كيف تترك لغة العيون انطباعا قويا عن شخصيتك؟

سيدة تركز النظر أمامها وهي تشرب فنجانا من الشاي مصدر الصورة Getty Images

لا بد أنك خبرت يوما التقت فيه عيناك بعيني شخص آخر في غرفة تعج بآخرين، وبدا الأمر أشبه بالأفلام، فالعالم كله كأنه اختفى من حولك، ولوهلة التقت الأفئدة وأدركتما أنكما تتبادلان النظر العين في العين.

بالطبع ليس لقاء العيون دائما بهذا الشغف، بل كثيرا ما تنطوي المحادثات العادية على حديث بالأعين، ومع ذلك يمثل تبادل الأنظار دائما ركنا مهما في التواصل، فنحن نخرج بافتراضات حول شخصية الآخرين بناء على عدد المرات التي تلتقي فيها عيونهم بعيوننا، أو يشيحون بأنظارهم بعيدا عنا أثناء الحديث. وحين نلتقي أناسا في الشارع أو مكان عام، قد نشعر بغضاضة إن لم يبادلونا النظر.

نحن نعرف ما سبق من خبراتنا اليومية، ولكن علماء النفس والأعصاب عكفوا على دراسة لغة العيون لعقود، وما توصلوا إليه من نتائج مدهشة يلقي المزيد من الضوء على أثر النظرات وكيف تعبر عن النفس، وكيف يغير النظر في أعين الآخرين من نظرتنا لهم، ونظرتهم لنا.

على سبيل المثال، توصلت دراسات عديدة إلى أن النظر مباشرة في العين يلفت الانتباه أكثر ولمدة أطول، ويجعلنا أقل إدراكا لما يجري حولنا، كما أن التقاء النظر بشكل شبه فوري يُحدث مجموعة من العمليات في الدماغ، إذ ندرك أننا بصدد ذهن شخص آخر ينظر إلينا مليا، ونتيجة لذلك نصبح أكثر وعيا بحضور هذا الشخص بذهنه ونظره، وبالمثل نصبح أكثر إدراكا لأنفسنا واحتياجاتنا.

وربما لاحظت هذا الأثر بشكل خاص عن تدقيق النظر في عيني قرد بإحدى الحدائق، وعندما تأكدت أنك بمواجهة كائن مدرك يتفحص الإنسان الذي ينظر إليه.

وفي الواقع، ثبت أن مجرد النظر في لوحة زيتية تبدو عيونها شاخصة، يثير الكثير من النشاط المتعلق بالمدارك الاجتماعية في الدماغ، وهو نشاط تشهده أجزاء بالدماغ تختص بالتفكير في النفس والآخرين.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أثبتت الأبحاث أن التقاء الأعين يشد الانتباه بشكل أكبر

وليس غريبا أن إدراكنا أننا محط اهتمام شخص آخر يشتت انتباهنا عن سائر الأشياء، ففي دراسة أجراها مؤخرا باحثون يابانيون نظر متطوعون في فيديو لوجه ما، بينما طلب منهم في الوقت ذاته الرد على أسئلة كلامية تتطلب استحضار الفعل المناسب الذي يتوافق مع بعض الأسماء (كأن يطلب منهم الفعل الذي يرد للذهن مع كلمة "حليب"، وهو الفعل "يشرب").

ورصد الباحثون صعوبة جمة واجهت المشاركين في استحضار الكلمات الأعقد حين بدا الوجه في الفيديو شاخصا إليهم، مقارنة بوجه لم يكن ينظر إليهم مباشرة.

ويعتقد الباحثون أن السبب هو أن لقاء الأعين - حتى بشخص غريب يظهر في شريط مسجل - يجعل الذهن ينغمس أكثر وأكثر في التفكير، مما يستنفد طاقات الإدراك.

كذلك توصل بحث مشابه إلى أن التقاء الأعين بشخص آخر يعترض أيضا عمل الذاكرة المنطوية على الاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها على المدى القصير، كما يعترض عملية التخيل في الدماغ، وكذلك القدرة على التحكم العقلي، بمعنى القدرة على استبعاد المعلومات الأقل صلة بالأمر الذي نفكر فيه.

وربما خبرت هذا الأثر دون وعي منك حين أشحت بنظرك بعيدا عن عيني شخص آخر لتركز أكثر فيما تقوله أو تفكر فيه، بل يوصي بعض علماء النفس بالنظر بعيدا لمساعدة الصغار على الإجابة بشكل أفضل على الأسئلة الموجهة إليهم.

وفضلا عن انغماس الدماغ في التفاعل الاجتماعي، أظهرت بحوث أخرى أن نظرات العين تسهم في تشكيل تصوراتنا عن الشخص الناظر؛ فمثلا كثيرا ما نعتبر الأشخاص الذين يكثرون النظر إلى عيوننا أكثر ذكاء وصدقا (أو هكذا الحال في الغرب)، ونميل أكثر لتصديق ما يقولونه.

ولكن قطعا إطالة النظر في العين قد يصيب بالضيق والحرج - ومن يحدقون طويلا ولا يكفون عن التحديق قد يعتبر سلوكهم مثيرا للريبة.

وفي دراسة جرت مؤخرا بأحد متاحف العلوم، سعى خبراء لتحديد متوسط المدة المناسبة للقاء العيون، وخلصوا إلى أن ثلاث ثوان في المتوسط تعد أمدا مناسبا. ووجدوا أيضا أن الجميع دون استثناء لم يفضلوا إطالة مدة التقاء الأعين لأكثر من تسع ثوان.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption إدراكنا أننا محط نظر وتركيز شخص آخر يشتت انتباهنا عن سائر الأشياء

وهناك أثر آخر موثق لتبادل النظر قد يساعد في تفسير وقع لقاء العين بالعين بين شخصين وسط جمع من البشر، فقد توصلت دراسة حديثة إلى أن تبادل النظر يقود لالتقاء لحظي بين الذات والآخر، فنحن نصف الغرباء الذين التقينا بهم عينا بعين بأنهم أقرب إلينا من غيرهم، سواء من حيث الشخصية أو الشبه، وربما شعرت ذات مرة حينما كان الجميع منهمكين في الحديث أن شيئا فريدا يربطك بالشخص الآخر الذي بادلك النظر.

ولا تنتهي كيمياء تلاقي النظر عند هذا الحد، فإذا كنت قريبا بجسدك من شخص آخر، ستجد أن لقاء العين يجمعكما بشكل آخر في عملية فريدة، إذ أن حدقة العين تتسع وتضيق في نفس الوقت في أحدكما كما في الآخر، وهو ما يفسر كنوع من التماهي الاجتماعي دون وعي، أو قل "رقصة العين لا الجسد" كوصف رومانسي.

لكن مؤخرا شكك البعض في الأمر، إذ قال باحثون إن ذلك لا يعدو كونه استجابة تلقائية لاختلاف درجة لمعان العين المقابلة، فبالنظر المباشر عن قرب حين يتسع بؤبؤ العين المقابلة يزداد المشهد سوادا، فيتسع بؤبؤ عينك للسماح لمزيد من الضوء بالوصول لقاع العين.

لكن هذا لا ينفي أن يكون لاتساع بؤبؤ العين مغزى نفسي، فمنذ ستينيات القرن الماضي، إن لم يكن قبلها، درس علماء النفس عملية اتساع بؤبؤ العين من خلال تعرض الشخص للإثارة فسيولوجيا، وذلك بالاستثارة الفكرية أو الوجدانية أو الجمالية أو الجنسية، وهو ما أثار خلافا حول ما إذا كانت العيون ذات الحدقات الأوسع (والتي تعتبر أحيانا علامة على الرغبة الجنسية) يراها الناظر أكثر جاذبية.

كما أن بعض الدراسات منذ عقود، ودراسة أخرى أحدث، رجحت أن العيون ذات الحدقات الأوسع تكون أكثر جاذبية، كما نعرف أن الدماغ يتعامل تلقائيا مع اتساع حدقة عين الآخرين.

وقبل قرون من إجراء تلك البحوث، عرف الإنسان العيون الواسعة كسمة من سمات الجمال، وكانت النساء تستخدم أحيانا خلاصة نباتية لإرخاء بؤبؤ العين حتى تظهر عيونهن بشكل أكثر جاذبية (حتى عرف هذا النبات باسم "ست الحسن").

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مجرد النظر في لوحة تشخص فيها العين نحوك، يثير في الذهن نشاطا مرتبطا بالإدراك الاجتماعي

لكن حين تنظر في عيني شخص آخر فالرسالة تتجاوز حدقة العين، فقد أشار بحث آخر حديث أن بالإمكان ترجمة انفعالات معقدة بحركة عضلات العين - سواء أرخى الشخص أجفانه أم وسع بينها.

فمثلا حين يحملنا انفعال كالاشمئزاز على تضييق عيوننا، فإن هذا التعبير يتجاوز العين إلى الوجه ليعبر للآخرين عما نشعر به من اشمئزاز.

كذلك هناك الهالات التي تحيط بالقزحية، إذ تشير بحوث حديثة لظهورها أكثر في الشباب وفي الأصحاء، وهو ما يدركه الناظر ويعده عنصرا جاذبا.

وقد تأتي كافة تلك الدراسات لتصدق قول القدماء إن العين نافذة الروح، وحين تنظر لعيني شخص آخر، فكر قليلا فربما كانت تلك النظرة أقرب ما تكون لذهن شخص آخر، أو لروحه.

والبعض يقول لو خفضت الضوء ونظرت مليا في عيني شخص آخر لعشر دقائق دون توقف، فسترى عجبا لم تره من قبل.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Future

-----------------------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة