تجربة سنغافورة في "تغيير سلوك الشعب"

ناطحات السحاب في سنغافورة مصدر الصورة Getty Images

نهضت سنغافورة على مدار 50 عاما من الصفر تقريبا، واستطاعت حكومتها، بفضل قدرتها على توجيه سلوكيات المواطنين وقراراتهم، أن تبني مجتمعا يحظى باحترام وإعجاب العالم.

كان الهواء في السوق مفعما بروائح حساء النودلز ولحم الخنزير المشوي وصلصة الساتاي، ولاحظتُ وجود الكثير من الملصقات الحمراء على الأكشاك، كُتب عليها "لدينا بدائل صحية"، و"نحن نستخدم زيتا صحيا".

إذ يحصل مقدمو المأكولات والمشروبات على منحة مالية إذا وفروا بدائل صحية للزبائن، في إطار برنامج الغذاء الصحي الذي دشنته هيئة الترويج لأنماط الحياة الصحية بسنغافورة. وهذا يعد مثالا على السياسات التي تضعها الحكومة لتوجيه سلوكيات المواطنين لاتخاذ قرارات أفضل.

ومنذ الاحتفال بالذكرى الخمسين لإعلان استقلالها، حرصت حكومة سنغافورة، ذاك البلد الصغير الذي يقع جنوب شبه جزيرة الملايو، على الانفتاح على العالم الخارجي، للاقتداء بالبلدان الأخرى والتعاون معها لرسم معالم المستقبل.

وتحقيقا لهذه الغاية، تعاونت الحكومة مع فريق مسؤول عما يعرف بـ "الرؤى السلوكية" للمواطنين، الذي يطلق على أفراده اسم "وحدة التحفيز"، المعنية بتطبيق "نظرية التحفيز" على السياسات الحكومية، وهي النظرية التي فاز عنها ريتشارد ثالر بجائزة نوبل.

وتقوم هذه النظرية على فكرة مؤداها أن الناس يمكن توجيههم لاتخاذ قرارات أفضل من خلال سياسات بسيطة وغير ملحوظة، دون مصادرة حريتهم في الاختيار.

ولفتت نظرية التحفيز أنظار الكثير من واضعي السياسات في العالم، لكن سنغافورة تحديدا كانت تتبنى استراتيجيات مشابهة للتأثير على سلوكيات المواطنين من قبل انتشار هذه النظرية بسنوات طويلة، وقد يرجع هذا لأسباب تاريخية.

فمن المعروف أن سنغافورة مضرب المثل في النظام والكفاءة، وفوق ذلك هي المكان الذي يُحظر فيه مضغ العلكة. وغدت اليوم، بعد جهود مضنية، واحدة من المراكز المالية في العالم.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption الأطعمة الصحية في مراكز الأطعمة الجاهزة في سنغافورة أقل ثمنا من الأطعمة الشعبية التقليدية

وفي أعقاب طردها من الاتحاد الماليزي، وإعلان استقلالها في عام 1965، وجدت سنغافورة نفسها غارقة في مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة، علاوة على البطالة وتدني مستوى التعليم والإسكان غير اللائق، وانعدام الموارد الطبيعية وصغر المساحة.

وتولى مهمة النهوض بسنغافورة رئيس الوزراء الراحل لي كوان يو. إذ أدرك كوان يو أن سنغافورة لن تزدهر إلا بتغيير شامل.

وذكر في حوار مع جريدة "نيويورك تايمز": "نحن نعلم أننا لو سرنا على نهج الدول المجاورة سنموت، فنحن لا نملك شيئا بالمقارنة مع ما يمتلكونه من موارد. ولهذا، ركزنا على إنتاج شيء مميز وأفضل مما لديهم، وهو القضاء تماما على الفساد، والكفاءة، واختيار أصحاب المناصب والنفوذ بناء على الجدارة والاستحقاق. ونجحنا".

وأدركت الحكومة أن السبيل الوحيد لضمان نجاح هذا النظام هو أن تمسك بزمام الأمور لتضمن تلبية جميع احتياجات السكان المادية. وكلفت هيئة التنمية والإسكان بإقامة مبان سكنية شاهقة. وأفضى تطوير القطاع الصناعي وزيادة الاستثمارات الأجنبية في البلاد إلى زيادة فرص العمل. وتشكلت معالم الدولة الوليدة تدريجيا.

ودُشنت حملات عامة لغرس حس الانتماء لمجتمع غير متجانس يضم سكان من مختلف الثقافات. ودعت أولى هذه الحملات إلى الحفاظ على نظافة البيئة والصحة العامة، تحت شعارات عديدة، منها "حافظوا على نظافة سنغافورة"، و"ازرعوا الأشجار".

وركزت حملات أخرى على تنظيم الأسرة، وحث الناس على "الامتناع عن الإنجاب بعد طفلين". وفي ظل الانتعاش الاقتصادي، دُشنت الحملة القومية للتأدّب في التعامل مع الآخرين، وحملة أخرى تحث الناس على تحدث لغة المندرين، لبناء مجتمع متماسك ومتحضر يراعي كل فرد فيه حقوق ومشاعر الآخرين.

وفي عام 1986، ذكر لي كوان يو في حوار صحفي: "كثيرا ما اتُهمت بأنني أتدخل في الشؤون الخاصة بالمواطنين. وأنا لا أنكر هذا، ولو لم نفعل ذلك، لما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة. ولولا تدخلنا في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم، بداية من جيرانهم إلى عاداتهم وسلوكياتهم ولغتهم، لما حققنا هذا التقدم الاقتصادي. نحن نحدد ما هو الصواب".

وفي غضون 50 عاما، آتت هذه الاستراتيجية ثمارها، وأشار تقرير للبنك الدولي أن سنغافورة توفر المناخ الأكثر ملاءمة وتشجيعا لمزاولة أنشطة الأعمال في العالم. وبالرغم من أن السنغافوريين لا يزالون يعشقون الحملات الشعبية، إلا أن البلاد تتبنى بشكل منهجي أساليب للتأثير ضمنيا على سلوكيات السكان.

مصدر الصورة Inpho
Image caption حقق برنامج التحدي القومي المعروف باسم "تحدي الخطوات" نجاحا مبهرا

ولكن سنغافورة ليست الدولة الوحيدة التي تحفز الشعب على اتخاذ القرارات الأنسب، فقد حاولت أيضا ما يزيد على 150 حكومة حول العالم اتخاذ إجراءات وسياسات تدخلية لتوجيه سلوكيات شعوبها في وجهة معينة.

إذ استطاع مركز طبي في قطر، على سبيل المثال، أن يزيد نسبه المشاركة في المسح الشامل لمرض السكري بإجراء فحصوصات السكري للناس خلال شهر رمضان، لأن الناس صائمون على أي حال، وبهذا لن يضطروا للامتناع عن الأكل قبل تحليل الدم. وكان هذا القرار ملائما وفي الوقت المناسب، وهما ركنان رئيسيان في السياسة التدخلية الناجحة لتوجيه سلوكيات الناس.

وجربت بعض المدن في أيسلندا والهند والصين رسم خطوط ثلاثية الأبعاد لعبور المشاة، يخيل لك أنها تطفو فوق الأرض، لتحث قائدي المركبات على تخفيف السرعة.

وفي المملكة المتحدة، يتلقى الناس خطابات لتشجيعهم على دفع ضرائبهم، يُذكر فيها أن أغلب دافعي الضرائب يلتزمون بدفعها في موعد استحقاقها، وحققت هذه الخطابات نتائج إيجابية، لأنها استخدمت العادات الاجتماعية كوسيلة لترغيب الناس في الاقتداء بالآخرين.

وقد تُصادف في سنغافورة بعض الإشارات البسيطة التي يراد بها التأثير على سلوكيات الناس وقراراتهم. إذ توضع مثلا سلال النفايات بعيدا عن محطات الحافلات لفصل المدخنين عن سائر الركاب.

وتكشف لك إيصالات الكهرباء والغاز استهلاكك للطاقة مقارنة باستهلاك جيرانك.

كما وضعت الأجهزة والمعدات الرياضية بالقرب من مداخل ومخارج المساكن الحكومية لتذكير الناس بممارسة الرياضة باستمرار.

وتنتشر على رصيف محطة القطار أسهم خضراء وحمراء لتيسير نزول الركاب من القطار. وإذا اخترت التنقل بالقطار خارج أوقات الذروة، أي قبل السابعة صباحا، سيقل ثمن التذكرة.

ووضعت الحكومة في مقدمة أولوياتها تشجيع الناس على اختيار البدائل الغذائية الصحية، لا سيما بعد أن أشار استطلاع قومي للرأي أن ستة من بين كل عشرة سنغافوريين يأكلون في المطاعم أربع مرات على الأقل أسبوعيا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption في الدول التي تزيد فيها ثقة الناس في حكومتهم، مثل سنغافورة، يرحب الناس عادة بالإجراءات التدخلية التي تساعد الشعب على اتخاذ القرارات الصحيحة

وفي هذا الإطار، وضعت الحكومة برنامج لحث الشركات العاملة في مجال الأغذية والمشروبات على تقديم بدائل صحية، فضلا عن أن بعض الأماكن توفر البدائل الصحية بسعر أقل من الأطعمة الشعبية التقليدية.

وبعد النجاح المبهر الذي حققه البرنامج القومي لـ "عدد الخطوات"، الذي يحث الناس على ممارسة التمرينات الرياضية من خلال تطبيق مجاني لتتبع خطوات وحركة المستخدمين، في مقابل جوائز مادية وعينية، سُجل اسم البرنامج كعلامة تجارية.

ومن أجل تشجيع الناس على الادخار على المدى الطويل، بعد أن أشارت أدلة إلى أن الناس لا يكترثون لتأمين مستقبلهم، دشنت الحكومة برنامج إدخار إجباري يطلق عليه "صندوق المدخر المركزي"، لتمويل الرعاية الصحية والإسكان والمعاشات.

ولأن سنغافورة تعاني من مشكلة تدني معدل المواليد وزيادة نسبة المسنين، تتطلع الحكومة إلى زيادة عدد السكان بنسبة 30 في المئة مع حلول عام 2030. ووضعت في عام 2001 خطة لمنح مكافأة عن كل مولود جديد، لتشجيع الآباء والأمهات على الإنجاب.

وبموجب هذه الخطة، يحصل المواطنون في سنغافورة على جائزة مالية، منذ شهر مارس/آذار 2016، تتراوح بين ثمانية آلاف دولار للطفل الأول وعشرة آلاف دولار للطفل الثالث، وأي طفل لاحق، بالإضافة إلى مبالغ مالية تضاف إلى حساب الادخار للطفل للإنفاق على العناية به والرعاية الصحية له.

لكن هل يحب الناس هذه الإجراءات والسياسات التدخلية الرامية لتوجيه سلوكياتهم وقراراتهم؟ وهل تختلف ردود أفعال الناس حيالها باختلاف مرجعيتهم الثقافية؟ بالنظر إلى الانتشار العالمي لهذه الرؤى السلوكية، أُجريت أبحاث قليلة نسبيا عن رضا الناس عنها.

وتشير الأبحاث التي أُجريت في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الناس يرحبون بهذه المحفزات ما دامت تتفق مع قيمهم ومصالحهم، مثل إتاحة البدائل الغذائية ذات السعرات الحرارية المنخفضة في المطاعم أو سؤال الحاصل على رخصة القيادة ما إن كان يرغب في التبرع بأعضائه.

وخلصت نتائج دراسة أجريت في أستراليا، والبرازيل، وكندا، والصين، وروسيا، وجنوب أفريقيا، وكوريا الجنوبية إلى نفس النتائج. غير أن نسب الترحيب بهذه المحفزات زادت كثيرا في الصين وكوريا الجنوبية، وتراجعت بشكل ملحوظ في اليابان، كما هو الحال في الدنمارك والمجر، بحسب دراسة أوروبية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ما لبثت سنغافورة أن نالت استقلالها حتى شرعت في بناء المساكن الحكومية

وتدل نتائج الدراسات على أن الترحيب بالسياسات التدخلية لتوجيه سلوكيات الشعب يزيد في البلدان التي تتناول فيها هذه السياسات قضايا تؤرق المواطنين، كتلوث الهواء في الصين.

وربما ترتبط أيضا نسبة تأييد هذه الأساليب التحفيزية بمستوى الثقة في الحكومة. إذ كانت نسبة تأييد السياسات التدخلية عند أدنى مستوياتها في المجر، ووصلت أيضا نسبة المجريين الذين يثقون في الحكومة إلى 28 في المئة، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وعلى العكس، ترحب الغالبية العظمى من الصينيين بالسياسات التدخلية لأن مستوى ثقتهم بحكومتهم مرتفع، وهذا قد ينسحب أيضا على سنغافورة، رغم عدم وجود دراسة عالمية تؤكد ذلك.

وماذا عن مستقبل السياسات التدخلية في سنغافورة؟ يرى فريق "إنوفيشن لاب"، لدى إدارة الخدمات الحكومية الذي يصمم سياسات وخدمات عامة تناسب متطلبات المواطنين والجهات المعنية في سنغافورة، أن المستقبل للحكومة الرقمية.

ويقول المتحدث باسم الفريق إن المواطنين يتوقعون أن يلحق قطاع الخدمات الحكومية بالقطاع الخاص، أو يتفوق عليه، إذا طبق السياسات الرقمية. إذ تُستخدم في القطاع الخاص بالفعل أجهزة روبوت الدردشة والتواصل بتقنيات الواقع الافتراضي أو المعزز.

وعندما عاودت النظر إلى هذه المدينة الكبيرة المزدحمة، أنستني أضواؤها البراقة، ومبانيها الشاهقة المكونة من 30 طابقا، أن كل هذه المباني وربما أيضا هذه الأرض، في بعض المناطق، لم تكن شيئا قبل 50 عاما فقط.

وبالرغم من أن البعض قد لا يحبذ هذا الشكل من أشكال التعاقد الاجتماعي الوثيق بين الدولة والمواطن، فإن أحدا لا يُنكر أن سنغافورة خططت بحكمة لمستقبلها. واستطاع هذا البلد الصغير أن يصنع نهضته بنفسه من خلال توجيه سلوكيات الناس وتصميم البدائل بحذر لحثهم على اختيار ما يناسب مصلحتهم.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future .

المزيد حول هذه القصة