طريقة فريدة لمواجهة العنف في المجتمع

فتيات وشباب يحملون الشموع تضامنا مع إحدى ضحايا الاغتصاب في الهند مصدر الصورة Getty Images

كثيرا ما نقول إن حوادث العنف "استشرت كالوباء". والآن هناك من المعطيات ما يحملنا على أن نأخذ هذا التعبير بمعناه الحرفي.

فقد أثبتت تجارب جديدة جدوى التعامل مع العنف بنفس أسلوب التعامل مع الأمراض المعدية. وجاءت النتائج مشجعة في مناطق عدة، من شيكاغو في الولايات المتحدة إلى غلاسكو في اسكتلندا.

شهدت كريستين غودول المئات، بل الآلاف، من حالات الإصابة القطعية بالعنق والرأس والوجه والفكين بحكم عملها خلال مطلع الألفية كجراحة للوجه في مدينة غلاسكو.

تذكر غودول شابا جاء إلى المستشفى في منتصف الليل وقد أصيب بجرح قطعي طويل بالوجه، وكم كان من الصعب عليها أن تخبره أن جرحه بعد أن يندمل سيخلف أثرا لا يُمحى. ولكن ما أثار دهشتها هو ردة فعله حين بدا وكأن الأمر لا يعنيه كثيرا.

وتروي الطبيبة أن دهشتها زالت مساء نفس اليوم حين جاء أصدقاؤه لزيارته، وتقول "يومها أدركت لماذا لم يعبأ كثيرا بالأمر، ذاك أن وجوههم جميعا بدا عليها نفس الأثر - ومن ثم فقد أصبح واحدا بين هؤلاء الرفاق!".

ومن يومها لم يبرح الحدث مخيلتها كدلالة على انتشار العنف في مدينتها.

وبحسب دراسة نشرتها الأمم المتحدة في عام 2005، تصدرت اسكتلندا قائمة دول العالم المتقدم باعتبارها الأسوأ في مستويات العنف. ولم يمض العام إلا ونشرت منظمة الصحة العالمية دراسة تتبعت إحصاءات عن الجريمة في 21 بلدا أوروبيا جاء فيها أن غلاسكو هي "عاصمة القتل" في أوروبا، ناهيك عن أن أكثر من ألف شخص كل عام يتلقون العلاج من إصابات بالوجه فقط.

مصدر الصورة Getty Images

تقول غودول إنه رغم جهد الأطباء في خياطة تلك الجروح باتقان، باتت تتساءل عما إذا كان من سبيل لعلاج المشكلة من جذورها.

وكثير من النشاطات التي يقدم عليها البشر تعرضهم لمخاطر صحية جمة، من قبيل التدخين والإفراط في الطعام وممارسة الجنس دون واق، حتى بات الأطباء يؤكدون على ضرورة تغيير المرضى لسلوكهم - كالإقلاع عن التدخين والالتزام بحمية غذائية - حتى لا يضطروا لعلاجهم من علل كالتلف الرئوي والسكتة القلبية.

لكن حين يتعلق الأمر بالعنف، فالافتراض هو أنه طبع ليس من سبيل لتغييره وأن من ينخرط في تلك الأفعال شخص غير قابل للإصلاح. وكثيرا ما ركزت المنظومة العدلية والجنائية على تغليظ العقوبة.

ولكن جهود الشرطة وحدها ليست كافية، ففي عام 2005 رفعت كارين ماكلاسكي الباحثة بشرطة ستراثكلايد بجنوب غرب اسكتلندا تقريرا أشار إلى عدم نجاح الشرطة في الحد من العنف، ما حدا بفريقها، وبمساعدة زميلها جون كارنوكان، للتدليل على العوامل المسببة.

ويقول ويل ليندن أحد العاملين بالفريق وقتها إن "الفقر وعدم التكافؤ والتصور الخاطئ عن الرجولة والإفراط في تناول الكحوليات كانت بين العوامل المؤدية للعنف في اسكتلندا تحديدا، وهي عوامل تتجاوز مهام الشرطة". حينها أخذ الفريق في البحث عن تجارب في مناطق أخرى من العالم للاستفادة منها.

وهكذا تأسست وحدة مكافحة العنف التي يرأسها الآن ليندن، ومنذ بدأت في عام 2005 تدنى معدل جرائم القتل في غلاسكو بنحو 60 في المئة، بينما انخفض عدد إصابات الوجه التي تتلقاها مستشفيات المدينة للنصف لتناهز في الوقت الراهن 500 إصابة سنويا، بحسب غودول.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption صور لضحايا إطلاق الرصاص إلى جانب أحذيتهم في تجمع مناهض لانتشار السلاح في فيلادلفيا عام 2018

وتعتمد الوحدة استراتيجية تعتبر العنف عدوى مرضية، ومن العوامل التي تجعل شخصا ما عرضة لأن يمارس العنف كونه هو نفسه ضحية للعنف قبلا.

وفكرة انتشار العنف بين الناس تفسر السبب في أن حالات الطعن وإطلاق النار في منطقة ما قد تقل عنها في منطقة أخرى تعاني من مشكلات اجتماعية مشابهة.

وتقول أدبيات منظمة الصحة العالمية للحد من العنف: "رغم أن العالم لم يخل يوما من العنف لكن لا ينبغي اعتباره جزءا أصيلا من نشاط البشر، فثمة سبل للحيلولة دون وقوعه والحد من آثاره أسوة بالجهود الوقائية والعلاجية الناجعة لقطاعات الصحة العامة للحد من مضاعفات الحمل وإصابات العمل ومكافحة الأمراض المعدية والمشكلات الناجمة عن تلوث الغذاء والماء في كثير من بقاع الأرض".

لكن فكرة "الضرب بيد من حديد" تلقى رواجا واسعا بين الناخبين بمختلف البلاد، وهو ما يجعل اعتبار العنف داء يلزم علاجه والوقاية منه أمرا صعب القبول. ولكي تصل وحدة مكافحة العنف لغايتها تعين النظر أولا إلى شيكاغو.

بدأت القصة في ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن الماضي حين عمل أخصائي الأمراض الوبائية غاري سلاتكين في الصومال ضمن ستة أطباء بأربعين مخيما للاجئين يسكنها مليون شخص، حيث عهد إليه العمل على احتواء الإصابة بالسل والكوليرا.

وللحد من تفشي الوباء لزم أولا قيام العاملين بالصحة العامة برصد بؤر الإصابة، ومن ثم التركيز على احتواء انتشار المرض بها عن طريق اتباع وسائل تغيير الأنماط السلوكية لوأد العدوى قبل إدخال تعديلات هيكلية واسعة.

فالإسهال مثلا ينتشر للافتقار لوسائل الصرف الصحي وموارد المياه النظيفة. وبينما يتطلب إدخال تعديلات هيكلية واسعة على شبكة المياه وقتا طويلا، يمكن آنيا إنقاذ حياة الآلاف عبر إعطاء جرعات من محلول معالجة الجفاف.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لابد من حلول طويلة الأمد لمكافحة الأوبئة، وفي تلك الأثناء يتم اللجوء إلى حلول آنية

اتبع سلاتكين تلك الخطوات لاحتواء تفشي المرض بين لاجئي المخيمات الصوماليين، ولاحقا أثناء عمله في مشروع لمنظمة الصحة للحيلولة دون انتشار الايدز، ولم تختلف الطريقة المتبعة باختلاف الوباء، فما يفرق الأوبئة عن أمراض أخرى كأمراض القلب أو السكتة الدماغية هو "أنها تنتقل من شخص إلى آخر بالعدوى".

ويقول سلاتكين إن تغيير الأنماط السلوكية أنجع بكثير من مجرد إمداد المجموعة المستهدفة بمعلومات. ولتغيير السلوك - سواء بإعطاء محلول الجفاف أو تجنب المياه الملوثة أو استخدام الواقي الجنسي - يلزم الاستعانة بأشخاص من المجموعة ذاتها لمساعدة باقي أفراد المجموعة، سواء من اللاجئين الصوماليين المطلوب حمايتهم من السل والكوليرا، أو العاملات بالجنس لتوعية أقرانهن من الإصابة بالايدز، أو الأمهات للتوعية بوسائل الرضاعة الطبيعية السليمة والوقاية من الإسهال.

ومن العمل للحيلولة دون العدوى لأكثر من عقد في الخارج، عاد سلاتكين إلى شيكاغو أواخر التسعينيات ليجد نفسه في مواجهة وباء آخر تمثل في تفشي جرائم القتل في بلده الأصلي، بدلا من الكوليرا والإيدز.

ولكي يكافح هذا الوباء اتبع الطريقة نفسها؛ عبر رصد بؤر العنف والبيانات المتعلقة بجرائم إطلاق الرصاص في المدينة، ووجد تطابقا مع أنماط الانتشار الوبائي التي ألفها في الخارج: "بدءا من منحى الانتشار الوبائي، وتجمعات البؤر، وتتبع دورة المرض والعدوى؛ فكما تؤدي الإنفلونزا إلى مزيد من الإنفلونزا، ونزلات البرد إلى المزيد منها، كذلك العنف يؤدي إلى مزيد من العنف".

وكان هذا بمثابة كشف مغاير تماما لما عهدته الدوائر المعنية بمكافحة العنف وقتها، والتي ركزت جل اهتمامها على إنفاذ القانون، وحيث كانت الحكمة السائدة هي أن هؤلاء الأشخاص "ميؤوس منهم ونحن أدرى بكيفية التعامل معهم، إذ لابد من عقابهم".

لكن سلاتكين أضاف أن هذا "فهم خاطئ للبشر الذين يكتسبون سلوكهم من آخرين ويسيرون على نهج قطعه غيرهم".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption جرائم العنف بين الأخطر عالميا في سان بيدرو سولا بهندوراس، ولكن العنف انخفض في المناطق التي طبقت برنامج "علاج العنف"

وتعرف شيكاغو بأنها مقسمة عرقيا بشكل حاد، فالكثير من الأحياء بمنطقة ساوث سايد يقطنها الأمريكيون من أصول أفريقية بنسبة أكثر من 95 في المئة، وهناك مناطق أخرى سكانها من الأمريكيين المكسيكيين بأكثر من 95 في المئة، وأغلب تلك المناطق محرومة اجتماعيا واقتصاديا جدا وعانت لسنوات إهمال الدولة.

وأحيانا تصل معدلات جرائم القتل بها عشرة أضعاف المناطق الأغنى ذات الغالبية السكانية من البيض.

ولكن سلاتكين يؤكد أن العنف مرجعه للأنماط السلوكية بالأساس، وأن مرتكبيه أقلية بين مجتمعهم وهم عادة من الذكور من صغار السن.

ويقول إن بالإمكان إنقاذ أرواح كثيرين بتغيير سلوك الأفراد والأعراف السائدة بين تلك المجتمعات.

وقد دشن في عام 2000 مشروعا بحي ويست غارفيلد في شيكاغو مقتفيا أثر الخطوات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية للحد من انتشار الكوليرا والسل والايدز، وتتمثل في منع انتقال العدوى، والحيلولة دون انتشارها مستقبلا، وتغيير الأنماط الجماعية السائدة.

وخلال العام الأول للمشروع الرائد، انخفضت معدلات القتل بنسبة 67 في المئة، ومن ثم بدأ تعميم المشروع في مناطق أخرى. وفي كل مرة طبق فيها المشروع انخفضت معدلات القتل بنسب كان أقلها 40 في المئة. ومن ثم بدأ المشروع ينتقل إلى مدن أخرى.

واليوم تنشط منظمة سلاتكين، التي تحمل اسم "علاج العنف"، في 13 حيا بشيكاغو فضلا عن مشروعات أخرى في نيويورك وبالتيمور ولوس أنجيليس، ناهيك عن بلدان أخرى خارج الولايات المتحدة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تلجأ بعض السيدات إلى تعلم فنون القتال لمواجهة العنف، مثل هذه السيدة التي تتدرب على مواجهة شخص مسلح

ورغم ما يتردد عن أخطاء في طريقة قراءة "علاج العنف" للبيانات، إلا أن دراسات أكاديمية شتى أثبتت فاعلية الوسائل المتبعة من قبل المنظمة بشكل عام، ومنها دراسة في عام 2009 بجامعة نورث ويسترن رصدت انخفاض معدلات الجريمة في كافة الأحياء التي شملتها وطبق فيها برنامج المنظمة.

وفي عام 2012 استطلع باحثون بكلية جون هوبكنز للصحة العامة أربع مناطق في بالتيمور طبقت البرنامج فوجدوا انخفاضا في معدلات إطلاق النار والقتل فيها جميعا.

وكانت النتائج مبشرة أيضا في مناطق أخرى، ففي سان بيدرو سولا بهندوراس شهدت القطاعات الخمسة الأولى التي طبقت البرنامج انخفاضا من 98 حالة إطلاق رصاص في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/ أيار 2014 إلى 12 حالة فقط في الفترة نفسها من عام 2015.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة