ما الذي يجعل مارين لوبان مرشحة لليمين المتطرف؟

لوبان مصدر الصورة Getty Images
Image caption تسعى مارين لوبان للفوز باصوات الوسط واليسار

وصفت مارين لوبان خيار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الاوروبي بأنه اهم حدث منذ سقوط جدار برلين، كما وصفت فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية بأنه "دعامة اخرى في بناء عالم جديد."

وتسعى لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية، الى التسبب في زلزال مماثل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.

ولكن، عند الأخذ بنظر الاعتبار التأييد المتزايد الذي تحظى به من جانب الوسط واليسار، يمكن التساؤل كيف يمكن ان توصف بأنها يمينية متطرفة؟

الماضي احساس الناخبين

مارين لوبان هي البنت الصغرى لجان ماري لوبان، زعيم الجبهة الوطنية السابق الذي كرر في العام الماضي ما سبق أن قاله في غرف الغاز النازية بأنها "محض تفصيل من تفاصيل التاريخ."

وكان قدر مارين، التي نمت وترعرعت في بيت سياسي، إذ كانت تصحب والدها الى اجتماعاته السياسية منذ نعومة اظفارها، ان تجاهد طيلة عمرها للتخلص من وصمة اليمين المتطرف.

ولكنها دانت بالفعل في عام 2015 التعليقات المنسوبة لوالدها، وطردته عمليا من الحزب الذي كان له فضل كبير في تأسيسه. وكان حزب الجبهة الوطنية تحت قيادة جان ماري لوبان يهدف الى طرد اكثر من 23 مليونا من الاجانب المقيمين في فرنسا، كما كان الحزب المعروف بإنكاره للمحرقة النازية وتبنيه لكراهية الاجانب.

ولكن تحت قيادة مارين، بدأ الحزب في النأي بنفسه عن هذه المواقف المثيرة للجدل وغيرها.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أزاحت مارين لوبان والدها عن المسرح السياسي بعد ان ادلى بملاحظات مسيئة حول محرقة اليهود

ونجحت جهود مارين في تحسين صورة الحزب على ما يبدو، إذ تشير استطلاعات الآراء الى تصاعد نسبة التأييد الذي يحظى به من 18 بالمئة في عام 2010 الى حوالي 24 بالمئة اليوم.

ولكن مع ذلك، عندما يسأل الناخبون ما زالوا يقولون إن حزب الجبهة الوطنية ومارين لوبان شخصيا "يتبنون سياسات يمينية اكثر تطرفا من الاحزاب الاخرى"، حسبما تقول نونا ماير الخبيرة في شؤون الجبهة الوطنية والشؤون العنصرية في جامعة ساينسز بو الفرنسية.

ولكن ما الذي ينبغي على مارين عمله لتطهير حزبها من هذه السمعة؟ لا شك ان حزب الجبهة الوطنية كان تقليديا حزبا يهيمن عليه الذكور المنتمون للطبقة العاملة، وتقول ماير إنه من الضرورة ان تسعى زعيمة الحزب الى اجتذاب العنصر النسوي. ولذلك قامت مارين لوبان بتخفيف لهجتها فيما يخص حقوق النساء وبدأت بتصوير نفسها على انها من انصار هذه الحقوق.

وتقول ماير إنه في حقيقة الأمر، فإن لوبان تعد ن عدة اوجه اكثر ليبرالية من الناحية الاجتماعية من التيار اليميني الغالب مما أدى الى وقوع انقسامات داخل حزبها ذاته.

تشدد في موضوع الهجرة

جدد ميثاق الجبهة الوطنية لعام 2017 التزام الحزب باجراء خفض كبير في الهجرة الشرعية الى فرنسا. وتحاجج لوبان بأن الجنسية الفرنسية يجب ان تكون "اما وراثية او مستحقة". اما فيما يخص المهاجرين غير الشرعيين، فتقول "ما من سبب يدعو لبقائهم في فرنسا، فهؤلاء انتهكوا القانون ساعة وطئت اقدامهم التراب الفرنسي."

ولكن اذا كان هذا الموقف موقفا يمينيا متطرفا، فإنه لا يختلف كثيرا عن الموقف الذي يتبناه المرشح الجمهوري فرنسوا فيون الذي كان يتقدم لوبان في استطلاعات الآراء قبل انفجار فضيحة الفساد المتعلقة باساءته استخدام الاموال الحكومية.

كان فيون يقول "علينا خفض الهجرة الى أقل عدد ممكن."

وفي حقيقة الأمر، في عالم ينحدر الوسط فيه الى اليمين، ويميل اليمين فيه الى الوسط، تزداد الحدود الفاصلة بين التيارين غموضا.

مصدر الصورة AFP
Image caption "تدعي ماريون لوبان انها "تتحدث باسم الشعب"

فالتياران يتنافسان الآن للفوز باصوات نفس الناخبين. وبينما يعد فيون الأكثر جاذبية بالنسبة للطبقات الوسطى "المحترمة"، تدعي لوبان انها تتحدث باسم "كل الشعب" وتحظى فعلا بتأييد طيف واسع من الناخبين لا يستثني الناخبين المسلمين الذين يسكنون في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى.

ولكن لوبان رفعت من سقف عدائها للاجانب في كانون الأول / ديسمبر الماضي عندما قالت إنها تنوي منع اطفال المهاجرين غير الشرعيين من الحصول على تعليم مجاني في فرنسا - رغم ان ذلك لم ينص عليه ميثاق حزبها الانتخابي.

وكانت لوبان قالت في كلمة القتها في باريس آنذاك "اذا جئتم الى بلادنا، لا تتوقعوا ان نعتني بكم وان يحصل اطفالكم على تعليم مجاني. لقد انتهى زمن اللعب."

تقلص الخلافات حول الإسلام والتطرف الاسلامي

كانت مارين لوبان ربطت بين الهجرة الى فرنسا والتطرف الاسلامي قبل وقوع هجمات باريس في الـ 13 من تشرين الثاني / نوفمبر بوقت طويل. وفي اعقاب تلك الهجمات، طالبت لوبان "بطرد الاجانب الذين ينادون بالكراهية من ارضنا" والى سحب الجنسية الفرنسية من المسلمين الذين يحملون جنسيات مزدوجة ويروجون لأفكار متطرفة وهو رأي مرتبط تقليديا باليمين المتطرف.

وفي خطوة غير مسبوقة، تبنى كل من رئيس الحكومة الاشتراكي مانويل فال والرئيس (الاشتراكي ايضا) فرنسوا هولاند هذا الموقف قبل ان يتخليا عنه في نهاية المطاف.

كما تبنى فرنسوا فيون العديد من المواقف التي تدعو لها لوبان.

فقد وصف فيون المسيحي الكاثوليكي الورع الاسلام المتطرف بأنه "نظام شمولي يشبه النازية"، وقال إن الكاثوليك والبروتستانت واليهود "لا يشككون في مبادئ الجمهورية" مشيرا الى ان الاسلام مختلف عن هذه الأديان في ذلك حسب تعبيره.

ويقول جيمس شيلدز، استاذ السياسة الفرنسية في جامعة أستون في بريطانيا بهذا الصدد "ما برحت الاختلافات بين حزب الجبهة الوطنية والاحزاب السياسية الأخرى تختفي شيئا فشيئا."

حفظ النظام

تقول الاستاذة نونا ماير إن حزب الجبهة الوطنية يتبنى سياسات اقرب الى اليمين من الجمهوريين فيما يتعلق بمسائل حفظ النظام العام وفرض سطوة القانون، إذ يتضمن ميثاق الحزب للانتخابات الرئاسية لعام 2017 بنودا تدعو لزيادة عدد عناصر الشرطة ورفع القدرة الاستيعابية للسجون الفرنسية بحوالي 40 الف نزيل.

ولكن الميثاق خلا من تعهد الحزب السابق باعادة العمل بعقوبة الاعدام، وهو موضوع يثير انقساما بين مؤيدي الحزب من جهة والرأي العام الفرنسي من جهة أخرى. وتشير استطلاعات الرأي العام الى ان 60 بالمئة من الذين يصوتون لحزب الجبهة الوطنية يؤيدون اعادة العمل بعقوبة الاعدام، بينما لا يؤيد ذلك من الناخبين اليمينيين الا 28 بالمئة و11 بالمئة من الذين يعطون اصواتهم لليسار.

تقديم "الفرنسيين الأصليين" على غيرهم

يعد اسلوب معاملة المهاجرين السياسة الأهم بالنسبة لحزب مارين لوبان، الجبهة الوطنية، ويعد هذا الموضوع القضية المركزية في سياسات الحزب.

ويقول الحزب إن الوظائف والاعانات الاجتماعية والمساكن المدعمة والمدارس وغيرها من الخدمات العامة يجب ان توفر للمواطنين الفرنسيين قبل ان تمنح "للاجانب."

قد يكون مركز الثقل في السياسة الفرنسية قد توجه نحو اليمين، ولكن ما من حزب آخر تبنى مبدأ المحاباة فيما يتعلق الأمر بالخدمات الاجتماعية، وهو أمر قد ينتهك القوانين المرعية في البلاد.

يقول الاستاذ شيلدز في هذا الصدد "إن لوبان تتبنى سياسات لا يعتقد الخبراء الدستوريون انها غير دستورية فحسب، بل ينظر القانون اليها على انها منافية للقوانين."

في عام 1998، حاولت رئيسة بلدية احدى المدن الفرنسية كانت تنتمي للجبهة الوطنية - واسمها كاثرين ميغريه - تنفيذ سياسة تدعو الى منح الاسر الفرنسية او الاوروبية مساعدات مالية وحرمان الاسر الاجنبية من هذه المنح.

يتساءل الاستاذ شيلدز "هل تمكنت من اقناع القضاء بصحة ذلك القرار؟ كلا"، ولكنه يضيف ان تفضيل المواطنين الفرنسيين "الاصليين" ما زال حجر الزاوية في برنامج لوبان.

لوبان الشعبوية

تحظى لوبان باعجاب الناخبين الفرنسيين الذين ضاقوا ذرعا من الاحزاب السياسية التقليدية، ولكن ليس لليمين المتطرف اي دور في ذلك.

ووعدت لوبان بأنها لو فازت بالانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل، ستجري استفتاء على عضوية فرنسا في الاتحاد الاوروبي في غضون 6 شهور من توليها الرئاسة مستفيدة بذلك من نموذج بريطانيا التي صوت الناخبون فيها في حزيران / يونيو 2016 لصالح الخروج من الاتحاد.

وتصور لوبان نفسها على انها سياسية من خارج المؤسسة الحاكمة، وتدعم الخدمات العامة "لغير الاجانب" كما تصور نفسها على انها المدافعة عن العمال والفلاحين ضد ما تصفه "بالعولمة المتوحشة والفوضوية."

ويقول الاستاذ شيلدز بهذا الصدد "إنها نجحت بالحصول على دعم جماهيري بتقليد ما فعله دونالد ترامب."

ولكن حتى في هذا المجال تضمحل الفروق بين الاحزاب، فأحزاب اليسار هي الأخرى بدأت باستخدام ورقة معاداة المؤسسة السياسية ومعاداة العولمة.

أصدقاء لوبان في أوروبا

ما يميز آراء ومواقف لوبان الأوروبية عن مواقف وآراء بقية اليمين الفرنسي يتلخص في الصداقات والتحالفات التي شكلتها. فحزب الجبهة الوطنية يقيم علاقات قوية مع حزب الحرية الهولندي وحزب الحرية النمساوي وحزب مصالح الفليميش البلجيكي وحزب البديل لألمانيا وحزب عصبة الشمال الإيطالي.

وتنخرط كل هذه الأحزاب في تجمع "أوروبا الأمم والحريات" الذي يقوده حزب الجبهة الوطنية في البرلمان الأوروبي، وكلها محسوبة على اليمين او اليمين المتطرف (في حالة حزب الحرية النمساوي).

مصدر الصورة Reuters
Image caption مارين لوبان متحالفة مع زعيم حزب الحرية الهولندي خيرت فيلدرز

يدعو خيرت فيلدرز زعيم حزب الحرية الهولندي الى حظر القرآن، اما زعيم حزب عصبة الشمال الايطالي ماتيو سالفيني فمعروف بحبه ومديحه للقائد الفاشي موسوليني.

تعد هذه الآراء والمواقف سامة بالنسبة لليمين السياسي في أوروبا، وتقول العديد من احزاب يمين الوسط إنها غير مستعدة لتشكيل ائتلافات مع الاحزاب التي تتبناها.

المزيد حول هذه القصة