في نهاية المطاف، يمكن القول إنه من المثير للقلق - ولو قليلا - أن نعلم أننا نكشف أمورا جوهرية تخص شخصياتنا كلما تحدثنا أو كتبنا أو نشرنا تغريدات، خاصة إذا ما كان المرء يُفضل عامة أن يحتفظ بصفاته الشخصية لنفسه دون أن يبوح بها للآخرين.

رغم ذلك، فإن هذا الأمر ينطوي على فرص سانحة في الوقت نفسه، على صعيد تمكينك من تغيير الطريقة التي يراك بها الآخرون. فقد يكون من الأفضل لك مثلا أن تسعى لإظهار شخصيتك بصورة أكثر جاذبية في بعض المواقف، مثل خوضك مقابلة توظيف، أو مقابلة شريك حياتك في المراحل الأولى من العلاقة بينكما.

لذا، وفي ضوء نتائج الدراسات التي تحدثنا عنها، يمكنك تحقيق هذا الهدف عبر تغيير أسلوبك في الحديث والمفردات التي تستخدمها في هذا الشأن. وبالمناسبة، إذا كنت تفكر بهذه الطريقة، فربما تتسم شخصيتك بمسحة انتهازية "مكيافيلية".

أما الآن، فربما يجدر بي التوقف عن الكتابة عند هذا الحد، قبل أن يتمكن أيٌ منكم من سبر غور شخصيتي، واكتشاف طبيعتها، من خلال هذه السطور.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة