"الصداع التركي" الذي يُعاني منه الغرب

دونالد ترامب مع رجب طيب أردوغتن مصدر الصورة EPA

تمثل تركيا أهمية بالنسبة لدول الغرب. لكن السؤال المطروح حاليا في واشنطن وعدد من عواصم الدول الأوروبية هو "ما هو حجم هذه الأهمية؟".

يذهب بعض الخبراء الأمريكيين إلى ما هو أبعد من ذلك، ويطرحون سؤالا عما إذا كان ينبغي وصف تركيا بأنها حقا حليف استراتيجي للولايات المتحدة.

تركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، كما تعد قواعدها العسكرية مهمة للعمليات الجوية الحالية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وتمتد تركيا لمساحة شاسعة على الجانب الشرقي لحلف الناتو، في وقت يعني ظهور روسيا مجددا على الساحة زيادة الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأسود.

كما تعد تركيا واحدة من بين أهم دول الجوار للاتحاد الأوروبي، على الرغم من تعثر خطواتها كي تنضم إلى الاتحاد، ربما بسبب الاستبداد المتزايد من جانب الرئيس رجب طيب أردوغان.

بيد أن أنقرة تظل بمثابة الشريك الفعال لأوروبا، حيث تنهض بدور بالغ الأهمية في مساعدتها في التصدي لتدفق المهاجرين نحو الغرب، إذ تستضيف تركيا وحدها ما يزيد على 3.5 مليون لاجئ من سوريا المجاورة التي تشهد صراعا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مخيم نيزيب للاجئين السوريين في تركيا

ويواجه أردوغان أزمات اقتصادية ودبلوماسية متزامنة قد تضر بأسس علاقته مع واشنطن، ومن ثم الناتو.

وقد تكون المشاكل الاقتصادية التي تواجه البلاد بسببه إلى حد كبير، وذلك مع الاندفاع نحو تحقيق النمو، اعتمادا على مشروعات بناء كبرى، جميعها بتمويل من قروض.

غير أن الخلاف مع الولايات المتحدة، الذي يركز جانب منه على سجن رجل الدين الأمريكي أندرو برونسون الذي تتهمه تركيا بممارسة أنشطة معادية للدولة، أصبح معركة إرادة بين الرئيس أردوغان من ناحية والرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ناحية أخرى.

كما تفاقم العقوبات الاقتصادية الأمريكية الضرر اللاحق بالاقتصاد التركي الهش.

فإلى أي حد يمكن أن يسوء الوضع؟ وهل تتأثر عضوية تركيا في الناتو؟ لا يملك الناتو بالفعل آلية لطرد عضو راهن، فأنقرة وحدها تملك اتخاذ قرار ترك الحلف.

خلال الحرب الباردة، ظلت تركيا وقواتها العسكرية الكبيرة نقطة ارتكاز على الجانب الشرقي للناتو. وفي السنوات الأخيرة، كانت هي أبرز مساهم لمهام الحلف في أفغانستان.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تراجعت الليرة التركية بشدة أمام الدولار الأمريكي

لكن تركيا كانت في كثير من الأوقات حليفا مثيرا للمشاكل. فقد أدت مناوشاتها المتكررة مع عدوها التاريخي، اليونان، في بحر إيجة إلى حدوث توترات، لكن غالبا ما جرى احتواء الأمر عبر عضويتهما المشتركة في الناتو.

ولطالما شعرت تركيا بقلة قيمتها مقارنة بشركائها، الذين وافقوا فقط على نشر طائرات أقل قدرة في تركيا خلال عملية عاصفة الصحراء عامي 1990 و1991، عندما دعت أنقرة إلى دعمها لتوفير حماية من أي انتقام من جانب نظام حكم صدام حسين في ذلك الوقت.

وعلى النقيض، دعت تركيا الناتو مرة أخرى مع بداية الحرب الأهلية السورية إلى إمدادها بوحدات دفاع مضادة للصواريخ من الحلفاء خوفا من احتمال استهدافها من قوات حكومة الرئيس السوري بشار الأسد. وقد حصلت تركيا بالفعل على هذه الوحدات.

بيد أن الحرب السورية تسلط الضوء على التحول في موقف تركيا. فقد سعت أنقرة إلى أن تصبح قوة إقليمية رئيسية، حيث دعمت المعارضة بشدة، وأحيانا الإسلاميين على الأرض، حرصا على الإطاحة بنظام حكم الأسد.

ومع تعثر هذه السياسة الآن، تسعى تركيا إلى ضمان مصالحها من خلال تعزيز التعاون الوثيق مع موسكو.

وكانت علاقتها قد تعقدت مع الولايات المتحدة بعد أن عارضت أنقرة بشدة دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد في سوريا.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تبني تركيا علاقات مع روسيا

وجاء قرار تركيا بشأن شراء نظام دفاع جوي روسي، فيما تسعى لاستلام 100 طائرة من طراز إف-35، أحدث طائرة حربية في ترسانة واشنطن، مرة أخرى ليؤكد نهج تركيا غير العادي تجاه شؤون التحالف.

ومهما كان التوتر التركي الراهن مع واشنطن، والذي امتد إلى توتر مع الناتو، من الصعب أن نشهد توفير العلاقة الروسية نفس المستوى من المكانة أو الضمانات الأمنية أو الخبرة الفنية.

إذن ما هي الروابط بين أنقرة والاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن أن تمثل التوترات الأمريكية والتركية فرصة للأوروبيين؟

تنتقد كثير من دول الاتحاد الأوروبي بشدة الاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، غير أن الاتحاد يرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد التركي.

وتشير علامات واضحة، مثل إطلاق سراح جنديين يونانيين والمدير المحلي لمنظمة العفو الدولية، إلى أن الرئيس أردوغان لا يرغب في نشوب أزمة كاملة مع الاتحاد الأوروبي في ذات الوقت الذي يختلف مع الرئيس ترامب.

وإن كانت تركيا قد حُرمت بالفعل من عضوية الاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور، فمازال في جعبة أردوغان بطاقة الهجرة.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تسعى تركيا إلى شراء طائرات حربية أمريكية من طراز إف-35

ومع شن الحكومة السورية هجوم في محافظة إدلب التي تقع على الحدود مع تركيا، قد يكون الكثير من الاجئين في طريقهم إلى البلاد.

والاتحاد الأوروبي يدرك جيدا أن اتفاق الهجرة مع أنقرة كان فعالا في الحد من تدفق اللاجئين إلى الاتحاد منذ عام 2016. وكانت تركيا قد حصلت على مساعدات اقتصادية كبيرة في مقابل الاتفاق، ومن غير المرجح أن ترغب في تعطيل هذه العلاقة في وقت تتفاقم الأزمات في الداخل.

وقد تتحسن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في الأجل القصير، عندما يزداد توتر علاقتها مع واشنطن.

لكن الاتجاه الراهن الذي تسلكه تركيا يبعد إلى حد ما عن الغرب في الأجل الطويل.

وقد يكون ذلك حتميا في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم يعد لدى واشنطن المكانة الإقليمية التي كانت لها ذات يوم. وقد يسعى الأوروبيون إلى الحصول على ميزة مؤقتة مغتنمين، فرصة المشاكل مع واشنطن.

من ناحية أخرى، تمتلك أنقرة بعض البطاقات القوية التي يمكن أن تستخدمها عندما تواجه بروكسل. لكن أردوغان يأخذ تركيا بشكل أساسي إلى مسار بعيد عن القيم الأوروبية والديمقراطية الليبرالية. وهذا سيحدد علاقته مع الاتحاد الأوروبي في نهاية الأمر.

---------------------------------------

يمكنكم تسلم إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة