كيف يساعدنا الذكاء الاصطناعي في مكافحة الأمراض والتصدي للعنف؟

جهاز روبوت مصدر الصورة Thinkstock

تُصور أغلب الأخبار التقنية الذكاء الاصطناعي على أنه جهاز روبوت خبيث يتربص بنا لسرقة وظائفنا، أو للتجسس علينا. لكن الكثير من المشاكل التي نواجهها في القرن الحادي والعشرين قد لا يساعدنا في حلها إلا تلك الآلات الحديثة.

قد يرى البعض أن انتشار الذكاء الاصطناعي وعلم الروبوت يمثل تهديدا لخصوصيتنا ووظائفنا، وربما أمننا أيضا، بعد أن زادت المهام التي تسند إلى تلك العقول المصنوعة من رقائق السيليكون.

لكن الكثير من النقاد، وحتى أشد المعارضين منهم للذكاء الاصطناعي، أبرزوا المزايا التي قد تعود على البشرية من استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية.

وقد وصف كوكبة من الخبراء في سلسلة مقالات بعنوان "التحديات الكبرى" على "موقع بي بي سي فيوتشر ناو"، كيف لمسوا تغيرا في العالم بعد تطور ذكاء الآلات التي نستخدمها.

وبحثت تلك السلسلة من المقالات عن المشروعات التي يعالج من خلالها الذكاء الاصطناعي والأنظمة الألية المتطورة بعض المشكلات الأخطر والأكثر تعقيدا في العالم، بداية من الأمراض ووصولا إلى العنف.

يقول تاكيو كانيد، أستاذ علم الروبوت بجامعة كارنيغي ميلون: "لا ينبغي أن ننظر للروبوت على أنه شيء ينافسنا، بل يجدر بنا أن نعتبره وسيلة لتعزيز قدراتنا". وهذا لأن الذكاء الاصطناعي لا يصاب بالملل، فضلا عن أنه قادر على اكتشاف الأنماط، وهذه المهارة تفوق قدرات البشر بمراحل.

مكافحة الأمراض المعدية

منذ ملايين السنين، لم يرتبط أزيز البعوض باللدغ المزعج فحسب، إنما ارتبط أيضا في الأذهان بالأمراض التي ينقلها وقد تفضي إلى الموت. وقد انتشر نوع واحد من البعوض تحديدا، "أيديس إيجيبتاي"، أو البعوضة الزاعجة، من أفريقيا إلى جميع المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية تقريبا، حاملا معه فيروس حمى الضنك وفيروس الحمى الصفراء وفيروس زيكا وفيروس داء شيكونغونيا (الذي يسبب ألام مبرحة للمفاصل).

وتشير التقديرات إلى أن فيروس حمى الضنك وحده يصيب 390 مليون شخص سنويا في 128 دولة.

يقول رينير مالول، مهندس كمبيوتر من جمهورية الدومينيكان، أحد البلدان التي تفشى فيها فيروس زيكا: "هذه البعوضة الصغيرة لديها قدرة عجيبة على نشر الأمراض". وقد توصل مالول، بمساعدة ديسي راجا، طبيب من ماليزيا، أحد البلدان المعرضة لخطر انتشار الفيروس أيضا، إلى خوارزميات التعلم الذاتي التي تتنبأ بالأماكن الأكثر عرضة لخطر انتشار الفيروس.

ويجمع النظام الذي وضعه مالول وراجا، وأطلقا عليه "الذكاء الاصطناعي في مجال علم الأوبئة" المعلومات عن زمن كل حالة إصابة جديدة بفيروس حمى الضنك وموقعها، وفقا للتقارير التي تودعها المستشفيات في مختلف البلدان، إلى جانب 247 عاملا أخر يصفها مالول بأنها "العوامل التي تحدد الطريقة التي ستنتشر بها البعوضة"، مثل اتجاه الريح والرطوبة ودرجة الحرارة والكثافة السكانية.

مصدر الصورة Microsoft
Image caption طورت شركة مايكروسوفت نظاما تقنيا يستعين بالطائرات من دون طيار لتحديد المواقع التي يمكن أن تنتشر فيها الأمراض التي تنقلها الحشرات

وأثبتت التجارب التي أجريت في ماليزيا والبرازيل أن دقة هذا النظام في التنبؤ بتفشي الوباء بلغت نحو 88 في المئة قبل نحو ثلاثة شهور من بداية انتشاره.

ويساعد هذا النظام أيضا في تحديد البؤرة الجغرافية التي ينتشر منها المرض في مساحة تصل إلى 400 متر، حتى يتمكن موظفو الصحة العامة من التدخل المبكر بتوفير المبيدات الحشرية ووسائل الحماية من لدغات البعوض للسكان في المنطقة.

وتوسع النظام أيضا للتنبؤ بانتشار فيروس زيكا و وفيروس داء شيكونغونيا.

وطورت الشركات التقنية العملاقة تصوراتها الخاصة لهذه الفكرة الكبرى، مثل مشروع "بريمونيشن" الذي دشنته شركة مايكروسوفت. ويستعين هذا النظام بالطائرات من دون طيار لتحديد المواقع التي يتكاثر فيها البعوض، ويستخدم أيضا مصائد آلية بالضوء وثاني أكسيد الكربون لجمع بعض الحشرات.

ثم يحلل الباحثون الحمض النووي المستخرج من البعوض والحيوانات التي لدغها البعوض، باستخدام خوارزميات التعلم الذاتي- وهي برامج تتعلم كيفية التعرف على الأنماط من خلال البحث في كميات هائلة من البيانات وتكتسب خبرة من خلال التجارب- للبحث عن مسببات المرض.

التصدي للعنف المسلح

في العام الماضي، قُتل 15 ألف شخص في الولايات المتحدة في حوادث عنف مسلح، وسجلت في الولايات المتحدة أعلى معدلات جرائم عنف استخدمت فيها الأسلحة في البلدان المتقدمة. ولمواجهة التصاعد المستمر لحوادث إطلاق النار والجرائم المرتبطة بالأسلحة، تلجأ الآن عدة مدن إلى الأجهزة التكنولوجية.

قد يُستخدم نظام آلي يتعقب أصوات إطلاق النار بواسطة مجموعة من أجهزة الاستشعار للتعرف على مصدر الطلقات النارية وتنبيه السلطات في غضون 45 ثانية من الضغط على الزناد.

ويستعين هذا النظام الذي يسمى "شوت سبوتر" لرصد الطلقات النارية، بما يتراوح بين 15 و 20 جهاز استشعار صوتي لكل ميل مكعب، لاكتشاف الدوي المميز للطلقات النارية، مسترشدا بالمعلومات عن الزمن الذي يستغرقه الصوت للوصول إلى كل جهاز استشعار والخوارزميات للكشف عن موقع الحادثة في مساحة تصل إلى 25 مترا.

ويستدل بخوارزميات التعلم الذاتي لتأكيد من أن هذا الصوت هو بالفعل دوي طلق ناري، واحتساب عدد الطلقات، وتستعين الشرطة بهذه المعلومات لتعرف ما إن كانت ستتعامل مع مهاجم منفرد أم مجموعة من الجناة، وما إن كان الجناة يحملون أسلحة آلية أم أسلحة نارية معتادة.

وتستخدم الأن 90 مدينة، أغلبها في الولايات المتحدة، وبعضها في جنوب أفريقيا وأمريكا الجنوبية، نظام "شوت سبوتر"، وتدرس مدن أخرى إمكانية تطبيقه.

مصدر الصورة Shotspotter
Image caption يتتبع الذكاء الاصطناعي دوي طلقات النار، ويساعد أول المستجيبين لحالات الطوارئ وأجهزة إنفاذ القانون في منع إطلاق النار الجماعي قبل أن يزيد عدد القتلى

ووضعت أنظمة أصغر حجما داخل تسع جامعات في الولايات المتحدة في أعقاب حوادث إطلاق النار الأخيرة داخل الجامعات، كما وضع جهاز الخدمة السرية الأمريكية أجهزة استشعار نظام "شوت سبوتر" في البيت الأبيض.

لكن رالف كلارك، الرئيس التنفيذي لشركة "شوت سبوتر"، يرى أن النظام قد يستخدم في المستقبل لأغراض تفوق الاستجابة للحوادث.

ويقول: "نحن نتطلع إلى استخدام بياناتنا في المزيد من المجالات التي تساعد أجهزة إنفاذ القانون في التنبؤ بالأنشطة الإجرامية المحتملة ومنعها. وقد تربط خوارزميات التعلم الآلي هذه البيانات التي نحصل عليها من أجهزة الاستشعار مع بيانات الطقس والمرور، والبيانات الخاصة بجرائم السطو على الممتلكات، للمساعدة في تحديد أماكن نشر دوريات الشرطة بدقة".

إبعاد شبح الجوع

يعتمد نحو 800 مليون شخص حول العالم على جذور الكسافا كمصدر رئيسي للكربوهيدات. وتُحضر جذور الكسافا، الغنية بالنشا والشبيهة بنبات اليام، في الغالب كما يُحضر نبات البطاطس، وقد تُطحن أيضا لتصير دقيقا يستخدم في تحضير الخبز والكعك.

وبفضل قدرتها على النمو في ظروف لا تتحملها الكثير من المحاصيل الأخرى، أصبحت جذور الكسافا في المرتبة السادسة بين المحاصيل الغذائية الأكثر إنتاجا في العالم. ولكن هذه الشجيرات المعمرة معرضة أيضا للأمراض والآفات الزراعية، التي قد تدمر حقول خضروات بأكملها.

وبالتعاون مع خبراء أمراض النباتات، طور باحثون من جامعة ماكيرير في كمبالا، بأوغندا، نظاما آليا يهدف إلى مكافحة الأمراض التي تصيب الكسافا. ويتلقى مشروع "إم كروبس"، صورا يلتقطها المزارعون لنباتاتهم باستخدام هواتف ذكية زهيدة، ويستعين بنظام ذكاء اصطناعي قادر على استنباط المعلومات من الصور ومدرب على رصد علامات الأمراض الرئيسية الأربعة التي تتلف محاصيل الكسافا.

يقول إيرنست موابازي، رئيس فريق الباحثين في مجال تكنولوجيا الكمبيوتر في المشروع: "بعض الأمراض يتعذر التعرف عليها وينبغي التعامل معها بشكل مختلف عن سائر الأمراض".

وأضاف: "نحن نقدم للمزارعين خبيرا متوفرا أينما ذهبوا ليعرفوا ما إن كانوا يحتاجون لرش المحاصيل أو اجتثاثها من جذورها وزراعة محاصيل أخرى".

ويشخّص ذلك النظام الآن الأمراض التي تصيب الكسافا بدقة تصل إلى 88 في المئة. وكان المزارعون في المعتاد يتصلون بالخبراء بالمؤسسات الحكومية ويطلبون منها زيارة مزارعهم للكشف عن الأمراض، وقد يستغرق الأمر أياما وأحيانا أسابيع، وربما تنتشر خلالها الأفات والأمراض في النباتات.

مصدر الصورة DeepMind
Image caption شركة "ديب مايند" للأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي المملوكة لشركة غوغل قد تساعد الأطباء في التوصل إلى علاج للسرطان باستخدام خوارزميات التعلم الذاتي لتحديد المناطق غير المصابة من الأنسجة لدى المرضى

كما يستخدم نظام "إم كربوس" الصور التي حمّلها المزارعون على النظام للبحث عن أنماط تفشي الأمراض، وهذا قد يساعد المسؤولين في التصدي للأوبئة التي قد تؤدي إلى حدوث مجاعات.

محاربة الأورام السرطانية وفقدان النظر

يلقى أكثر من 8.8 مليون شخص حتفهم بسبب السرطان في العالم ويشخص 14 مليون آخرين بأنواع مختلفة من الأورام السرطانية سنويا. لكن التشخيص المبكر للأورام السرطانية يزيد من فرص نجاة المريض إلى حد كبير، ويقلل احتمالات عودة ظهور المرض في الجسم.

ويعد الفحص الطبي واحدا من أهم الطرق للكشف عن المرض في مراحلة المبكرة، لكن البحث عبر نتائج التصوير بالأشعة وغيره من التحاليل الأخرى يعد من التجارب المضنية.

وتسعى كل من شركة "أي بي إم" وشركة "ديب مايند" المملوكة لمجموعة شركات "ألفابيت"، التي تضم شركة "غوغل"، إلى توظيف خبراتهم في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من أجل التوصل إلى حل لهذه المشكلة.

وتعمل شركة "ديب مايند" جنبا إلى جنب مع أطباء من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، بمستشفيات جامعة كولدج لندن، على تدريب الذكاء الاصطناعي الذي طورته الشركة للمساعدة في وضع خطط لعلاج السرطان من خلال تمييز الأنسجة السليمة من الأنسجة المصابة بالأورام في صور الأشعة المقطعية على الرأس والرقبة.

وتعمل الشركة أيضا مع مستشفى "مورفيلدز" للعيون في لندن، للتعرف على العلامات الأولى لفقدان البصر من خلال فحص نتائج التصوير المقطعي للعين.

يقول دومينيك كينغ، المسؤول عن تنسيق المعلومات الطبية الواردة من الأطباء والمرضى، بشركة "ديب مايند هيلث": "طورنا خوارزميات قادرة على تفسير المعلومات البصرية في صور الأشعة. ويتعلم النظام كيف يتعرف على المشاكل التي قد تطرأ مستقبلا، وكيف يقترح على الطبيب المتابع، الطريقة المناسبة للعلاج". ويضيف: "لا يمكننا التعليق على النتائج في الوقت الحالي، لكن البوادر الأولية مشجعة للغاية".

ويقول كينغ إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تساعد الأطباء في تصنيف الحالات بحسب الأولوية، من خلال فحص صور الأشعة والتعرف على الحالات الحرجة التي تحتاج إلى تدخل سريع من الأطباء المتابعين للمرضى.

كما ذكرت شركة "أي بي إم" مؤخرا أن نظام واتسون للذكاء الاصطناعي يمكنه الكشف عن الأورام لدى نحو 96 في المئة من المرضى، من خلال تحليل الصور وتقييم تقارير المرضى. ويجري الأطباء في الوقت الحالي تجارب على النظام في 55 مستشفى حول العالم للمساعدة في تشخيص سرطان الثدي والرئة والقولون والمستقيم والرحم والمبايض والمعدة والبروستاتا.

الحماية من الظلام

في ظل احتدام الجدل حول مدى تسبب التغير المناخي في وقوع الإعصارين المتلاحقين الذين ضربا الولايات المتحدة مؤخرا بمعدلات غير مسبوقة، كيف يمكن أن يحسن الذكاء الاصطناعي من استخدامنا للطاقة المتجددة والنظيفة للحيلولة دون وقوع المزيد من الأضرار التي لا تزال أثارها على أنماط الطقس على كوكب الأرض موضع تساؤل؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بعد انتشار العدادات الذكية، وهي أجهزة رقمية تسجل استهلاك الطاقة تلقائيا، أصبح لدينا المزيد من المعلومات حول أنماط استهلاك الطاقة والأوقات التي يزيد ويقل فيها الاستهلاك.

يزداد اعتماد الناس حول العالم على مصادر الطاقة المتجددة لمحاربة آثار تغير المناخ والتلوث الناتج عن الوقود الأحفوري، لكن مهمة إيجاد التوازن بين إمدادات الطاقة وبين هذه المصادر المتجددة غير المستقرة، باتت أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وبعد انتشار العدادات الذكية، وهي أجهزة رقمية تسجل استهلاك الطاقة تلقائيا، أصبح لدينا المزيد من المعلومات حول أنماط استهلاك الطاقة والأوقات التي يزيد ويقل فيها الاستهلاك.

يقول فالينتين روبو، الأستاذ المساعد للأنظمة الذكية بجامعة هاريون وات بإدنبره: "من المستحيل أن يستطيع أي مراقب من البشر أن يدير هذا العدد الكبير من الشبكات والمحطات، ولا سيما إذا كان الزمن المطلوب للاستجابة في الغالب لا يتجاوز بضع ثوان".

ويتعاون روبو في الوقت الحالي مع شركة "أبسايد إينرجي"، وهي شركة ناشئة في المملكة المتحدة، لتطوير طرق جديدة لإدارة شبكات توزيع الكهرباء.

وتطور الشركة خوارزميات تعلم ذاتي لمراقبة إنتاج الطاقة والطلب عليها في الوقت الفعلي. وهذا يعني أن الطاقة قد تخترن في الأوقات التي يقل في الاستهلاك، ثم تستخدم في الأوقات التي يصل فيها الاستهلاك إلى ذروته، كما هو الحال في وقت النهار، على سبيل المثال، عندما يستهلك الجميع الكهرباء لتحضير القهوة.

ونظرا لزيادة انتشار السيارات الكهربائية والبطاريات التي تختزن الطاقة المتجددة في المنازل، فقد يستعين النظام بهذه الأجهزة لتخزين الطاقة وفي الوقت نفسه سيمهد الطريق أمام زيادة استخدام الكهرباء المتولدة من مصادر الطاقة المتجددة.

ويضيف روبو أن الذكاء الاصطناعي قد يستخدم في الحياة اليومية إلى أبسط حد، مثل المساعدة في الحد من الطلب على شبكات توزيع الطاقة الناتج عن استخدام الأجهزة الكهربائية. فقد يتحكم الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال في الثلاجات عن بعد بحيث تدخل في دورة التبريد في الوقت التي يقل فيه الطلب على شبكة توزيع الكهرباء. ‬

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة