كيف يتعرض البدناء للتمييز عند التسوق؟

متسوقون أمام أحد المتاجر مصدر الصورة Getty Images

قد يمتد تأثير التحيز ضد الآخرين وفقا لوزن أجسامهم إلى جوانب أخرى عديدة وغير متوقعة في حياتنا اليومية، منها مثلا شكل السلع التي يعرضها البائعون على الزبائن، سواء كانت ساعات أو زجاجات عطور.

كثيرا ما يتعرض البدناء للتمييز بمختلف أشكاله، ففي مجال العمل، أشارت دراسة إلى أن فرص البدناء في تلقي عروض وظيفية تقل عن فرص نظرائهم من أصحاب الوزن المعتدل، وفيما يتعلق بالحياة اليومية، أشارت دراسة أخرى إلى أن المجتمع يلصق صفات الكسل وفتور الهمة بأصحاب الوزن الزائد، بناء على أحكام وتحيزات مسبقة لا مبرر لها.

وأشارت دراسة أخرى أيضا إلى أن الموظفين في المتاجر ينزعون إلى تجنب النظر إلى البدناء مباشرة أو التبسم في وجوههم.

ونشرت دورية "علم نفس المستهلك" دراسة أجراها باحثون تحت ستار من السرية، وخلصت إلى أن التحيز على أساس الوزن يؤثر على اختيار البائعين لأبعاد السلع التي ينصحون الزبائن بشرائها، إذ يختار الموظف بالمتجر عادة السلع المستديرة للزبائن الأكثر بدانة.

وفي إطار هذه الدراسة، توجهت ممثلة تتمتع بوزن صحي، وفقا لمؤشر كتلة الجسم، إلى إحدى متاجر الساعات والعطور، وعرض عليها البائعون مجموعة من السلع، وكان يراقبهم باحثان متنكران دون علم البائعين، وسجلا أشكال السلع التي نصحها البائعون بشرائها، ومدى استدارتها أو استطالتها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عندما بدت الزبونة المتنكرة أكثر بدانة، نصحها البائعون بشراء ساعات أكثر استدارة

ثم عادت الممثلة مرة أخرى إلى المتجر، ولكنها في هذه المرة أضافت بعض المؤثرات الخاصة لتبدو سمينة، وارتدت نفس الملابس ولكن بمقاسات أكبر، إذ كانت ترتدي قميصا أزرق قصير الكمين تحته قميص أبيض طويل الكمين، وسروالا من الجينز وتنتعل حذاء بلاستيكيا. وتابع الباحثان سلوك البائعين بالمتجر.

وجمع الباحثان عدد المرات التي عرض عليها البائعون فيها سلعا، وكانت إجمالا 37 مرة، ونصحها البائعون في كل مرة بشراء نحو ثلاث ساعات أو زجاجات عطور. وبتحليل النتائج، اكتشف الباحثان أن البائعين كانوا يعرضون على الممثلة عندما بدت أكثر بدانة، ساعات وزجاجات عطور أكثر استدارة.

وتقول بيث فالين، باحثة بجامعة فيلانوفا بالولايات المتحدة الأمريكية: "نحن نرى أن هذه التحيزات الضمنية التي أدت إلى هذه الآثار لها أسباب أعمق بكثير من التشابه بين أبعاد جسم المستهلك وشكل السلعة".

وقد أجريت تجارب أخرى عبر الإنترنت لم يكن المشاركون فيها بائعين في متاجر، ولكن نتائجها أكدت التحيزات التي رصدتها فالين وزملاؤها في دراستهم داخل المتاجر. إذ عُرضت على المشاركين صور لزبائن بدناء أو نحفاء وطُلب منهم أن يختاروا لكل زبون من الزبائن سلعة من بين مجموعة من السلع كان نصفها مستديرا ونصفها الآخر مستطيلا.

وتقول فالين: "أردنا بذلك أن نوضح أن هذا التحيز يعكس الآراء والأحكام المسبقة التي يتبناها جميع الناس وليس البائعون في المتاجر فقط".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لم يختر المشاركون في الدراسة للبدناء ساعات مستديرة فحسب، بل اختاروا لهم أيضا مرايا ومصابيح وشموعا مستديرة الشكل

وجاءت نتائج هذه التجارب مطابقة لنتائج الدراسات السابقة، ولكن الأمر لم يقتصر هذه المرة على الساعات المستديرة، إذ اختار المشاركون للبدناء مرايا ومصابيح وشموع كلها كانت مستديرة الشكل، ولم يختلف الأمر سواء كان الزبون المحتمل ذكرا أم أنثى.

ويرى الباحثون أن هذا التحيز لا ينحصر في الرغبة في التوفيق بين نوع الجسم وشكل المنتج الأقرب شبها به، بل إن مرده تأثير الصور النمطية التي ارتبطت في الأذهان بالمنتج والزبائن على القرارات التي نتخذها.

وتعد صفات مثل خفة الظل والود من بين السمات التي طالما وُسم بها البدناء، وخلصت دراسة إلى أن الأشكال المستديرة أكثر ألفة مقارنة بالأشكال ذات الزوايا الحادة.

وأجرى الباحثون تجارب أخرى لمعرفة مدى تأثير هذه الصورة النمطية في اختيار السلع للزبائن، وكان الممثلون في هذه التجارب يتعاملون ببشاشة أحيانا وبفظاظة أحيانا أخرى.

ولاحظ الباحثون أن البائعين كانوا يعرضون على هؤلاء الممثلين سلعا أكثر استدارة عندما كانوا مبتسمين، وسلعا أكثر استطالة عندما كانوا متجهمين، ولم تؤثر هذه المرة نحافة الزبائن أو بدانتهم في نتائج الدراسة.

وتقول فالين: "لم نجد أي دليل بعد يثبت أن البدناء يفضلون السلع المستديرة أو أن الأشخاص أصحاب الوزن المعتدل يفضلون السلع المستطيلة".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عزا باحثون الربط بين أصحاب الوزن الزائد وبين الأشكال المستديرة إلى أن البدناء يوصفون عادة بأنهم أكثر بشاشة، وفي الوقت نفسه تعد الأشكال المستديرة أكثر ألفة

وبسبب هذا التحيز الضمني يُنصح الزبائن دائما بشراء سلع لا تروق لهم أو تُحجب عنهم السلع التي قد تناسب أذواقهم ويرغبون في شرائها.

وتقول فالين، إن ثمة أشكالا مشابهة من التحامل والتحيز تؤثر على الاختيارات والقرارات في مجالات أخرى غير التسوق.

وتضيف: "ثمة عوامل أخرى قد تجعلنا نربط لاشعوريا بين بعض الأشخاص وبين الأشياء التي نختارها لهم، أو المهام التي نسندها إليهم، منها مثلا التمييز على أساس النوع أو العرق، أو غير ذلك من أشكال التعميم والأحكام المسبقة المبنية على دلالات مادية، مثل قسمات الوجه، كالأشخاص ذوي الوجوه الطفولية".

وتقترح فالين للقضاء على هذه المشكلة تدريب البائعين في المتاجر على تجاوز هذه التحيزات والبحث عما يفضله الزبون بالفعل، بدلا من اتخاذ قرارات متسرعة مبنية على افتراضات خاطئة، مثل وزن الجسم.

وبالرغم من أن هذه النتائج تكشف لنا عن أحد الانعكاسات السلبية الأقل ضررا للتحيز على أساس الوزن، إذ لن يتأثر الشخص البدين كثيرا إن اشترى مصباحا مدببا أو مستديرا أكثر مما يفضل، إلا أنها تسلط الضوء على مدى تأثير التمييز على أساس وزن الجسم في أبسط قراراتنا اليومية.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة