أثر التعصب وتدهور الحقوق الشخصية على التقدم الاجتماعي في العالم

احتجاج ضد التمييز في أمريكا مصدر الصورة Getty Images
Image caption يقول التقرير إن عدم التسامح والتميز ضد الأقليات أسهم في تراجع مؤشر التقدم الاجتماعي

أسهمت كثرة مطالعة الأخبار السيئة الواردة في عناوين الصحف هذا العام في تكوين صورة مفادها أن العالم أصبح مكانا أكثر تعصبا وعداء. فهل هذا صحيح ؟

يركز مؤشر التقدم الاجتماعي السنوي، الذي نشرته مؤسسة "بروغريس إمبراتيف" الاجتماعية العالمية غير الربحية ومقرها الولايات المتحدة، على الاتجاهات العالمية من خلال دراسة شملت نحو 98 في المائة من سكان العالم.

وجاءت نتيجة الدراسة عام 2017 خطيرة للغاية، ففي الوقت الذي سجلت فيه دول بعض الإصلاحات الفردية، شهدت العديد من الدول الأخرى تراجعا في الحقوق الشخصية لمواطنيها، وهو اتجاه يبطئ التقدم العام في جميع أنحاء العالم.

ويعّرف المؤشر، الذي وضعه أكاديميون بارزون من كلية هارفارد للأعمال ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، "الحقوق الشخصية" بأنها إجراء يشمل حرية التعبير والتجمع والحق في امتلاك الممتلكات الخاصة جنبا إلى جنب مع الحقوق السياسية.

وسجل المؤشر، خلال السنوات الثلاث الماضية، تدهورا في الحقوق الشخصية في 46 دولة.

وكان الانخفاض "سريعا وكبيرا" في 14 من تلك الدول - من بينها تايلاند وتركيا وطاجيكستان والمجر وليسوتو وبوروندي.

في حين شهدت دول أخرى انخفاضا سريعا مثل ليبيا واليمن وروسيا والسلفادور وأذربيجان ونيكاراغوا وأنغولا.

ولم تظهر علامات الإصلاح هذا العام سوى في 18 دولة هي تونس ومدغشقر وسريلانكا وغينيا بيساو وكوبا في صدارة القائمة.

مصدر الصورة SPI

كما يقيس المؤشر درجة التسامح والاندماج. وخلص التقرير أيضا إلى أن الصورة العالمية آخذة في التدهور، لا سيما في عدد من الدول الأوروبية.

وخلال العامين الماضيين وحدهما، بدأت كل من الدانمرك وإسبانيا وفرنسا وكرواتيا واليونان وليتوانيا ومقدونيا وروسيا تظهر علامات تراجع.

ويشير التقرير إلى أنه في مناطق كثيرة في العالم يواجه الناس حاليا "اضطرابات شديدة" تتسم بعدم التسامح مع المهاجرين والمثليين جنسيا والجماعات الدينية.

وشهدت 44 دولة تراجعا في التسامح مع الأقليات - من بينها لاتفيا وسلوفاكيا وموزامبيق وجمهورية أفريقيا الوسطى والسلفادور والمجر والكاميرون وأوكرانيا والولايات المتحدة.

مصدر الصورة SPI

ويقول مايكل غرين، الرئيس التنفيذي لمنظمة "برغريس امبيراتيف" الاجتماعية غير الحكومية: "بعض هذه النتائج مثير للقلق"، مضيفا أن "(النتائج) تشير إلى أننا نتراجع، كما أنها تحدث في دول غير متوقع أن تحدث فيها أيضا".

ويستشهد غرين بالولايات المتحدة كحالة ملفتة للنظر بشكل خاص، إذ يبدو أن التقدم قد توقف بها.

وقال غرين لبى بى سى :"تظهر البيانات بوضوح أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية كان أداء الدول ضعيفا من حيث الإصلاح الاجتماعى بشكل عام مع تسجيل تراجع بصفة خاصة فى التسامح والاندماج".

وأضاف : "قد يشعر المواطنون بأن بلادهم لم تتقدم، رغم أنها لم تسجل تراجعا في ناتجها المحلي الإجمالي".

مصدر الصورة SPI

ليس كل شئ سيئا

ويسلط مؤشر التقدم الاجتماعي الضوء أيضا على بعض الاتجاهات المشجعة. فعلى الرغم من وجود عقبات وعيوب، فإن العالم بوجه عام يحقق تقدما، إذ سجل عدد مستخدمي الإنترنت زيادة أصبحت تشمل 43٪ من إجمالي سكان العالم - بزيادة 8٪ منذ عام 2014.

كما اتسعت رقعة استخدام الهاتف المحمول "بشكل كبير"، وأصبح يعيش الآن 95٪ من الناس في منطقة مجهزة بشبكة هواتف محمولة.

وهناك مؤشر رئيسي آخر يساعد على دفع مؤشر التقدم الاجتماعي عموما نحو النمو - وهو الاستفادة من التعليم العالي.

ويظهر المؤشر زيادة ملحوظة في عدد الجامعات المصنفة على مستوى العالم، إذ أن 89 دولة لديها جامعة واحدة على الأقل، مقارنة ب 75 جامعة في عام 2014.

مصدر الصورة SPI

النتيجة العالمية

كيف ينهض العالم ككل بأدائه في ظل مؤشر التقدم الاجتماعي؟

سجلت درجة التقدم العالمي نموا من 63.19 نقطة في عام 2014 إلى 64.85 في عام 2017.

وقال غرين :"تعد هذه النتيجة الأفضل منذ بدأنا الاهتمام بدراسة الاستفادة من المعرفة الأساسية والتغذية والرعاية الطبية".

وإذا كان العالم دولة، ستحدد درجته الإجمالية مركزه في النصف الأدنى من جدول عام 2017، في المرتبة 80 من مجموع 128 دولة محل قياس، بين أندونيسيا وبوتسوانا.

ويشير هذا العدد إلى أنه، في الوقت الذي توجد فيه بعض الايجابيات والتقدم المحرز، ثمة سلبيات تؤثر على التقدم العام.

مصدر الصورة SPI

كيف يعمل المؤشر؟

يعد مؤشر التقدم الاجتماعي مؤشرا تجميعيا ينظر إلى حالة الدولة من خلال النتائج الاجتماعية والبيئية، وليس من خلال المؤشرات الاقتصادية الأكثر استخداما (مثل الناتج المحلي الإجمالي، نصيب الفرد من الدخل).

ويتبع هذا المؤشر المبادئ التي حددها الاقتصادي جوزيف ستيغليتز، الفائز بجائزة نوبل، بشأن كيفية قياس رفاهية المجتمع على نحو أفضل.

ويضم المؤشر مجموعة من المؤشرات (الفرعية) في ثلاثة مجالات: الاحتياجات الأساسية (التغذية والمياه والمأوى) والرفاهية (الاستفادة من المعارف الأساسية والاتصالات السلكية واللاسلكية والظروف البيئية) والفرص (الحقوق السياسية والحريات والتسامح والتمييز والتعليم العالي).

وثمة انتقاد رئيسي يتمثل في تحديد جميع المؤشرات بطريقة متساوية: فإمكانية الحصول على المياه المعقّمة، على سبيل المثال، لها أهمية مثل الحق في الملكية.

الثراء ليس أفضل دائما

عندما ترتبط نتيجة مؤشر التقدم الاجتماعي بالناتج المحلي الإجمالي للدولة، فذاك يكشف عن كون الدول الغنية ليست دائما الأفضل إذا تعلق الأمر بتحقيق التقدم.

وقال غرين: "لم تتخذ الكويت أو المملكة العربية السعودية (مع سوء الأداء في مجال الصرف الصحي للمياه) وروسيا قرارات كبيرة بشأن كيفية الاستفادة من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في تعزيز التقدم الاجتماعي".

ويشير مؤشر التقدم الاجتماعي في الواقع إلى أن دول مجموعة السبع والدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تخطو ببطء نحو إحراز تقدم كبير باستثناء النرويج واليابان وإسبانيا، في حين أن بعض الدول النامية ذات الناتج المحلي الإجمالي الأصغر نسبيا تأتي في مرتبة أفضل من حيث تحقيق إصلاحات.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة