ما مستقبل اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة؟

ما هو مستقبل اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة؟ مصدر الصورة Getty Images

يعد مواطنو الولايات المتحدة، شأنهم شأن البريطانيين والأستراليين، من المتحدثين الأصليين للغة الإنجليزية - ولكن في عالم اليوم دائم التغير، أي مستقبل ينتظر الأمريكيين الذين يكتفون بالإنجليزية وحدها دون إجادة لغة أخرى؟

قبل عشر سنوات انتقلت إلى اليابان لتعليم اللغة الإنجليزية كلغة ثانية بمدرسة ثانوية بمنطقة ريفية، ما جعلني أقدر كوني ولدت من المتحدثين بالإنجليزية.

وكون المرء أمريكيا ومتحدثا بالإنجليزية كلغة أصلية هو بحد ذاته امتياز إقتصادي ضخم لقطاعات واسعة من السكان بالولايات المتحدة، والسبب في ذلك هو أنه خلال القرن الماضي أصبحت الإنجليزية لغة التجارة الدولية والاتصالات. وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2013 أن إجادة الإنجليزية تكون مقترنة بالحصول على دخل أفضل، ومن ثم فرصة أفضل للحياة. وفي مختلف أنحاء العالم يمضي الأطفال والكبار سنوات عدة في تعلم الإنجليزية كلغة ثانية، وينفقون خلال ذلك الكثير من المال. أما من ولد متحدثا الإنجليزية فكثيرا ما تغيب عن باله هذه الميزة التي يتمتع بها.

وتعج الولايات المتحدة، كغيرها من البلدان التي تكون الإنجليزية هي اللغة الرئيسية بها، بالملايين ممن ولدوا وترعرعوا لا يتحدثون إلا الإنجليزية - رغم كونها بلدا متعدد الأعراق بها أكثر من 350 لغة. ومؤخرا شهدت الولايات المتحدة نزعات قومية وسياسات متشددة إزاء الهجرة فضلا عن الحديث عن ضرورة إعلاء شأن اللغة الإنجليزية دون غيرها، ما يعطي انطباعا بقبول الأمريكيين بل واعتزازهم بالفائدة التي تعود عليهم جراء كونهم من المتحدثين الأصليين بتلك اللغة.

لكن أي مستقبل ينتظر اللغة الإنجليزية مع تغير المشهد داخل الولايات المتحدة لتصبح أكثر تنوعا مما هي عليه؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption في ديسمبر/كانون الأول 2016 قدمت هيئة غير ربحية بولاية كونتيكيت دروسا في اللغة الإنجليزية للوافدين حديثا

أمريكا بلسان واحد؟

ولا توجد لغة رسمية للولايات المتحدة، لكن الإنجليزية طالما كانت اللغة المهيمنة في تلك البلاد، فالولايات المتحدة لم تقر لغة رسمية على المستوى الفيدرالي كونها بلدا متعدد الثقافات أنشأه المهاجرون. وتأسست الولايات المتحدة كمستعمرة بريطانية سابقة ومن ثم كان طبيعيا أن تكون الإنجليزية هي الأكثر شيوعا.

لكن بعد عقود في بلد كان سكانه بحاجة إلى اللغة الإنجليزية وحدها للتعامل - بعكس بلدان أخرى مثل السويد حيث يتعلم التلاميذ الإنجليزية من المرحلة الابتدائية رغم كونها ليست اللغة الوطنية - باتت ديمغرافية السكان تتغير على نحو متسارع.

وكتب ويليام إتش فراي، من معهد بروكينغز، لبي بي سي العام الماضي يقول: "التغيرات السكانية في الولايات المتحدة ضخمة وسريعة لدرجة أن هذا البلد سيتحول بشكل هائل يفوق غيره من البلدان".

ويشير فراي إلى أن نحو نصف الشباب في الولايات المتحدة ينتمون لأقليات عرقية في عام 2018، ومن المنتظر أن يصبح من ولدوا بعد عام 2000 هم الجيل الأكثر تنوعا عرقيا في التاريخ الأمريكي، جراء الهجرة والتصاهر بين الأعراق المختلفة. وفي عام 2011 أوردت هيئة الإحصاء الأمريكية أن "استخدام لغة أخرى غير الإنجليزية في البيت زاد بنسبة 148 بالمئة ما بين عامي 1980 و2009".

وربما كانت تلك التغيرات السريعة من أسباب زيادة المشاعر المعادية للهجرة بين الكثيرين من الناخبين البيض في الولايات المتحدة، غير أن استمرار التنوع في بلد متنوع بالفعل قد أصبح أمراً لا مفر منه.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مهاجرون للولايات المتحدة يحضرون درسا للغة الإنجليزية في إحدى الكنائس بمساشوسيتس

ومع ذلك، ما زال أغلب الأمريكيين يتحدثون الإنجليزية دون غيرها، وكثيرون يترعرعون في بيوت لا تتحدث إلا الإنجليزية، فيما تشير الدراسات إلى أنه بحلول الجيل الثالث يفقد كثير من أبناء المهاجرين قدرتهم على التحدث بلغة أسلافهم. وتقول هيئة الإحصاء الأمريكية إن نحو 231 مليون أمريكي في الخامسة من العمر أو أكبر، أي ما نسبته 80 بالمة من إجمالي عدد السكان، لا يتحدثون إلا الإنجليزية في المنزل. وفي عام 2013 وجد استطلاع أجرته هيئة يو-غوف أن 75 بالمئة من الأمريكيين لا يتحدثون إلا الإنجليزية، رغم أن 43 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع اتفقوا على أنه سيكون من الأفضل أن يعمل الأمريكيون قدر المستطاع على تعلم أكثر من لغة.

لكن مع التنوع المتزايد في الجيل الأصغر سنا بدأ الأمر يختلف، وبدأت أعداد أكبر تنشأ في بيئة ثنائية اللغة. وبين عامي 2000 و2016 زادت نسبة الأطفال الذين يتحدثون بلغة أخرى في البيت من 18 بالمائة إلى 22 بالمائة.

تقول مارتي أبوت، مديرة المعهد الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية: "نشجع المنحدرين من أسر لم تكن تتحدث في الأساس اللغة الإنجليزية على مواصلة الحديث بلغتهم الأصلية حتى يكونوا قادرين على التحدث بلغتين، وهو توجه مغاير تماما لما كان الوضع عليه قبل ذلك".

وتشير أبوت إلى الوضع في أواخر التسعينات من القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، إذ كان هناك تحرك بعدد أكبر من الولايات للتركيز على اللغة الإنجليزية وحدها باعتبارها اللغة الوحيدة للدوائر الحكومية. (حاليا هناك 30 ولاية تطبق قوانين تلزم تعامل الدوائر القانونية والحكومية بالإنجليزية). والآن توجد مجموعات كالمعهد الذي تديره أبوت تشجع السكان من لغات أخرى على المحافظة على لغاتهم باعتبارها أرثا لا يجب التخلي عنه.

لكن الولايات المتحدة بلد شاسع تفصله عن غيره حدود برية ومائية ضخمة، وبالتالي ليس هناك دافع قوي ولا أفق كبير لاستخدام لغة ثانية أو ثالثة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption معلمة بمدرسة ابتدائية في أستراليا تدرس مهارات كتابة القصص لطلاب يدرسون الإنجليزية كلغة ثانية

ما الفائدة من تعلم لغة جديدة؟

وتهيمن اللغة الإنجليزية على دوائر الأعمال والتجارة في العالم، كما تسعى بعض الشركات متعددة الجنسيات، كشركة هوندا في اليابان، لجعل الإنجليزية اللغة الرسمية للشركة بحلول 2020، فما الجدوى إذا من تعلم المتحدثين بالإنجليزية ممن يعيشون في الولايات المتحدة لغة أخرى؟

تكمن الإجابة في التغير الذي يطرأ على سوق التوظيف بالولايات المتحدة، فالإلمام بلغة ثانية يزيد فرص العمل - والأمر ينطبق أيضا على المتحدثين الأصليين بالإنجليزية. وخلال العام الماضي، أظهر تقرير نشره اتحاد الاقتصاد الأمريكي الجديد، الذي يضم 500 من رؤساء البلديات ممن تختلف انتماءاتهم الحزبية، أن الإعلانات التي تطلب عاملين يتحدثون لغتين لوظائف في الولايات المتحدة تضاعفت ما بين عامي 2010 و2015.

وعملت بعض الشركات على توسيع نطاق البحث الوظيفي أكثر من غيرها - فثلث الوظائف المطلوبة بمصرف بنك أوف أمريكا عام 2015 اشترطت معرفة لغة ثانية كالإسبانية أو الماندارين أو العربية. ووجد التقرير أن النمو الأسرع في الوظائف التي تشترط لغة ثانية شمل "مناصب عليا" كمديرين ماليين ورؤساء تحرير ومهندسين بقطاعات الصناعة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption درس سائقو الأجرة في بكين عبارات تساعد على التفاهم باللغة الإنجليزية استعدادا للوافدين لأولمبياد 2008

ويقول ديفد لايتفوت أستاذ اللغات بجامعة جورج تاون بواشنطن: "بإمكان المرء تخيل الكثير من الفرص التي ستتوافر للأمريكيين الذين يتعلمون الماندرين، وهناك حاجة ماسة لأن يتعلم الأمريكيون اللغة الصينية لأن قليلين هم من يتحدثون الإنجليزية في الصين".

ولكن رغم الفرص الكثيرة، مازال عدد الأمريكيين الذين يتحدثون لغة جديدة متدنيا، فقد وجدت دراسة نشرها مركز بيو البحثي هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة متأخرة عن أغلب البلدان الأوروبية بفارق واضح فيما يتعلق بتعلم اللغات في المدارس. ووجدت الدراسة أن خُمس الطلاب الأمريكيين فقط يتعلمون لغة أخرى بينما المتوسط بالنسبة للطلاب الأوروبيين يصل إلى 92 بالمئة.

غير أن تعلم لغة إضافية مفيد بخلاف فرص العمل (مصداقا للمثل الذي يقول: كلما تعلمت لغة كلما أصبحت أكثر إنسانية)، فتعلم لغة أخرى له فوائد إدراكية من قبيل المساعدة على التركيز.

ومن أجل تعزيز الشعور بالآخرين، بات من الضروري التخلي عن معرفة لغة واحدة في الولايات المتحدة، فالخبراء يقولون إن الافتقار إلى خبرات حياتية بعينها يزيد سوء الفهم بين المجموعات المختلفة، وتشير أبوت إلى أن المرء حين يزور بلدا غير ناطق بالإنجليزية، وبالأخص لا يستخدم الأبجدية اللاتينية، فإنه يشعر بالعجز الشديد، وبالتالي يشعر بمن هم في مثل هذا الوضع.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لافتة علقت في محل للشطائر في فيلادلفيا عام 2006 كتب عليها "هنا أمريكا، حين تطلب عليك التحدث بالإنجليزية، وإلا فالإدارة تحتفظ بحق الرفض" - قبل إزالتها بعد ما أثارته من جدل

تضيف أبوت: "حين يضجر البائع من شخص لا يفهم اللغة أو لا يعرف كيف يدفع الحساب أو كيف يتلقى الأغراض - وقد كنت في هذا الوضع - فيجب أن يتحلى الجميع بالصبر".

ولكن هناك بيانات تشير إلى أن الأمريكيين لا يكترثون أو لا يستطيعون أن يضعوا أنفسهم في نفس الموقف، فالأمريكيون لا يسافرون خارج الولايات المتحدة كما يسافر مواطنون من بلدان أخرى تتحدث بالإنجليزية، فنسبة من يملكون جوازات سفر من الأمريكيين تزيد قليلا عن 40 بالمئة مقارنة بنسبة 57 بالمائة من الأستراليين. والولايات المتحدة تبعد عن بلدان أخرى كثيرة والسفر إليها مكلف أكثر من سفر البريطانيين إلى بقية أوروبا القريبة منها.

وربما يبدأ الحل من المنزل، وببدء تعلم اللغات الأجنبية في سن مبكرة. وينصح لايتفوت، بتعليم الأطفال اللغات في سن مبكرة حتى يمكنهم تعلمها بسهولة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة