أبنية "صديقة للبيئة" تعد بتوفير ملايين الوظائف مستقبلا

سكوت موران، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم مصدر الصورة Kathryn Whitney /California Academy of Sciences

يتوقع العاملون في قطاع الإنشاءات "الصديق للبيئة" أن يؤدي ازدهار هذا القطاع إلى خلق وظائف ضخمة للملايين في المستقبل القريب.

يقف سكوت موران وسط مجموعة من الزهور ونباتات الصبار، وعناقيد التوت البري، وتتهادى من حوله الفراشات بين زهرة وأخرى، وهو يراقب طائرا يُعلم صغاره الصيد فوق تلك النباتات.

لم يكن موران في متنزه بالريف، بل كان يقف أعلى بناية وسط سان فرانسيسكو، حيث يزاول عمله اليومي، وقد صعد لسطحها أثناء راحة قصيرة وقت الغداء، ولا تغيب عن مسامعه أصوات صخب المدينة التي تحيطه من كل جهة.

يعمل موران في "أكاديمية كاليفورنيا للعلوم" والتي تعلو أبنيتها مساحات خضراء تبلغ فدانين ونصف، تضم أكثر من 1,5 مليون من النباتات والحشرات والطيور. وقد صممت البناية بعناية فائقة لتكون من بين أكثر البنايات الصديقة للبيئة في العالم.

فالألواح الشمسية المنتشرة على أسطحها الحية توفر خمسة في المئة من حاجة ذلك المبنى للطاقة، وثمة نوافذ تنفتح وتنغلق تلقائيا أعلى المبنى لضبط حرارة الجو داخله، بينما يستعان بالإضاءة الطبيعية لإنارته قدر المستطاع.

وخلال 15 عاما، عمل موران في الأكاديمية على تصميم وتركيب النظم الخضراء للبناية قبل التفرغ لاحقا لصيانتها بوصفه مسؤولا عن تلك المعروضات النباتية وعن المعمار الهندسي للمبنى، وهي المسؤولية التي يراها بالغة الأهمية في المستقبل.

يقول موران: "أصبح واضحا ضرورة تصميم البنايات بحيث توفر أقصى قدر مستطاع من الطاقة والماء، فضلا عن تشغيلها على النحو ذاته. ويتطلب هذا الاستعانة بتقنيات معقدة سيكون الطلب على القائمين عليها ضخما في المستقبل".

وتتوقع منظمة العمل الدولية أن يوفر قطاع الأبنية الجديدة الصديقة للبيئة، كالتي يعمل موران فيها، أكثر من 6,5 مليون وظيفة بحلول عام 2030، لتتصدر في العقود المقبلة قطاعات الوظائف البيئية كثاني أسرع القطاعات نموا بعد قطاع الطاقة الصديقة للبيئة مباشرة.

نحو بيئة أفضل

ويتوقع أن تتوافر تلك الوظائف بسبب الحاجة المتنامية لبنايات قادرة على الاضطلاع بتحديات شتى من قبيل الوفاء بالتعهدات الصارمة المتعلقة بالتغير المناخي، ومواكبة ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الماء والتقلبات الجوية الشديدة، وهي من بين مسببات ما بات يعرف بالحركة نحو البناء الأخضر.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعد بناية بوسكو فرتيكالي في ميلانو بإيطاليا من البنايات التي تنبض بالحياة الطبيعية

ويشتمل التحرك على تضافر مجموعة من الجهود المعمارية والهندسية والإنشائية لتأسيس بنايات تستهلك الحد الأدنى من الطاقة وتولد ما أمكنها من كهرباء داخلها، وتعيد تدوير الماء وتدفئة وتبريد نفسها بنفسها دون الحاجة إلى مكيفات الهواء وأجهزة التدفئة المركزية.

وقد غدت التقنيات الجديدة تسهم في إحالة منشآت قديمة للسكن والعمل إلى أماكن مفيدة للبيئة.

وفي عام 2000 لم يزد عدد مشروعات الإنشاء الحديث المصنفة في الولايات المتحدة رسميا كأبنية خضراء عن 41 مشروعا، وهو الرقم الذي قفز العام الماضي لما يربو على 65 ألف مشروع، وهي الزيادة التي تكررت في بقاع أخرى من العالم ومن المتوقع أن تستمر.

وتشير تيري ويلز، المديرة التنفيذية للمجلس العالمي للبناء الأخضر، إلى التزام حكومات العالم بعدم تجاوز ارتفاع حرارة الكوكب أكثر من درجتين مئويتين في إطار اتفاق باريس، وتؤكد أن الأبنية تسهم حاليا "بنحو 38 في المئة من انبعاثات الغازات الدفيئة المتعلقة بالطاقة في العالم، مما يعني عدم التمكن من الوفاء بالتزام الدرجتين المئويتين ما لم تصبح كافة أبنيتنا أكثر حفاظا على البيئة من حيث الإنشاء والتشغيل".

وتتابع: "لقد أصبح الاهتمام ينصب أكثر على قطاع الإنشاءات للوصول إلى كافة الحلول المطلوبة لتلبية الهدف".

وتعد البناية التي تضم المجلس العالمي للبناء الأخضر، الذي تديره ويلز بوسط لندن، نموذجا على الملامح التي قد تعمم في المنازل والمكاتب في المستقبل.

فالعديد من المواد المستخدمة في البناء تم تدويرها أو أتت من مصادر طبيعية كالخشب، في محاولة لخفض انبعاثات الكربون المتولدة عن عملية الإنشاء.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption المقر الرئيسي لدار نشر بلانيتا-دياغوستيني الإسبانية-الإيطالية في برشلونة

وتضاء البناية بشكل خاص يتوافق مع الضوء الطبيعي الداخل عبر النوافذ، فيما تدفأ المياه المستخدمة في حمامات المقر بالطاقة الشمسية.

تقول ويلز: "سيتطلب التغيير خبرات جديدة، من مهندسين يجيدون التعامل مع أنظمة الطاقة المتجددة إلى معماريين يمكنهم الجمع بين جمال التصميم وخفض الانبعاثات لأدنى درجة، أو الاستعانة بمواد تم تدويرها. كما سيلزم الاستعانة بخبراء للتخطيط العمراني يمكنهم ربط وسائل المواصلات العامة بكفاءة، فضلا عن خبراء ماليين لديهم خبرة في التعامل مع الأبنية الخضراء".

ويتوقع زيادة الطلب على مهن معينة أكثر من غيرها، إذ تتوقع الهيئة الأمريكية لإحصاء العمل زيادة بنسبة 105 في المئة في أعمال تركيب الألواح الشمسية بحلول عام 2026، مما يوفر أكثر من 11 ألفا و800 وظيفة في الولايات المتحدة وحدها.

وفي الصين حددت السلطات هدفا طموحا في إطار خطتها الخمسية يلزم حصول 50 في المئة من كافة الإنشاءات الجديدة بالمناطق الحضرية على شهادة خضراء للكفاءة البيئية.

يقول نيكولا ميتر، الخبير الاقتصادي بمنظمة العمل الدولية، إنه سيلزم أيضا إدخال تعديلات على الأبنية القائمة لجعلها أكثر مقاومة للتغيرات المناخية.

ويضيف الخبير الباحث في التداعيات الاقتصادية للبناء الأخضر: "في المملكة المتحدة، ستتوافر عشرون وظيفة مقابل كل استثمار بمليون دولار في البنية القائمة، بينما في الصين سيكون العائد 200 وظيفة، وفي البرازيل 160 وظيفة، وجميعها من التخصصات الماهرة".

ويتابع: "كما سيشهد قطاع الماء العديد من الوظائف الإنشائية مع سعي البلدان للتكيف مع التغير المناخي، ففي الأرجنتين على سبيل المثال ستسفر الخطة المائية القومية للبلاد بامتداد 15 عاما عن توفير 200 ألف وظيفة".

ويعني الطلب المتنامي على الخبرات الخضراء في قطاعات الإنشاء أن الكثير من الشركات ستحتاج باستمرار لفتح أبواب التوظيف دون أن تجد كفايتها.

يقول أليسدر ماكغريغر، المهندس الميكانيكي البارز بشركة أروب للإنشاءات، والذي اضطلع بإنشاء مبنى أكاديمية كاليفورنيا للعلوم: "نجد صعوبة في شغل الوظائف في الجانب الهندسي".

ويضيف: "في الفترة من منتصف وحتى أواخر التسعينيات، كانت هناك طائفة محدودة من ذوي الخبرة في مجال البناء الأخضر في دائرة ضيقة من نحو مئة شخص تناوبوا على حضور المؤتمرات المعنية بالبيئة، ولكن بدءا من عام 2000، اتسعت الدائرة بشكل مطرد، وأصبح الطلب ضخما من جهات رئيسية حكومية وخاصة، حتى أصبح الطلب هائلا على المهندسين المبتكِرين للعمل في مشروعات البناء الأخضر، والأمر نفسه ينطبق على الشركات المعمارية التي نعمل معها".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption حددت السلطات الصينية هدفا طموحا لخطتها الخمسية يلزم حصول 50 في المئة من الإنشاءات الحضرية الجديدة على الشهادة البيئية الخضراء

وتأمل أليس مونكاستر، الخبيرة بالبناء المستدام بالجامعة البريطانية المفتوحة، أن يشجع الطلب على خبرات جديدة في الإنشاء النساء على الاضطلاع بدور أكبر في المجال الذي يفتقر بشكل واضح للتنوع، معربة عن أملها أن تشجع الحاجة لمهارات جديدة النساء على ارتياد الساحة، وإحراز نجاحات في المهن الإنشائية ككل.

كما ستظهر وظائف لم تكن معروفة جراء الطلب على البناء الأخضر، وتتكهن منظمة العمل الدولية بظهور مسميات مثل "مصمم بيئي" لتصميم منتجات أكثر كفاءة بيئيا، وكذلك زيادة الطلب على المتخصصين في كفاءة الطاقة في أماكن مثل الصين والهند حيث النشاط الإنشائي الضخم.

وتضيف ويلز أنه سيطرأ طلب على استشاريين في مجال الحد من الانبعاثات، على سبيل المثال، ممن يمكنهم تقييم الأثر الكربوني لبعض مكونات البناء، والعمل على الحد من ذلك الأثر. وتقول أيضا إن تخصصات بعينها ستخرج من نطاق ضيق إلى أفق واسع.

وتشير ويلز لأحد الجدران المغطاة بالنباتات بمكتبها وتقول إنه يساعد على تنقية الهواء داخل المبنى. وقد بدأت الجدران "الحية" من هذا القبيل تنتشر في أبنية كثيرة حول العالم، منها بناية "وان سنترال بارك" في سيدني بأستراليا، والتي تتباهى بـ"أطول حديقة رأسية" في العالم، بينما يضم سطح مقر شركة غوغل الجديد في لندن حديقة خضراء ضخمة.

كذلك يتوقع موران أن تتطلب الأبنية الخضراء مهارات لم يعهدها قطاع الإنشاءات، ويقول إن العناية بسطح أخضر تتطلب نوعية مختلفة من المهارات بخلاف البناء العادي، تشمل "فهما للبيئة ولاتجاه أشعة الشمس وحركة الريح وأثرها على الأحياء".

ويقول موران: "بنايتنا بكاملها تخضع لنظام كمبيوتر مركزي يتيح التجول في كافة أنحائها بجهاز آي-باد، وإدخال تعديلات بمجرد النقر على الشاشة. إنها خاصية ستشهدها أبنية المستقبل بشكل عام".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة