موقع سري بريطاني لأبحاث الصواريخ يعود إلى الحياة مجددا

تجربة صاروخية في مركز "ويستكوت فينتشر بارك" لأبحاث الصواريخ مصدر الصورة Ed Andrews Collections

كان مركز "ويستكوت فينتشر بارك" مقرا سريا لأبحاث الصواريخ البريطانية إبان الحرب الباردة، واليوم يعود إلى الحياة والعمل مرة أخرى بعد هجره لسنين، وتعمل على أرضه شركات طموحة تهدف لاستعادة أمجاد بريطانيا في مجال الفضاء.

داخل مخبأ للذخيرة يعلوه العشب الأخضر بأحد المواقع السابقة لأبحاث الصواريخ في قلب إنجلترا، أتيحت لي الفرصة كي أضغط زرا لتجربة أحد المحركات الصاروخية.

أخذ دانيال جاب، خبير الصواريخ ذو الشارب المميز، في العد التنازلي لضغط زر الإطلاق. وفي اللحظة الأخيرة، كدت أحبس أنفاسي وأنا أشاهد على شاشة التحكم أمامي صاروخا يومض بريقا، وأسمع صداه وهو ينطلق من خندق مجاور.

لم يكن هذا استعراضا أمام كاميرات فريق "بي بي سي فيوتشر"، بل اختبارا فعليا لوقود صاروخي يخضع للتجربة للمرة الثالثة، بينما يفحص جاب، مؤسس هيئة "فالكون بروجيكت" لصناعة الصواريخ، صور الإطلاق لمتابعة كيفية احتراق الوقود.

وتتخصص "فالكون بروجيكت" في صناعة الصواريخ البحثية ووقود الصواريخ للجيشين البريطاني والأمريكي، وربما أكثر ما تشتهر به هو استحداث نموذج لمحرك صاروخي متعدد الوقود للسيارة "بلودهاوند"، التي من المفترض حال الانتهاء منها أن تحطم رقما قياسيا بتجاوز سرعة الصوت، إذ تنطلق بسرعة 1600 كيلومتر في الساعة في بقعة نائية بجنوب أفريقيا خلال العامين القادمين.

وليست "فالكون بروجيكت" هي الجهة الوحيدة التي تعمل الآن بمنشأة "ويستكوت فينتشر" بمقاطعة باكينغهامشاير، التي كانت مقرا لتطوير الصواريخ البريطانية إبان الحرب الباردة، إذ تعمل جهات عدة على إعادة إحياء هندسة الصواريخ البريطانية لتتبوأ بريطانيا مجددا موقعها على الخريطة الدولية بعد عقود من الانحسار.

ومن تلك الجهات شركة "رياكشن إنجينز"، التي تستعد لاختبار محركها الصاروخي "سايبر" الذي يعتمد على تكنولوجيا رائدة لاستخلاص الأوكسجين السائل من الهواء على ارتفاعات عالية من الغلاف الجوي.

كما توجد بالمنشأة شركة أخرى لصناعة محركات الصواريخ هي شركة "موغ-يوكيه"، التي كان لمحركها من طراز "ليروس-1 بي" الفضل في إطلاق مسبار الفضاء جونو لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا في مداره حول المشتري العام الماضي - عبر الاستعانة بتقنية محركات جديدة استخدمتها الشركة كذلك في رحلات مسبار فضائي أرسلته ناسا إلى المريخ وعطارد.

مصدر الصورة Paul Marks
Image caption يقول عالم الصواريخ دانيال جاب إن المكان بات مفعما بطاقة جديدة

وفي الصيف الماضي، اشترت شركةُ "نامو" المنافسة شركة موغ-يوكيه، لتوسيع عملياتها للمحركات الصاروخية، بما في ذلك وحدات الدفع والوحدات الداخلية للصاروخ "إريان-5" متعدد المراحل، فضلا عن وحدات التسيير والتوجيه للأقمار الصناعية. ويقع مقر شركة "نامو" داخل منشأة ويستكوت، وتشترك في صناعة محرك الوقود المتعدد للسيارة بلودهاوند فائقة السرعة.

كما تضم المنشأة شركة "إيربورن إنجينيرينغ" للهندسة الهوائية التي تباشر هي الأخرى تجارب الإطلاق والدفع الصاروخي، كما تخطط لتطوير منشآتها ضمن استثمارات بقيمة ثمانية ملايين جنيه استرليني، توفرها وكالة الفضاء البريطانية لموقع ويستكوت.

ويأمل المنخرطون في تلك الجهود أن تطلق تلك الاستثمارات سباقا بين الشركات الساعية لاستعادة الريادة البريطانية في مجال الفضاء - خاصة مع سريان قانون الرحلات الفضائية، ما يفتح الطريق أمام منصات فضائية تجارية لإطلاق صواريخ وطائرات عالية الارتفاع من الأراضي البريطانية بدءا من 2020.

ولا يخفى على المتجول في أنحاء منشأة ويستكوت أهمية ضخ استثمارات من جهات مثل وكالة الفضاء البريطانية في تلك المنشأة ذات المساحة الواسعة، والتي بات الكثير من أبنيتها بحاجة ماسة للترميم بعد هجرها طويلا.

وكانت بداية تلك المنشأة كقاعدة خلال الحرب العالمية الثانية، لتدريب أطقم الطائرات القاذفة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، ثم تغير اسمها عام 1946 إلى منشأة الصواريخ الموجهة، ومن ثم صارت بعد عام من ذلك تعرف بمنشأة ويستكوت لإطلاق الصواريخ.

وفي البداية، عُهِد للمنشأة مهمة فحص الصواريخ والطائرات النازية التي تم التحفظ عليها - مثل المقاتلة صاروخية الدفع "مسرشميت إم إي-163 كوميت"، والقنبلة الصاروخية "في-1"، وصواريخ "في-2" الباليستية - واستخلاص ما أمكن من معلومات من علماء الصواريخ الألمان الذين تم أسرهم، وعمل بعضهم لاحقا كموظفين بالموقع حتى ستينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة Ed Andrews Collections
Image caption ضم هذا الموقع يوما تقنيات ألمانية حصلت عليها بريطانيا خلال الحرب، منها ما يتعلق بالمقاتلة الصاروخية إم إي-163

ويقول إيد آندروز، أحد العاملين القدامى بمنشأة ويستكوت، والذي يساعد الآن في صيانة المنشأة التاريخية: "لا يبرح ذاكرتي - عندما كنت متدربا هنا - مشهد الصاروخ "في-2" على ناقلته، وكذلك المقاتلة مسرشميت كوميت، وأيضا الطائرة سوندرز-رو".

وخلال سنوات الحرب الباردة، قدمت منشأة ويستكوت إسهامات جليلة في أغلب البرامج الصاروخية البريطانية آنذاك.

فقد شهدت تطوير وإطلاق محركات ريفين وكوكو لصاروخ "سكاي لارك" البريطاني، الذي نفذ عددا مذهلا من المهام الفضائية العلمية ناهز 450 مهمة بين عامي 1957 و2005، ما حدا بالمسؤول عن قسم الرحلات الفضائية بمتحف العلوم بلندن، دوغ ميلارد، لوصف سكاي لارك بأنه كان "علامة بارزة في تاريخ بريطانيا الفضائي لم يعرف كثير من الناس عنها شيئا!"

لكن نجاح "سكاي لارك" كان استثناء أكثر منه قاعدة، فقد تأثر تاريخ صناعة الصواريخ البريطانية بنقص الاعتمادات المالية المطلوبة، إذ جرى التخلي عن مشروع إنشاء الصاروخ الباليستي "بلو ستريك" عام 1960، لتحل محله منظومة الصواريخ الأمريكية بولاريس التي تطلقها الغواصات.

كذلك ألغت الحكومة برنامج الفضاء البريطاني بعد تطوير صاروخها المداري، "بلاك آرو"، وإطلاقه الناجح للقمر الصناعي البريطاني "بروسبيرو" لرصد بيئة الفضاء من قاعدة ووميرا بأستراليا عام 1971.

وهكذا كانت بريطانيا ثالث بلد تدخل مجال الفضاء قبل أن تصبح أول بلد تنجح في تطوير قدرة إطلاق صواريخها ثم تتخلى عنها! ومنذ ذلك الحين، اقتصرت جهود بريطانيا على صناعة الأقمار الصناعية ومسابير الفضاء، وهي الصناعة التي تربو قيمتها على 17 مليار دولار سنويا، وإن لم تعوض عن فقد القدرة المرموقة لإطلاق الصواريخ الفضائية منفردة وما يحمله ذلك من دلالات جيوسياسية بارزة.

وانعكس ذلك على منشأة ويستكوت التي تُركت منصات إطلاقها الصاروخية الضخمة للغبار يعلوها، ومنها "المنصة-كي"، وباتت المنشأة بما تحويه من أبنية عرضة للتداعي رغم تصنيفها كأحد الأبنية ذات القيمة التاريخية في بريطانيا.

ولا يكاد المرء يعرف أن تلك البقعة شهدت قبلا تجارب صاروخية قوية، إلا بالآثار التي خلفتها شدة الإطلاق على مصدات الحريق التي كانت تحمي الأبنية من الانهيار.

مصدر الصورة Paul Marks
Image caption جرى اختبار الكثير من التصميمات الصاروخية البريطانية المبكرة في هذه المنشأة

وفي مكان آخر في المنشأة، يمكنك أن ترى جسما اسطوانيا متداعيا قطره أربعة أمتار، خُصص لاختبار محركات الصواريخ تحت الماء لفحص قدرات الإطلاق من الغواصات.

ويغلب على الأجواء في ويستكوت شعور بالكآبة، يُذَكر بحال مركز بليتشلي بارك على مسافة 24 كيلومترا شمال شرقي ويستكوت، حيث كان يجري فك الشفرات السرية للصواريخ إبان الحرب العالمية الثانية.

ويقول ميلارد إن منشأة ويستكوت "كانت الموقع الأبرز لتطوير الصواريخ خلال الحرب الباردة، وكانت تحوي البرامج المهمة المتعلقة بذلك. لكن مضى الزمان وباتت أثرا بعد عين".

لكن الأمر آخذ في التحسن، إذ يقول جاب إنه رغم أجواء الحرب الباردة المخيمة على المكان الآن، فإن تجدد الأنشطة الصاروخية بات يبث في المنشأة "طاقة جديدة، ويعيدها إلى شبابها".

ويضيف: "الأجواء آخذة في العودة لسابق عهدها، إذ بدأت التجارب الصاروخية تجري من جديد بشكل روتيني".

وبين أشجار ويستكوت بارك الباسقة، تطل بناية غريبة الشكل من الألومنيوم يناهر ارتفاعها خمسة طوابق، يُطلق عليها "الموقع بي-2"، أما الهدف منه فكان، بحسب آندروز، "اختبار ما إذا كان صاروخ، مزود بالوقود ومستعد للإطلاق، آمنا حال وقوع حادث عرضي يؤدي لارتطامه بالأرض".

ويضيف: "هنا رافعة أعلى الموقع بي-2 كانت تستخدم لرفع الصاروخ الذي يُراد تجربته لضمان إنه إذا سقط سهوا، أو تعرض لحادث ما أثناء نقله، لن يؤدي لانفجار لا تحمد عقباه".

مصدر الصورة John McCullagh/Wikimedia Commons
Image caption شكل الصاروخ "بلو ستريك" مشروعا بريطانيا طموحا لصناعة صاروخ باليستي

وإضافة إلى متعلقات السلامة، يُعنى خبراء الصواريخ الحاليون بمنشأة ويستكوت باعتبارات بيئية لم تكن تؤخذ قبلا في الحسبان، ليس أقلها أن الموقع بات بمثابة "محمية طبيعية"، تقصده طيور مثل الحدأة الحمراء، والخفافيش، وبعض الصقور، وحيوانات مثل الأرانب البرية والغزلان وغيرها، بين الحين والآخر.

ويقول مارك توماس، المدير التنفيذي لشركة رياكشن إنجينز: "نقلنا بعض الخفافيش من أبنية مهجورة حتى لا يزعجها استئناف العمل".

ويضيف: "كما بذلنا جهودا ضخمة لخفض مستوى الضوضاء، منها هذا الجدار بارتفاع خمسة أمتار حول منصة إطلاق سايبر، والتي نتوقع أن يخفض الضوضاء لحد كبير، بينما تجري التجارب على أي حال لمدد قصيرة"، حتى لا تزعج سكان الجوار، ومنهم رئيس الوزراء السابق توني بلير، الذي يجاور بيته الريفي الفاخر منشأة ويستكوت.

وما زال يتعين الانتظار لنرى ما إذا كان خبراء الصواريخ البريطانيون سيتمكنون من إعادة منشأة ويستكوت إلى سابق عهدها. لكنهم لديهم الآن فرصة لذلك، ففي الأسبوع الماضي مثلا حصلت شركة رياكشن إنجينز على استثمار ضخم بقيمة 35,9 مليون دولار من شركة بوينغ لصناعة الطائرات والصواريخ، وشركة رولز رويس لصناعة المحركات النفاثة.

ويقول ميلارد: "من دواعي السرور أن ترى الحياة تدب من جديد في ويستكوت، إذ تجري هنا على قدم وساق أنشطة تتعلق بالصواريخ. فبريطانيا لديها باع طويل في صناعة الصواريخ، وقد تركنا هذه الصناعة لسنوات طويلة حتى تراجعت. والآن نحن ننظر إلى المستقبل، وليس هناك أفضل من هذا المكان لاستشرافه".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

المزيد حول هذه القصة