كيف تخطط بريطانيا لوقف استخدام الفحم في محطات توليد الطاقة؟

كيف ستعمل محطات توليد الطاقة بعد التوقف عن استخدام الفحم؟ مصدر الصورة Chris Baraniuk

مر القطار الذي كنت أستقله لزيارة آخر الأماكن التي توقد الفحم لتوليد الكهرباء في بريطانيا بثلاث محطات شمسية، كما مر بمحطة لتوليد الطاقة بالفحم يطلق عليها اسم "إيغبرو" والتي مازالت على حالها لكنها لا تعمل.

لكن المحطة التي أزورها مختلفة، ويطلق عليها اسم "دراكس"، نسبة للقرية المجاورة، وهي أكبر محطة لتوليد الطاقة في أوروبا الغربية. وبحلول عام 2023 يخطط مالكوها لوقف استخدام الفحم كوقود كليا، والاستعاضة عنه بالغاز الطبيعي والوقود الحيوي.

ويضع الاتحاد الأوروبي نصب عينيه هدفاً رئيسياً يتمثل في خفض التلوث خلال العقود القادمة. وتنوي العديد من الدول الساعية إلى الالتزام بهذا الهدف، إلى إغلاق محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم. وفي المملكة المتحدة تخطط الحكومة لوقف استخدام الفحم في توليد الكهرباء بحلول عام 2025.

ويتكشف النقاب عن قصص مشابهة في مناطق أخرى في العالم، فكثير من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تبتعد عن استخدام الفحم في وقت تصبح فيه أنواع وقود أخرى أرخص ثمناً، فضلاً عن كساد مادة الفحم في أسواق المال العالمية بسبب الإجراءات التي تتخذ لحماية البيئة والمحافظة عليها من التلوث. لكن ذلك يطرح تساؤلاً هاما: ماذا نفعل بكل هذه المحطات القديمة لتوليد الطاقة؟

وعلى مدى القرن الماضي، لعبت تلك المنشآت دوراً كبيراً في السوق العالمية للطاقة. وهذه المحطات مرتبطة بشكل وثيق بشبكات الكهرباء، الأمر الذي يعني ببساطة أن وقفها ربما لا يكون من الذكاء في شيء. لكن كثيرين، بما في ذلك مسؤولي محطة دراكس، يصرون على أن هناك سبيلاً آخر.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يمكن لاستخدام الطاقة البديلة "بايوماس" أن يخفض من انبعاثات الكربون إذا تم استبدال الأشجار المقطوعة بشتلات جديدة يمكنها امتصاص ثاني أكسيد الكربون

وسرعان ما يتبدى للزائر حجم محطة دراكس لتوليد الكهرباء، فعلى جانبي المباني الضخمة التي تضم التوربينات والغلايات تنتصب ستة أبراج تبريد لونها بني فاتح، ويتعالى البخار الأبيض نحو عنان السماء. وفي وسط مجمع المباني تنتصب مدخنة ارتفاعها 259 متراً. وخلف المنشأة توجد كومة هائلة من الفحم، لكن العاملين أخبروني أن هذه الكمية أقل مما كانت عليه في الماضي.

وقد تُرك الفحم هنا حتى يتم إحضاره إلى محطة الطاقة على أحزمة ناقلة، ومن ثم يتم طحنه وحرقه في درجة حرارة مرتفعة للغاية. ويتولى الفرن تسخين المياه، محولاً إياها إلى بخار يندفع خلال نظام معقد من الأنابيب ويؤدي إلى دوران التوربينات بمعدل ثابت قدره 3000 دورة في الدقيقة. إنها طريقة سهلة لإنتاج الكهرباء، لكنها أيضاً طريقة ملوثة للبيئة.

تحول الطاقة

ويعد هذا أحد أهم الأسباب التي تجعل أيام الفحم معدودة. وفي أبريل/نيسان الماضي، عاشت بريطانيا ثلاثة أيام كاملة بكهرباء غير مولدة عن طريق الفحم. ويعني هذا أنه منذ بداية عام 2018، تمكنت البلاد من أن تعيش ما مجموعه 1000 ساعة دون الاعتماد على الطاقة المولدة من الفحم، وهو ما يزيد عن المدة السابقة في العام الماضي.

يقول ماثيو غراي، الذي يعمل في مؤسسة "كاربون تراكر" للدراسات والأبحاث: "في 2012، كان توليد الكهرباء من الفحم يشكل 45 في المئة من مجموع الطاقة، أما اليوم فالكمية ضئيلة للغاية".

ومن وجهة نظر مشغلي المحطة، فإن استبدال الفحم ليس عملية سهلة على الإطلاق، لأن الفحم أقل ضرراً بكثير من استخدام الطاقة الحيوية "بايوماس"، كما يقول المدير التنفيذي لـ "كاربون تراكر"، أندي كوس.

وقال كوس إن استخدام البايوماس "يؤدي إلى انسداد الأجهزة"، مشيرا إلى أن التجارب السابقة في نقل البايوماس على ناقلات الفحم أدت إلى تفتت القطع والتسبب في إثارة الغبار.

وينبغي أيضاً المحافظة على البايوماس جافاً طوال الوقت، حتى لا يتحول إلى مزيج آخر عديم الفائدة، كما أنه عرضة للاشتعال، إذ أنه يتأكسد ببطء، ولهذا ينبغي تفقد أكوام منه لمعرفة درجة حرارتها باستمرار.

وقد أنفقت محطة دراكس 700 مليون جنيه استرليني لكي تتحول من استخدام الفحم إلى استخدام الأخشاب ولضمان التعامل مع (بايوماس) برفق وفي ممرات لا يصل إليها المطر داخل المحطة.

كما استثمرت محطة الطاقة أيضاً في تشييد أربع قباب مستديرة، ارتفاع كل منها 50 متراً لتخزين الأخشاب في ذات الموقع. ويصل في كل يوم 16 قطار مغطى ليفرغ المزيد من قطع الخشب لضمان توفر واستمرار إمدادات المحطة من الخشب. وتمر العربات داخل مكان مغطى وتفتح آلياً أثناء سيرها فوق نتوءات حديدية مثبتة في الأرضية، ثم تُسقط قطع الخشب في تجويف سفلي قبل أن تؤخذ إلى القباب للتخزين المؤقت.

مصدر الصورة Chris Baraniuk
Image caption تحويل محطة طاقة دراكس من الفحم إلى الأخشاب تكلف 700 مليون جنه استرليني

وتعكف محطة دراكس على إعادة إطلاق نفسها كواجهة إعلانية لما يمكن أن يُصنع بمحطة فحم قديمة، وهناك إرادة كبيرة وأموال كافية لتحقيق وإنجاز هذا التحول. وقد تحول الكثير من محطات الفحم الصغيرة في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، إلى الاعتماد على الغاز بدلاً من الفحم، وتكون تكلفة هذا الأمر أقل من الاعتماد على (بايوماس).

وتسعى محطة دراكس لتشيد بطاريات ضخمة في الموقع بغية تخزين الكهرباء للأوقات التي تكون فيها الشبكة بأمس الحاجة إليها. وهناك مشروعات أخرى مشابهة في مناطق أخرى حول العالم، فهناك شركة كندية تسمى "هيدروستور" قامت بتصميم برنامج لتحويل محطات الفحم القديمة إلى بطاريات هواء مضغوط. ويمكن إطلاق الهواء لدفع توربينات المحطة للعودة للعمل عندما تكون هناك حاجة للكهرباء.

وهناك أفكار أخرى لإعادة استخدام منشآت حرق الفحم القديمة. ففي عام 2016، أعلنت الصين أن لديها خططاً لتحويل بعض محطات الفحم فيها إلى محطات طاقة نووية، رغم أنه لا توجد أخبار كافية عن هذه الخطط منذ ذلك الوقت.

ولا يعتبر دراكس المشروع الوحيد في العالم الذي تحول من استخدام الفحم إلى استخدام الأخشاب، حتى وإن كان الأكبر في هذا الصدد. ففي الدنمارك، من المقرر أن يتم تحويل محطة طاقة بالفحم إلى محطة تعمل بالأخشاب بنسبة مئة في المئة.

وما زال الفحم يستخدم في بعض الأماكن. ورغم إغلاق الصين لأكثر من 100 محطة تعمل بالفحم، إلا أنها مازالت تعتمد بصورة كبيرة على الفحم في حاجتها إلى الكهرباء. كما قررت ألمانيا إغلاق جميع محطات الطاقة النووية لديها، وتحصل حالياً على أكثر من خمس طاقتها من الفحم، بما في ذلك الليغنيت، وهو نوع من الفحم يسبب قدرا أكبر من التلوث.

وشككت بعض الأسواق في أهمية الفحم، لكنها سرعان ما عادت إليه. فبالعودة إلى عام 2015، قامت حكومة ولاية نيوساوث ويلز في أستراليا ببيع محطة طاقة ضخمة تعمل بالفحم مقابل مليون دولار أسترالي، وهو مبلغ زهيد بالطبع. وفي ذلك الوقت، ظن السياسيون أن المنشأة ستغلق في غضون 10 سنوات لكن أسعار الكهرباء ارتفعت بشكل كبير. والآن تقدر قيمة المحطة بـ 730 مليون دولار أسترالي (415 مليون استرليني) وليس لدى ملاكها الجدد أي خطط لإغلاقها في أي وقت قريب.

مع ذلك، لم يكن الأمر مربحا دائما فيما يتعلق بالاستثمار في الفحم. ففي بولندا، تقوم شركة الطاقة العملاقة "بي جي إي" بالإستثمار بكثافة في البنية التحتية القديمة للفحم، على أمل المحافظة على استمرار وحدات الفحم في الاحتراق لسنوات طويلة قادمة. لكن ذلك يتكلف مئات الملايين من الدولارات في وقت تتهاوى فيه أسعار الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يمكن أن يستغرق الأمر سنوات حتى تبدأ الأشجار التي تغرس حديثاً في امتصاص كمية من الكربون تساوي الكمية التي تنتج عن احتراق الأخشاب

ومن الإنصاف أيضاً التساؤل إلى أي مدى تعتبر خيارات تحويل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم صديقة للبيئة.

ورغم أن الأخشاب تطلق الكربون عند احتراقها، إلا أنها توصف بأنها صديقة للبيئة لأن الأشجار التي تقطع للحصول عليها يمكن أن تستبدل مع مرور الوقت، وبهذا يتم امتصاص الكربون في وقت لاحق. لكن لا يوجد اتفاق على أن هذا يجعل (بايوماس) خالياً من الكربون. ويشير تقرير دراكس السنوي إلى أن (بايوماس) ينبعث منه ثاني أكسيد كربون لكل وحدة يتم توليدها من الكهرباء أكثر مما ينبعث من الفحم، وهو ما يعتبر مشكلة حقيقية لهذا النوع من الوقود.

ويقول أحد المسؤولين في دراكس متجاوباً مع الدعوات المؤيدة لاستخدام الأخشاب إن ذلك يتم تعويضه بتجديد الغابات التي توفر الأخشاب في المقام الأول. وتقول محطة دراكس أيضاً إنه بعد إجراء عملية حسابية لتجديد الغابات وانبعاثات الغاز من سلسلة التزويد، فإن استخدام الأخشاب (بايوماس) يعني انخفاض كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعث بنسبة 80 بالمئة عما لو كان الفحم هو المستخدم في توليد الكهرباء.

لكن الأشجار الجديدة تحتاج إلى عشرات السنوات لكي تنمو. وبالتالي فإن قدرة غابات العالم على إعادة امتصاص ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء تسوء ولا تتحسن.

يقول كوس: "أوافق على أن ذلك شيء سيء". لكن فيما يتعلق بقطع الغابات، يرى كوس أن "ذلك يحدث في مناطق خارج المناطق التي نحضر أخشابنا منها. وليس لنا علاقة بذلك على الإطلاق".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption من أجل توليد الكهرباء من الأخشاب، يتم طحن قطع الخشب إلى أن تصبح مسحوقاً، ومن ثم توضع في المحرقة

ويشير بعض الخبراء إلى أننا نحتاج إلى خفض مستوى الانبعاثات الآن، وليس بعد عشر سنوات أو عقود تحتاجها الأشجار الجديدة لكي تنمو.

وتأمل محطة دراكس أن تخفف كمية الانبعاثات الصادرة عنها بطريقة أخرى، وهي باستخدام تقنية يطلق عليها اسم "تخزين الطاقة الحيوية الحابسة للكربون"، بحيث يتم تمرير الغازات المنبعثة من الخشب المحترق في المحطة من خلال مذيبات تعمل على التقاط ثاني أكسيد كربون قبل أن يدخل إلى الغلاف الجوي. ويمكن استرداد هذا الغاز، وهكذا يمكن استخدام المذيب لالتقاط الغاز مرة تلو أخرى. إنها طريقة ذكية وعملية من الناحية التجارية، كما بدا من استخدامها في موقع أو موقعين قبل ذلك. لكن دراكس تقوم باختبار نسخة جديدة من هذه التقنية.

ومن الواضح أن الحياة لن تتوقف بتوقف استخدام الفحم. لكن إذا كنا نريد تحقيق الاستفادة القصوى من هذه المحطات القديمة، فإننا نحتاج إلى أن نتحلى بالذكاء والحرص على البيئة وأن نكون مستعدين لتحمل تكلفة النتائج.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة