كيف يُشجع العلماء الحيتان على التزاوج؟

كيف يمكن أن نقنع الحيتان بالتزاوج لحمايتها من خطر الإنقراض؟ مصدر الصورة Peter Chadwick/Getty

تفاقمت المحنة التي تواجهها الحيتان من نوع "حوت شمال الأطلسي الصائب"، والتي لم يعد عددها يتجاوز 450 حوتاً، خلال الفترة الماضية.

كان عام 2017 عاماً كارثياً بالنسبة للحيتان من نوع "حوت شمال الأطلسي الصائب"، إذ سُجِلّ خلاله نفوق 17 منها. والأسوأ من ذلك أنه لم يُر أي حوتٍ حديث الولادة من هذا النوع منذ ذاك الحين.

وقد أدى هذا إلى إصابة العلماء المتخصصين في دراسة تلك الكائنات بالقلق، وأثير تساؤلٌ حول ما يمكن أن يقوم به الباحثون لتشجيع تلك الحيتان على التناسل من جديد.

وكان هذا الأمر يمثل أهمية خاصة بالنسبة لمويرا براون، الباحثة في مركز أندرسون كابوت المتخصص في شؤون الحياة في المحيطات، وهي مؤسسةٌ للأحياء المائية في نيو إنغلاند بالولايات المتحدة.

وتقول براون إن انثيين من إناث الحيتان البالغة، من تلك التي نفقت العام الماضي، كانتا على وشك الوصول إلى سن الإنجاب. ونتيجة لذلك، أصبح عدد الإناث البالغة المتبقية من هذا النوع يصل لنحو مئة أنثى فقط.

وتقول براون إن مستقبل هذا النوع من الكائنات بات يعتمد على هذا العدد فقط، وهو ليس بالعدد الكبير، مشيرة إلى أن الأمور يمكن أن تمضي على نحو سيء بسرعة كبيرة.

ومن بين الأمثلة التي تؤكد ذلك ما حدث للدلافين من نوع "الفاكويتا" المنتمي لرتبة الحيتان والمعرض لخطر الانقراض بشدة. فقد كان عدد الدلافين من هذا النوع يصل إلى 600 قبل نحو 20 عاماً، لكن لم يتبق منها الآن سوى 30.

ومن المعروف جيداً أن قلة عدد الحيوانات المنتمية لأيٍ من أنواع الثدييات البحرية تجعل النوع كله مُعرضاً للخطر. ولهذا تشير تقديرات بعض العلماء إلى أن "حوت شمال الأطلسي الصائب"، سينقرض خلال فترةٍ لا تتجاوز 23 عاماً ما لم تتحسن فرصه في البقاء.

وعادةً ما تتكاثر الحيتان في المياه الواقعة قبالة الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة، القريب من ولايتيْ فلوريدا وجورجيا، رغم أنها تتغذى في أماكن أخرى.

كما تتغير الأماكن التي تفضل هذه الحيتان التردد عليها، من وقتٍ لآخر، فخلال العام الماضي - على سبيل المثال - شوهد عددٌ أكبر من المتوقع منها، في خليج سانت لورانس بكندا.

وقد تواترت الكثير من التقارير بشأن وقوع حوادث عَلِقَتْ فيها حيتانٌ من نوع "حوت شمال الأطلسي الصائب" في معدات الصيد في هذه المنطقة، ما أدى في بعض الأحيان إلى نفوق عددٍ منها. لكن حتى الحوادث التي لم تفض إلى نتائج مميتةٍ، كان من الممكن أن تؤثر بشكلٍ كبيرٍ على قدرة الحيتان المتضررة منها على التكاثر.

مصدر الصورة Magnus Larsson/iStock/Getty
Image caption رغم أن البعض ربما لا يجد مشكلة في وجود عددٍ محدودٍ من حبال الصيد، فإن هذه الحبال ثقيلةٌ وصلبةٌ ويمكن أن تسبب مشكلاتٍ لا يُستهان بها في الحركة للمخلوقات البحرية

ورغم أن وجود عددٍ محدودٍ من حبال الصيد ربما لا يبدو مشكلةً بالنسبة للبعض، فإن هذه الحبال تمثل في واقع الأمر قطعاً ثقيلةً وصلبةً على نحوٍ مفاجئٍ. وعندما تلتف حول جسد الحوت، تُسبب له مشكلاتٍ لا يُستهان بها في الحركة، وتزيد معدلات الاحتكاك خلال سباحته في الماء.

وفي الآونة الأخيرة، عكف منقذو الحيتان على محاولة تخليص أنثى حوتٍ من نوع "حوت شمال الأطلسي الصائب" يُطلق عليها اسم "كلينيكس"، ظلت عالقةً في معدات الصيد لنحو أربع سنواتٍ على الأقل.

يقول مايكل مور، باحث في معهد وودز هول لعلوم المحيطات وسبق له أن درس التأثيرات بعيدة المدى لمثل هذه الحوادث: "ما الذي يمكن أن تتخلى عنه أنثى حوت من نوع 'حوت شمال الأطلسي الصائب ' عندما تكون طاقتها تنفد منها؟ الإجابة هنا هي أنها تتجنب الحمل".

وبشكلٍ عام، يتفق مور وباحثون آخرون في مجال الحيتان على أن الدفعة الأهم التي يمكن أن يمنحها العلماء لـ "حوت شمال الأطلسي الصائب" تتمثل في تقليل فرص وقوع حيتان هذا النوع في شِراك معدات الصيد، وإبعادها من طريقها، والأمل في أن يكون لدى تلك الحيتان طاقةٌ كافيةٌ للتكاثر.

وقد أعلنت الحكومة الكندية مؤخراً إجراءاتٍ خاصةً في هذا السياق، بما في ذلك بدء موسم صيد سلطعون الثلوج وإنهاءه في وقتٍ مبكرٍ عما هو معتاد، خلال العام الجاري. فغالباً ما تتصل الشِراك المستخدمة لاصطياد هذا النوع من السلطعون، بحبالٍ تربطها بعواماتٍ تطفو على سطح الماء. ويؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى تكوين عمودٍ طويلٍ من الحبال في المياه قد تَعْلَق فيه الحيتان.

ومن بين الأفكار المطروحة لتجنيب الحيتان هذا الخطر، كما يقول فيل هاميلتون الباحث في مركز أندرسون كابوت، استخدام حبالٍ قابلة للانقطاع عند تعرضها لقدرٍ معينٍ من الضغوط.

ويقول هاميلتون: "يقومون في الأساس بقطع الحبل ويضعون معدن على كل طرفٍ من الأطراف المُصممة لكي تنقطع عند مستوى 1700 رطل من الضغط."

وقد أفادت دراسةٌ أعدها زملاءٌ لهاميلتون بأن اللجوء لمثل هذا الأسلوب يمكن أن يقلل من الحوادث التي تَعْلَق فيها الحيتان وسط معدات الصيد على نحوٍ يهدد حياتها بنسبةٍ تصل إلى 72 في المئة.

وهناك خيارٌ آخر يتمثل في استخدام معدات صيدٍ يمكن أن ترتفع إلى سطح المياه دون الحاجة إلى حبالٍ لسحبها. ويتعاون معهد وودز هول لعلوم المحيطات ومركز أندرسون كابوت في العمل على هذه الفكرة معاً.

مصدر الصورة Kerstin Meyer/Getty
Image caption ربما يشكل تقليص نسبة التلوث في المحيطات لتجنيب الحيتان خطر أن تَعْلَق في معدات الصيد وشباكه أسلوباً لزيادة معدلات التكاثر بين حيتان نوع "حوت شمال الأطلسي الصائب"

ولكن هل بوسع الإنسان القيام بأي تدخلاتٍ أخرى من شأنها تشجيع التكاثر بين الحيتان المنتمية لهذا النوع؟

يرى كل من مور وهاميلتون وبراون أنه لا يمكن القيام بذلك، لأننا نتحدث عن ثديياتٍ بحريةٍ ضخمةٍ تتحرك في مساحاتٍ واسعةٍ للغاية، ولا توجد طريقةٌ مفيدةٌ وواضحةٌ يمكن للبشر من خلالها التدخل في حياة تلك الكائنات على صعيد معدلات تكاثرها.

وعلاوة على ذلك، فإن الإقدام على أي شيءٍ من قبيل السعي لزيادة الموارد الغذائية للحيتان بشكل اصطناعي لا طبيعي سيكون مُكلفاً على نحوٍ هائلٍ، في ضوء أن لهذه الحيتان شهيةً كبيرةً.

ويقول مور إنه ربما يكون من الأفضل من حيث التكلفة إزالة الحبال من المياه في المناطق التي تتجمع فيها الحيتان.

لكن هاميلتون يشير إلى أن الحيتان تتعرض في أغلب الأحيان لضغوطٍ وتوتراتٍ وإرهاقٍ بسبب الضوضاء المُفرطة في المحيطات، والتي تنشأ في الأساس من عمليات الشحن أو الأنشطة ذات الطابع الصناعي.

وبالتالي، فإذا نجحنا في خفض مستويات الضوضاء فقد يكون لذلك تأثيرٌ إيجابيٌ على صعيد تشجيع تلك الثدييات على التكاثر، رغم أن ذلك ليس أمراً مُسلماً به.

لكن يمكن القول بإنه لا يزال هناك أملٌ في ازدياد عدد الحيتان المُنتمية لنوع "حوت شمال الأطلسي الصائب".

وتقول براون إن عدد هذه الحيتان في بعض المراحل وصل إلى مستوى أقل مما هو عليه اليوم، وزاد لكي يصل إلى معدله الحالي.

ففي عام 1990 كان عدد الحيتان المعروف انتماؤها لذلك النوع قد وصل نحو 270 حوتاً فقط، لكن هذا العدد ارتفع على مدار الأعوام العشرين التالية، بل وتحمل ذلك النوع فتراتٍ كانت فيها معدلات التكاثر منخفضةً للغاية، ففي عام 2000 لم يُرصد سوى حوتٍ وليدٍ واحدٍ فقط، بينما شهد العام التالي لذلك مباشرةً ولادة 31 حوتاً، وهو ما يشير إلى الطابع غير المتوقع لما يحدث على الإطلاق.

ويقول هاميلتون إن هناك فرصةً محدودةً لأن يكون هناك حوتٌ أو اثنان قد وُلِدا خلال الشهور القليلة الماضية في مناطق ولادة غير معروفةٍ أو معتادة.

ويشير إلى أنه لا يزال الأمل يحدوه بشكلٍ شخصي في أن يتم رصد مولود أو اثنين خلال الربيع أو الصيف المقبليْن.

أما براون فتقول إن هناك أسباباً متعددةً ومتنوعةً تجعلنا نعتقد أن الإجراءات المفيدة التي نتخذها في الوقت الراهن يمكن أن تحقق هدفها المنشود في المستقبل، وذلك بالنظر إلى تذبذب عدد حيتان هذا النوع على مدى تاريخه.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Earth

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة