هل تضحي بخصوصيتك على الإنترنت مقابل الحفاظ على الأمن؟

شخص ينظر من خلال منظار، تظهر على عدستيه رموز رقمية مصدر الصورة iStock

يضع المجرمون حاليا خططهم إما على الإنترنت أو على الورق، وتسعى السلطات لوقف نشاطهم، لكن ثمة تشريعا طبقته المملكة المتحدة في الفترة الأخيرة يكشف عن مدى التعقيد المتعلق بالحفاظ على أمن المواطنين وعلى خصوصيتهم في نفس الوقت.

هل تتذكر تلك الصورة التي أرسلتها إلى عائلتك، والخاصة بأطفالك وهم يلعبون في بحيرة للتجديف؟ أو ذلك النص الذي أرسلته لشخص موثوق فيه؟ أو عندما بحثت على الإنترنت عن استشارة طبية محددة؟

إذاً، عليك أن تخمن أن تلك الصور والرسائل والمواقع التي زرتها على الإنترنت سوف تُخزن، وقد يكون من المحتمل أن يحصل عليها قراصنة الإنترنت. والأكثر من ذلك، فإنه بمجرد إرسالك تلك الرسائل، ربما يمكن أن تقرأها هيئات حكومية معينة.

طبقت الحكومة البريطانية قانونا يعرف باسم "قانون سلطات التحقيق"، ويطلق عليه البعض اسم "ميثاق التجسس". وقد اكتسبت الحكومة البريطانية بموجب هذا القانون صلاحيات جديدة تسمح لها بالوصول إلى المحادثات اليومية في وقت إجرائها.

وقد سربت مذكرة فنية جديدة في شهر مايو/ أيار الماضي إلى جماعة حقوقية مدنية، وهي "أوبين رايتس غروب". وتسمح تلك المذكرة قانونيا للحكومة بأن تطلب من أي شركة اتصالات تسجيل كل أنواع الاتصالات الخاصة بمجموعة من المواطنين المستهدفين، وتحويل تلك المعلومات، وبصورة فورية قدر الإمكان، إلى نص مقروء.

وفي أعقاب الهجمات الإرهابية الأخيرة في لندن ومانشستر، جددت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عزمها "تنظيم الفضاء الإلكتروني لمنع انتشار المخططات الإرهابية والمتطرفة". وهذا من أجل حماية المواطنين من أي أعمال إرهابية محتملة في المستقبل. لكن ألا يعد ذلك تدخلا في الحياة الشخصية؟

الأمن مقابل الخصوصية- أيهما أهم؟

في بريطانيا، تدعم الغالبية العظمى من السكان جهود مكافحة الإرهاب، ففي عام 2010، أظهر استطلاع للرأي أن تسعة من بين كل عشرة أشخاص سعداء بالتضحية بقدر من الخصوصية في بعض الظروف، مثل فحص كامل الجسد عبر أجهزة المسح الضوئي بنقاط التفتيش بالمطارات.

وفي عام 2015، أظهر استطلاع آخر للرأي أن نسبة الأمريكيين الذين كانوا يشعرون بقلق حيال عدم قيام الحكومة بجهود كافية لمكافحة الإرهاب كانت تبلغ ضعف نسبة الأمريكيين الذين كانوا يشعرون بقلق حيال فقدان حريات مدنية معينة في إطار مكافحة الإرهاب.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ينادي محتجون كثيرون حول العالم في السنوات الأخيرة بحماية الحرية الشخصية على الإنترنت من الحكومات التي تحارب الإرهاب.

لكن مع ذلك، يتجاوز "قانون سلطات التحقيق" البريطاني الجديد ذلك بكثير، فتسجيل المحادثات وقت حدوثها بشكل فوري يضيف مستوى آخر من المجازفة. وقد دخل ذلك القانون حيز التنفيذ للمرة الأولى في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت جميع شركات الاتصالات ملزمة بالاحتفاظ بتسجيلات كل المحادثات بين الناس، وبأرشيف تصفح مواقع الإنترنت لكل شخص. ومع وجود إذن قضائي، تستطيع الهيئات الحكومة الاطلاع على تلك المعلومات.

وحاليا، تُسجَل كل التطبيقات الإلكترونية، ورسائل البريد الإلكتروني، والمحادثات الفورية، والنصوص، والفيديوهات، وتُختزن لمدة عام لدى شركات تقديم خدمة الإنترنت. وكانت الوثيقة التي سربت في وقت سابق هذا العام تضيف إلى ذلك إمكانية اطلاع هيئات حكومية على هذه المعلومات وقت صدورها من المستخدم.

وبالإضافة إلى ذلك، يجري كذلك تسجيل المعلومات المتعلقة بتلك المحادثات، مثل مع من نتحدث، وأين كنا، ومتى جرت تلك المحادثة، وكم استمرت. وبالنسبة لوكالات الاستخبارات، يمكن لهذه المعلومات أن تعني أكثر من مجرد المحتوى الفعلي لتلك الاتصالات.

لقد صدر قانون سلطات التحقيق وطُبق من أجل الحماية من الهجمات الإرهابية، لكن صلاحيات المراقبة الواسعة لهذا التشريع يراها البعض انتهاكا واضحا للخصوصية، وشبهها البعض بشخص يدخل إلى هاتفك.

ويقول سيلكاي كارلو، أحد المحامين الكبار بمنظمة "ليبرتي" البريطانية المعنية بحقوق الإنسان وبالحريات: "اكتسبت الحكومة صلاحيات مراقبة ذات صبغة شمولية بحجة مكافحة الإرهاب، ويعد هذا البرنامج الأكثر تطفلا في أي دولة ديمقراطية في التاريخ".

وهناك أيضا من يقول عبارة "إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فلا داعي للقلق"، دعما لهذه الرقابة الشاملة. لكن بينما ليس لدينا ما نخفيه، لا يزال لنا الحق في حياة أكثر خصوصية. ولسوء الحظ، في السنوات الأخيرة، أصبح البعض يرى فكرة "الخصوصية" كأنها تعني أن هناك شيئا غير قانوني يريد البعض أن يخفيه.

وقد تثير الخصوصية قلق الناس الذين ينخرطون في ممارسات قانونية لكنها ليست أخلاقية، لكن ينبغي لجميع مستخدمي الإنترنت أن يقلقوا بشأن أمن بياناتهم وضرورة حمايتها من الاستغلال.

ويناقش البعض فكرة أن شركات الإنترنت، مثل فيسبوك وغوغل، لديها إمكانية الوصول إلى تلك البيانات أيضا. لكننا نوافق على ذلك مقابل استخدام خدمات تلك الشركات، وبعد قبول شروط الاستخدام التي تضعها.

وقد جاء قانون سلطات التحقيق ليوسع من صلاحيات مراقبة كل أشكال الاتصالات في بريطانيا. وتقول مونيكا هورتين، الزميلة الزائرة بكلية لندن للاقتصاد: "إنه قانون يجعل تلك الصلاحيات القائمة أمرا مشروعا، حتي تكون هناك رقابة على كل ما يقوم به الناس".

مصدر الصورة iStock
Image caption من خلال التحليل الآلي أو التقليدي لسلوكياتنا على الإنترنت، تتمكن أجهزة الاستخبارات من تحديد الإرهابيين المحتملين الذين يخططون لهجمات جديدة

ويعطي هذا القانون الجديد للوكالات التابعة لأجهزة الاستخبارات في بريطانيا الحق بصورة رسمية في تخزين وتحليل الاتصالات الخاصة بالمواطنين البريطانيين لتسهيل التوصل لأي جرائم يمكن أن ترتكب من خلالها.

فمن خلال التحليل الآلي أو التقليدي لسلوكياتنا على الإنترنت، تتمكن أجهزة الاستخبارات من تحديد الإرهابيين المحتملين الذين يخططون لهجمات جديدة.

ويقول يائير كوهين، المحامي في شؤون مواقع التواصل الاجتماعي، ومؤلف كتاب "الإنترنت يُغلق: ميلاد الشرطة الإلكترونية" إن "التنصت على الاتصالات التي تجري على الإنترنت قائم بالفعل، لكن الأمر يتعلق بوضع الأمور في إطار رسمي، وهو أمر أفضل بالطبع. ولا أحد يشتكي عند القبض على إرهابيين من التنصت على الاتصالات".

ومن الأمور المتعلقة بذلك القانون الجديد أن سجلات الاتصال بالإنترنت ستُخزن لمدة عام. وبخلاف تاريخ التصفح الذي يُسجل كل صفحة تزورها على الإنترنت، فإن سجلات الاتصال بالإنترنت تسجل تاريخا منفصلا لكل موقع تقوم بزيارته وبشكل مفصل.

ويقدم هذا السجل الذي يشمل الأنشطة التي يؤديها كل شخص على الإنترنت معلومات عن هوية الشخص ونشاطه على الإنترنت. فزيارة موقع الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا على سبيل المثال قد يشير إلى أن ذلك الشخص لديه مشكلات أو مخاوف صحية معينة، بينما تدل زيارة موقع بنك ما، على أن ذلك الشخص يحتفظ بأمواله في ذلك البنك، وهي معلومات يمكن استغلالها بشكل غير متوقع.

وتقول هورتين: "إن حجم المعلومات التي يجمعونها سيكون ضخما، والصورة التي يمكن أن يرسموها عنا باستخدام تلك المعلومات الإضافية يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة. فهم يستطيعون أن يُشكلوا صورة كاملة عنك، وعن نمط حياتك".

ورغم أن المتطلبات الأمنية المتعلقة بحماية بيانات المستخدمين منصوص عليها في القوانين ذات الصلة، إلا أن ما حدث مع شركات مثل شركة ياهو، التي تعرضت ملايين الحسابات الخاصة ببريدها الإلكتروني للاختراق، يدل على إمكانية الفشل في حماية بيانات المواطنين من السرقة والاستغلال.

كما كانت هناك حوادث فقدت فيها أجهزة كمبيوتر محمولة تتبع جهات حكومية، وكانت تحتوي على معلومات حساسة للغاية. وبالطبع، ستصبح المراكز التي تخزن جميع اتصالاتنا وبياناتنا الشخصية هدفا مهما لقراصنة الإنترنت.

مستودع المعلومات الشخصية

وباستخدام تلك المعلومات المخزنة، سيكون بمقدور المجرمين تنفيذ عمليات احتيال تستهدفنا بشكل أكثر تحديدا، وذلك بناء على معلوماتنا الشخصية، وعاداتنا السلوكية على الإنترنت.

وأحيانا، يظهر المحتالون أمامنا في صورة رسائل من بنوك أو شركات كبرى، مثل شركة ميكروسوفت، ليسهل عليهم الإيقاع بنا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ليست الاحتجاجات بشأن مراقبة الإنترنت أمرا جديدا، وهذه متظاهرة خرجت للشارع للاحتجاج في المجر عام 2010

وباستخدام تلك المعلومات أيضا، سيمكنهم تنفيذ عمليات احتيال دقيقة ضد أشخاص بعينهم باستخدام مواقعهم المفضلة، أو مواقع الشراء التي يستخدمونها، أو المؤسسات الخيرية التي يدعمونها، من أجل بناء الثقة أولا، والظهور في صورة مؤسسة رسمية، حتى يتمكنوا من الخداع.

ومع وجود عمليات تسجيل فوري لاتصالاتنا، يمكن للمحتالين أن يستغلوا أنشطتنا الحديثة على الإنترنت لصياغة رسائل بريدية مزيفة لكنها ستبدو لنا أكثر إقناعا.

ووفقا لإحصاءات ترجع لعام 2015، يبلغ عدد السكان المقيمين في المملكة المتحدة 65 مليون نسمة، وهناك 90 في المئة منهم يستخدمون الإنترنت. وهذا يعني أنه سيكون هناك أكثر من 58 مليون سجل لأنشطة وبيانات هؤلاء الأشخاص.

كما يسمح قانون سلطات التحقيق لعدد كبير من الهيئات الحكومية في بريطانيا بالاطلاع على البيانات الشخصية لمستخدمي الإنترنت. وتتنوع هذه الهيئات بداية من الأجهزة الأمنية المختلفة، إلى هيئة معايير الغذاء البريطانية.

ولذا، هناك تساؤل أيضا حول من سيتمكن -داخل كل هذه الهيئات- من الاطلاع على هذه المعلومات، وكيف سيُنظم الوصول إليها، من أجل عدم السماح لأى شخص بأي استغلال محتمل لهذه المعلومات.

ولم يكن إدوارد سنودن، الذي سرب معلومات سرية من وكالة الأمن القومي الأمريكية عام 2013، موظفا داخل تلك المؤسسة، وإنما كان متعاقدا خارجيا. وبالرغم من وضعه ذلك، تمكن سنودن من تسريب عدد ضخم من الوثائق الحكومية السرية في أكبر عملية من نوعها في تاريخ أجهزة الاستخبارات.

وإذا كان سنودن قادرا على الوصول لكل تلك المعلومات، فمن حقنا أن نسأل عن الضمانات - التي لدينا كمواطنين - التي ستحول دون اختراق بياناتنا الشخصية بصورة مماثلة.

كما يجبر "قانون سلطات التحقيق" شركات الاتصالات على تركيب أجهزة حكومية داخل مقار تلك الشركات من أجل تنفيذ عمليات التنصت. لكن يظل الجزء المتعلق بحصول أجهزة التنصت الحكومية تلك على إذن قضائي أم لا، أمرا غير معلوم.

وتقول هورتين: "إنه مثل الفرق بين الشرطة التي تحصل على إذن بتفتيش منزلك، وبين وضع شرطي في بيتك ليعيش كفرد من العائلة".

وتقول محكمة العدل الأوروبية إن جمع البيانات بصورة عشوائية دون تحديد أشخاص بعينهم يعد مخالفا لقانون الاتحاد الأوروبي. وقد حصلت منظمة "ليبرتي" لحقوق الإنسان في بريطانيا على موافقة من المحكمة العليا للطعن في قانون سلطات التحقيق المثير للجدل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة