هل سنتمكن يوما ما من وقف الزمن؟

هل سنتمكن يوما ما من تجميد الزمن؟ مصدر الصورة Getty Images

يشكل الوصول إلى ما يُعرف بحالة "الركود" أو "الثبات" على صعيد وضع كائنٍ ما أسلوباً لوقف العمليات الفيزيائية والكيمياوية الجارية فيه، بما في ذلك تلك المرتبطة بالحياة. وقد يمثل هذا وسيلةً تُمَكِّنُنا من إنقاذ أشخاصٍ يعانون من أمراضٍ خطيرة، أو تتيح لنا الفرصة لتسيير رحلاتٍ فضائيةٍ تستمر لفترةٍ طويلةٍ للغاية.

كتب الشاعر الأمريكي ديلمور شوارتز يوماً يقول: "الزمن نيرانٌ نحن نضرمها"، إذ أننا نولد ونحيا ونموت. رغم ذلك فقد بقينا مفتونين على مر التاريخ، بإمكانية الهروب من الزمن ووضعه جانباً، بدءاً من القصص الخيالية مثل "الجمال النائم" وصولاً إلى أفكارٍ مستمدة من عالم الخيال العلمي مثل "مناطق الركود أو الثبات والتجمد" وعملية "الوقف المؤقت لعمل وظائف الجسم الرئيسية".

وفي عام 1971 وضع جوزيف هافّيل وريتشارد كيتنغ أربع ساعاتٍ ذريةً على متن طائراتٍ دارت مرتين حول العالم، أولاهما باتجاه الشرق والأخرى صوب الغرب. بعد ذلك قارنّا الوقت الذي أظهرته تلك الساعات بذاك الذي كان مسجلا من خلال ساعات استرشادية أخرى، ووجدا أن ثمة اختلافاً بين هذه وتلك.

وهكذا أثبتت تجربة هافّيل-كيتنغ أن الوتيرة التي يمضي بها الزمن ظرفيةٌ ومرتبطةٌ بالموقع الذي يكون فيه المرء في وقتٍ ما. وفي هذا الصدد، تقول كيتي ماك، الأستاذ المساعد في جامعة "نورث كارولينا ستَيت": "إذا تحركت بسرعاتٍ فائقة نسبياً، قريبةً لسرعة الضوء مثلاً، أو مررت قرب ثقبٍ أسود (ونجوت بشكلٍ ما من آثاره المدمرة) فسيكون قدر الوقت الذي تقضيه به أقل من ذاك الذي يقضيه الآخرون".

ويشعر رواد الفضاء على متن المحطة الفضائية الدولية بما يُعرف بـ"تمدد الزمن" أو "الإبطاء الزمني"، وذلك في ضوء أن العمر يتقدم بهم بوتيرةٍ أبطأ على نحوٍ طفيفٍ ممن يعيشون على سطح الأرض. وتشرح ماك هذا الأمر بالقول: "إنهم يتحركون بسرعة، ولذا يتأثرون بنمطٍ خاص من النسبية. لكنهم بعيدون أيضاً عن الأرض، وهو ما يجعل تأثرهم بالجاذبية أقل".

رغم ذلك، فإن هذا التمدد أو الإبطاء في الزمن يُقاس بالثواني لا أكثر، فإبطاء الزمن بقدرٍ ملموسٍ أو كبيرٍ يتطلب الحركة بسرعةٍ قريبة من سرعة الضوء، أو وجود مناطق تشتد فيها قوة الجاذبية بدرجةٍ هائلة، وكلاهما لا يمكن إيجاده بشكلٍ مستدامٍ في الوقت الحاضر بأي شكلٍ من الأشكال.

اللافت أن مسلسل الخيال العلمي "ريد دوارف" (القزم الأحمر) يقدم - رغم الطابع الكوميدي الذي يتسم به - نظريةً مثيرةً للاهتمام بشأن مناطق الركود والثبات. فكما يُقال في المسلسل: "لا يستطيع الزمن اختراق حقل ركودٍ أو ثباتٍ وتجمد، تماماً كما تعجز الأشعة السينية /أشعة إكس/ عن المرور عبر الرصاص. ولذا، فرغم أنك تظل موجوداً في واقع الأمر، فستكون غير موجود في الزمن أو بالنسبة للزمن، وبالنسبة لك سيكون الزمن نفسه غير موجود". وقد أدت نظرياتٌ مثل هذه - جنباً إلى جنب مع مصطلحاتٍ تقنيةٍ أخرى مبهمةٍ - إلى أن يكون بوسع شخصية "ليستر" في المسلسل أن يتساءل مُعقباً على كل ذلك بالقول: "بهذه البساطة؟". وعلى الرغم من الصبغة الدرامية التي تتسم بها تلك النظريات، فإنها تبقى مُحفزةً للتفكير.

على أي حال، فبالرغم من أن الزمن قد يكون نسبياً، فإنه يظل أحد الجوانب الجوهرية لواقعنا وحياتنا. ويقول دوغ نايلور أحد كُتّاب "ريد دوارف" بلهجة تشوبها السخرية :"الأشعة السينية والرصاص هي أمرٌ بينما يشكل الزمن وحقول الركود أو الثبات والتجمد أمراً آخر شائكاً على نحوٍ أكبر."

كما أن تغيير مفهوم الزمن أسهل بكثيرٍ من وقفه. وتقول كاتي ماك في هذا الشأن: "يمكن أن يحدث لديك اختلافٌ كبيرٌ حقاً في الطريقة التي تشعر بها بالزمن، لكنه لا يتوقف".

وفي الولايات المتحدة، تعكف وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية والمعروفة باسم "داربا"، على تطوير تقنيةٍ تُعرف باسم "الركود الحيوي"، وذلك لإبطاء تفاعلات الجسم على المستوى الجزيئي. ومن شأن هذه العملية إطالة أمد ما يسمى "الساعة الذهبية"، وهي الفترة التي يتسنى فيها للعسكريين الجرحى البقاء على قيد الحياة لحين تلقيهم الرعاية الطبية اللازمة.

وتستهدف تقنية "الركود الحيوي" هذه، إبطاء السرعة التي تتحرك بها الآليات المرتبطة بالحياة في جسم الإنسان. ويقول تريستان ماكلور-باغلي من القسم الخاص بالتقنيات الحيوية في "داربا" إن تصوره الأصلي للبرنامج كان يتمحور حول قيامه باستكشاف "مجموعةٍ متنوعةٍ من التقنيات المحتملة، التي تتراوح ما بين (تلك المتصلة) بعلم الصيدلة الجزيئية، وكيمياء المواد المُلائمة حيوياً، وبين البروتينات المُخلقة التي تفتقر إلى بنى ثلاثية الأبعاد".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بالرغم من أن الزمن قد يكون نسبياً، فإنه يظل أحد الجوانب الجوهرية لواقعنا وحياتنا

ويمكن أن تشمل فوائد تقنيات "الركود الحيوي" كذلك إطالة مدة صلاحية كميات الدم المُخزّنة وغير ذلك من المستحضرات الدوائية، وذلك عبر إبطاء وتيرة التفاعلات الخاصة بالمواد الكيمياوية الداخلة في تركيبتها. ويقول ماكلور-باغلي إن أحد "التطبيقات المحتملة الملحة لتقنية الركود الحيوي، يتمثل في حفظ وتخزين الجزئيات الحيوية التي تستخدم في العلاج، مثل اللقاحات والأجسام المضادة والإنزيمات. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية لهذا البرنامج في أن نصبح قادرين على أن نحفظ - وبشكلٍ موثوقٍ به - القدرات الوظيفية لهذه المنتجات، دون الحاجة إلى سلسلة التبريد المكلفة والثقيلة" في إشارة إلى تخزين هذه المواد في حالة تجميد.

لكن الانتفاع بتقنيات "الركود الحيوي" يستهدف خدمة حالات الطوارئ الطبية فقط لا الاستخدام بعيد المدى. وفي ضوء ذلك، لا نزال بحاجة للنظر إلى الطبيعة من حولنا لكي نستلهم منها حلولاً أطول أمداً في هذا الصدد.

فلدى بعض الكائنات قدرةٌ على الدخول فيما يُعرف بـ"حالة السبات" التي تتوقف فيها - على ما يبدو - كل عمليات التمثيل الغذائي لديها، مع بقائها حيةً في الوقت نفسه، وهو ما يتيح لها الفرصة لأن تنجو من الهلاك بفعل تجمد أجسادها وتحولها إلى حالةٍ صلبةٍ. وبمقدور حيواناتٍ أخرى مثل الدببة، الدخول في حالة "بيات شتوي"، يتباطأ خلالها معدل عملية التمثيل الغذائي بنسبةٍ كبيرةٍ، قبل أن تستفيق تلك الحيوانات وتعود إلى حالتها الطبيعية بعد شهور.

ويمكن أن يُدخل البشر في هذه الحالة كذلك بالوسائل الطبية، ولكن على مستوى أقل محدوديةٍ بكثير. ففي حالة حدوث سكتاتٍ قلبيةٍ أو إصاباتٍ في المخ، يمكن للأطباء اللجوء إلى أسلوبٍ علاجيٍ يتحكمون من خلاله في درجة حرارة جسم المريض أو المصاب، وذلك بهدف خفضها، ووضع هذا الشخص في حالةٍ يتدنى فيها معدل عملية الأيض أو التمثيل الغذائي لعدة أيام، من أجل إتاحة الجسم الوقت اللازم للتعافي.

وبناءً على هذا الأسلوب العلاجي، يتم حالياً تطوير تقنية تُعرف باسم "توربور" أو (سبات) وذلك لكي يُوضع في تلك الحالة، رواد الفضاء الذين يُفترض إرسالهم من جانب الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء في الولايات المتحدة (ناسا) في مهمةٍ فضائيةٍ إلى كوكب المريخ.

وتشمل هذه التقنية مرحلتين رئيسيتين: أولاهما فترة تبريدٍ أوليةٍ تشهد منح المرء عقاراً للتخدير بهدف وضعه في حالة سكونٍ وسباتٍ، تتبعها مرحلةٌ ثانيةٌ يُجرى خلالها رفع درجة حرارة الشخص أو إفاقته.

وفي هذا السياق، يقول جون برادفورد وهو رئيس شركة "سبيس وورك" ومدير العمليات فيها كذلك إن المرء يُعطى "وهو في الظروف السريرية مخدراً فعالاً بشدة، وتُستخدم أنظمة تبريدٍ تقتضي غرس أدواتٍ طبيةٍ في جسمه، ولكننا نتحرى إمكانية (استخدام) مستحضراتٍ دوائيةٍ جديدةٍ، يمكن أن تُقلص كمية المخدر المطلوبة لإدخالك في هذه الحالة، وتُبسّط عملية التبريد".

وقد تبين أن تقليص درجة حرارة أجسامنا بواقع خمس درجاتٍ مئويةٍ فحسب، يسمح لنا بتقليل الأيض - وهي العمليات الكيمياوية التي تحدث داخل الجسم لإبقائه على قيد الحياة - بنسبة تزيد على 50 في المئة. ويقول برادفورد: "الحيوانات التي تدخل في حالة بياتٍ شتويٍ تعيش لمدةٍ أطول، لذا فهناك عاملٌ يتعلق باستعادة (الكائن الحي) لعافيته. وهكذا فإذا مكثت في هذه الحالة لستة شهور، سيكون هناك قدرٌ من التعافي والاستشفاء (لك ولجسدك بما قد يوازي) ثلاثة أشهر، وذلك بافتراض انخفاض معدل الأيض بنسبة 50 في المئة. ورغم ذلك، لا يشكل هذا الجانب، الحافز الرئيسي بالنسبة لنا، وسيتعين إجراء الكثير من الدراسات الإضافية لتحديد قدر هذا التأثير، إذا كان موجوداً من الأصل".

بجانب ذلك، يمكن للمرضى الذين ينتظرون العثور على من يتبرعون لهم بأعضائهم، الاستفادة من تقنية "توربور" هذه.

وفي الوقت الذي تُبطئ فيه التقنيات المذكورة أعلاه معدل الأيض، يثار تساؤلٌ حول مدى معقولية أفكارٍ مُستقاة من عالم الخيال العلمي مثل أسلوب "الوقف المؤقت لعمل وظائف الجسم الرئيسية". ويشكل "حفظ الخلايا الحية بالتبريد" أو ما يُعرف بـ"العلاج التبريدي" التقنية الأشهر في هذا الصدد. ويتم في إطاره تجميد جسد المريض إلى درجةٍ تصل إلى 190 تحت الصفر مئوية (310 تحت الصفر فهرنهايت)، وذلك بهدف إبقائه على هذا الوضع، إلى أن يتسنى إنعاشه وإعادته إلى حالته الطبيعية في وقتٍ لاحق.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لدى بعض الكائنات الحية مثل الضفادع القدرة على وقف عمليات التمثيل الغذائي الخاصة بها، والبقاء رغم ذلك على قيد الحياة

لكن اتباع أسلوب "العلاج التبريدي" مع شخصٍ ما، يشكل أمراً أكثر تعقيداً بكثير من مجرد تجميده، وهو ما تشرحه فيكتوريا ستيفينز من مؤسسة "كرايونيكس يو كيه" المعنية بهذه التقنية، قائلةً: "ننظف الدم من الداخل ونطهره، ثم نحقن المريض بمحلولٍ" يقيه من عواقب عملية التبريد الشديد.

وتضيف ستيفينز بالقول: "بدلاً من تحويل هذا الشخص إلى حالةٍ صلبةٍ، يحوله ذلك إلى حالةٍ زجاجيةٍ، وهو ما يقلص بهذه الطريقة"، من حساسية الخلايا لظروف الغلاف الجوي وما قد يحدث خلال عمليات الإنعاش والإعادة إلى الحالة الطبيعية.

ولا تُستخدم تقنية "حفظ الخلايا الحية بالتبريد" أو "العلاج التبريدي" سوى بعد توقف القلب. وتتمثل الفكرة من وراء اللجوء إليها في الاحتفاظ بأجساد من يتم اتباع هذا الأسلوب معهم، حتى تُحرز العلوم الطبية تقدماً بشكلٍ كافٍ في المستقبل، بما يسمح بإنعاشهم أو بالأحرى "إحيائهم" ثم معالجتهم. وتقول ستيفينز في هذا الصدد: "لم يتم إحياء أي شخصٍ بعد، نظراً لأننا نفتقر للتقنيات اللازمة لتمكيننا من القيام بذلك. إذا كان قد تسنى لنا ذلك، فربما لم تكن الحاجة قد نشأت إلى القيام بعملية حفظ الخلايا بالتبريد من الأصل".

وعلى الرغم من أن مئات الأشخاص خضعوا بالفعل لذلك الأسلوب العلاجي، فإن ذلك لا ينفي كونه عمليةً تصطبغ بطابعٍ عنيفٍ بشدة. وتقر ستيفينز بأن هذه العملية ما هي إلا "تطورٌ تجريبيٌ بكل معنى الكلمة، لم يصل إلى منتهاه" أو استخلاصاته بعد.

ولعل بوسعنا هنا ذكر واقعةٍ حدثت عام 2001، عَلِقَتْ خلالها الرضيعة إريكا نوردبي (13 شهراً) في الثلوج ودخلت حالةً شبيهةً بـ"السبات" أو "البيات الشتوي" لمدةٍ ناهزت الساعتين قبل أن يتم إنعاشها وإعادتها إلى حالتها الطبيعية بنجاح. وخلال تلك الفترة، توقفت ضربات قلب الرضيعة، وكانت ميتة سريرياً. ومع أن ذلك قد يبعث بعض الأمل في أن يتسنى لنا في يومٍ ما تطوير تقنية "الوقف المؤقت لعمل وظائف الجسم الرئيسية"، فإن تلك الواقعة تظل حادثةً معزولةً لم تُكرر بعد ذلك.

خلاصة القول إنه بالنظر إلى أن الزمن هو جانبٌ جوهريٌ من جوانب واقعنا وحياتنا، فليس بمقدورنا وقفه أو التحكم فيه بقدرٍ يفوق - مثلاً - قدرتنا على السيطرة على أشياء مثل العُمق والعَرْض. وعلاوةً على ذلك، فإن إبطاء الزمن عملياً، سيستلزم توافر متطلباتٍ يتعذر إيجادها حتى الآن، سواء على صعيد كميات الطاقة المطلوبة، أو فيما يتعلق بالقدرة على إجراء عملياتٍ هندسيةٍ معقدةٍ.

فهل يمكن أن تمثل مشروعات الهندسة الحيوية الحل لتحقيق ما يبدو لنا مستحيلاً من الوجهة الظاهرية، بما يسمح في نهاية المطاف بوضع الزمن جانباً والحيلولة دون أن يمر بوتيرته الحقيقية؟

الإجابة كما يقول تريستان ماكلور-باغلي هي "ربما" غير أنه يقول: "لكن لا تبقى ساهراً طوال الليل في انتظار حدوث ذلك".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة