بوتين وترامب: مقارنة بين رجل الظل وعاشق الأضواء

ترامب وبوتين

التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين لأول مرة يوم الجمعة على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ الألمانية.

وتابع العالم هذا الاجتماع الرسمي للزعيمين، إذ أنه يأتي على خلفية التحقيقات الأمريكية في مزاعم تواطؤ بين روسيا وشخصيات من حملة ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أجريت العام الماضي.

وتمثل قضية القرصنة الانتخابية المسألة الأهم في هذا الاجتماع، بالنظر إلى أن الرئيس الأمريكي قد قلل من أهمية المزاعم التي تحدثت عن دور روسيا في هذا الأمر.

قد تكون الاجتماعات الأولى بين زعماء العالم الكبار من الأمور التي يصعب التنبؤ بها. وقد أشار ترامب في السابق إلى أنه يمكنه التوافق مع بوتين وأشاد به "كزعيم قوي"، لكن من غير الواضح كيف أصبح موقفه الآن من الرئيس الروسي.

في موسكو، وصف الكرملين الاجتماع بأنه فرصة لكلا الزعيمين "للتعرف على بعضهما البعض وفهم التوجه الحقيقي لكل منها في نهاية الأمر."

لكن بعيدا عن القضايا المتعلقة بالسياسة المتقلبة في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، ما هي أوجه التلاقي بين ترامب وبوتين وأوجه الاختلاف الواضح بينهما؟

مصدر الصورة AFP
Image caption بوتين عميل المخابرات السابق يُنظر إليه على أنه زعيم ماكر وصارم

الصعود إلى القمة: في الظل ودائرة الضوء

إذا كان هناك اختلاف واحد واضح بين الرجلين، فإنه يعود إلى مسار كل منهما في الماضي.

قضى فلاديمير بوتين الفترة الأولى من حياته المهنية كجزء من المخابرات الروسية في الحرب الباردة، وكان يعمل جاسوسا للاتحاد السوفيتي السابق في ألمانيا الشرقية حينما انهارت هذه الدولة الشيوعية.

يعتاد بوتين على العمل في الخفاء، وكان يفضل أن يكون بعيدا عن الأنظار حينما كان مساعدا لعمدة مدينة سانت بطرسبرغ في التسعينيات من القرن الماضي، قبل أن يتولى زمام جهاز الأمن الاتحادي الروسي (FSB) وبعدها الرئاسة الروسية.

كان بوتين في قمة هرم السياسة الروسية منذ عام 2000، ويشتهر بأنه مقاتل شوارع ماكر، وهي الصورة التي يمكن إرجاعها إلى الأيام التي نشأ فيها في مجمع سكني محلي في لينينغراد كان يتسم بالصرامة الشديدة.

وقال بوتين إن هذه السنوات علمته أنه "إذا كان لا محالة من القتال، فإنه يجب عليك أن تسدد اللكمة الأولى."

مصدر الصورة Getty Images
Image caption ترامب هو أول رئيس أمريكي لم يسبق له أن تولى منصبا حكوميا بالانتخاب أو خدم في الجيش

في المقابل، ولد دونالد ترامب لعائلة ثرية، إذ أنه نجل أحد الأقطاب البارزين في مجال العقارات بمدينة نيويورك.

تمكن ترامب من تفادي الانضمام للجيش الأمريكي خلال حرب فيتنام، وشق طريقه إلى مجال العقارات بنفسه من خلال قرض بمليون دولار من والده، ونجح في نهاية المطاف في بناء إمبراطوريته للعقارات والفنادق والمنشآت الترفيهية.

وبخلاف بوتين الذي كان يعمل في الظل، انطلق ترامب إلى النجومية كمقدم لبرنامج تلفزيون الواقع "ذا ابرينتس".

واستغل ترامب لاحقا شهرته وثروته كمنطلق للترشح للانتخابات الرئاسية عن الحزب الجمهوري عام 2015.

يختلف أسلوب ترامب العلني تماما عن بوتين، إذ أنه فظ، ولا يمكن التنبؤ بسلوكه. في حين أن الرئيس الروسي هادئ ولا يفصح عن مشاعره، لكن بالرغم من ذلك فإن كل منهما لا يخشى المواجهة.

مصدر الصورة AFP
Image caption بوتين يحرص على إظهار نفسه كشخصية رياضية تتمتع بالقوة والجرأة أكثر من ترامب، الذي يكبره سنا ويفضل رياضة الغولف عن الرياضات العنيفة

رغبة في العودة لعصور المجد

لا يخفي كلا الزعيمين طموحهما في استعادة قدر من العظمة المفقودة لبلديهما.

أصدر بوتين تصريحا شهيرا وصف فيه انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه " أكبر كارثة جيوسياسية في القرن (العشرين)".

ويُنظر إلى تحركاته في أوكرانيا وسوريا على أنها محاولات لتعزيز نفوذ روسيا والرد على الغرب بسبب توسع الناتو في شرق أوروبا، وهو الأمر الذي يثير استيائه بشدة.

ويتهم مسؤولون أوروبيون غربيون بوتين بالتدخل في انتخابات بلدانهم لمحاولة إضعاف الاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الآخر، فإن الطموح المُعلن للرئيس ترامب هو "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".

ويعني ذلك بالنسبة له تعزيز الإنفاق العسكري الأمريكي وممارسة ضغوط على الحلفاء لدفع أموال نظير الدفاع عنها والانحساب من جهود مكافحة التغير المناخي من أجل حماية الوظائف في الصناعات المحلية مثل الفحم.

اقرأ أيضا: دونالد ترامب: بوتين زعيم أقدر من رئيسنا

مصدر الصورة AFP
Image caption في مفاجأة غير سارة للمستشارة الألمانية ميركل، سمح بوتين بدخول كلبه الضخم لاجتماع بينهما في عام 2007

ويشترك الزعيمان في أسلوب "الرجل القوي"، وتبني مواقف تُظهر الجرأة والشجاعة، والتي ظهرت جلية في الاجتماعات مع زعماء العالم.

رفض ترامب مصافحة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال التقاط صورة تذكارية غير لائقة في مارس/آذار الماضي، ودفع بيده رئيس وزراء جمهورية الجبل الأسود خلال قمة للناتو في بروكسل في مايو/أيار، لكي يضمن أن يكون في بؤرة اهتمام وسائل الإعلام.

يستخدم فلاديمير بوتين طريقة محسوبة أكثر لتخويف الآخرين، ومثال على ذلك أنه سمح بدخول كلبه الضخم من نوع لابرادور إلى اجتماع سابق مع ميركل التي تخاف من الكلاب.

مصدر الصورة AFP
Image caption جاريد كوشنر وايفانكا ترامب يتمتعان بنفوذ في البيت الأبيض

شؤون عائلية

البيت الأبيض الذي يقيم فيه ترامب هو شأن عائلي، وهو ما لا ينطبق بشكل مؤكد على الكرملين مقر الرئاسة لفيلاديمير بوتين.

يوجد مكتب لإيفانكا، ابنة الرئيس ترامب، في الجناح الغربي للبيت الأبيض، وتقدم المشورة لوالدها دون مقابل، بينما يعمل زوجها جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس، ويحظى بنفوذ قوي في البيت الأبيض، وتمتد مسؤولياته من الشرق الأوسط إلى الصين، وإلى إصلاح العدالة الجنائية والعلاقات مع المسكيك.

لكن الرئيس بوتين يحرص بشدة على إبعاد حياته الخاصة وعائلته عن أعين الإعلام.

وأعلن بوتين في عام 2013 الانفصال عن زوجته لايودميلا، بعد زواج استمر نحو 30 عاما، ويحرص على إبعاد ابنتيه عن وسائل الإعلام أيضا.

ولم يكن يُعرف الكثير عن ابنتي بوتين حتى كشفت تقارير إعلامية عام 2015 أن ابنته الصغرى، كاترينا، تعيش في موسكو باسم مختلف، وتعمل في وظيفة بارزة في جامعة موسكو الحكومية، وهي أيضا راقصة روك آند رول.

أما ابنة بوتين الكبرى، وتُدعى ماريا، فإنها تعمل باحثة متخصصة في علم الغدد.

الاختلافات بين الرئيسين إزاء الأمور العائلية واضحة جدا. ومثال على ذلك أن أرابيلا، ابنة ايفانكا ترامب وكوشنر البالغة من العمر خمس سنوات، غنت أغنية بلغة الماندرين للرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته للولايات المتحدة في أبريل/نيسان الماضي. لكن بوتين رفض مؤخرا الكشف عن أسماء وأعمار حفيديه.

مصدر الصورة Reuters
Image caption ابنة بوتين الصغرى، كاترينا، تؤدي رقصة روك آند رول

"تقارير مزيفة"

ربما روج ترامب "للأخبار الكاذبة" كمصطلح يمكن للسياسيين في جميع أنحاء العالم استخدامه لانتقاد الصحفيين، لكنه ليس الوحيد الذي يصف التغطية الإعلامية الحساسة بأنها أخبار كاذبة.

فعلى الجانب الآخر، تحتفظ حكومة بوتين بقائمة لتقارير الصحافة الأجنبية التي تقول إنها تحتوي على "معلومات كاذبة عن روسيا".

لكن فلاديمير بوتين يتعامل بهدوء مع الإعلام في أغلب الأحيان.

وبخلاف ترامب، فإن بوتين لا يُطلق تغريدات غاضبة على موقع تويتر إزاء التغطية الإعلامية التي لا تُعجبه، إذ أنه يحب يكون هادئا في المؤتمرات الصحفية، ويحسب عدد أسئلة الصحفيين التي يتلقاها.

المزيد حول هذه القصة