أمريكا وإيران: كيف تحولت "اتفاقية الصداقة" إلى موضع نزاع؟

مصدر الصورة EPA
Image caption أحكام محكمة العدل الدولية ملزمة، ولكنها لا تملك سلطة فرض تطبيقها

ليس في ذاكرة من يبلغون من العمر 40 عاما وأقل، في إيران أو الولايات المتحدة أو أي مكان في العالم، أي مشهد من مشاهد الوئام والصداقة بين طهران وواشنطن.

الصورة الحاضرة غالبا محصورة بين ضلع "محور الشر"، كما وصف إيران الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، و"الشيطان الأكبر" كما وصف الولايات المتحدة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني.

خارج هذا الإطار استثناءات قليلة، ولكن ما لم يكن كثر يعلمونه أن بين البلدين اتفاقية صداقة قائمة وغير ملغاة من خمسينات القرن الماضي. وإيران تقاضي الولايات المتحدة اليوم بناء على هذه الاتفاقية في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

لا يشي السور الذي يحيط بمبنى السفارة الأمريكية السابقة في طهران بعلاقة فيها حد أدنى من الود بين البلدين. الجمجمة التي تستقر مكان رأس تمثال الحرية، والعبارات الداعية لإسقاط الولايات المتحدة، والمبنى بحد ذاته بما يحويه اليوم من متحف بعنوان "وكر الجاسوسية"، يرسخ نظرة سوداوية للعلاقة المتأزمة دوما بين الدولتين.

الاتفاق النووي وحده خلال السنوات الأربعين الماضية، الذي غيّر قليلا من المشهد القاتم نحو قليل من التفاؤل، ما لبث أن تداعى مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة بلاده خلفا لباراك أوباما.

الأخير بدا متحفزا لصناعة تغيير في المسار السلبي، وهو ما جعله أول رئيس أمريكي يخاطب زعيما إيرانيا بشكل مباشر منذ سقوط النظام الملكي في عام 1979، عندما هاتف الرئيس حسن روحاني بعد مشاركتهما في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة. كانت تلك سابقة لم تتكرر منذ أن التقى محمد رضا بهلوي، آخر ملوك إيران، بالرئيس الأمريكي حينها جيمي كارتر، الذي كان يزور طهران في الأيام الأخيرة من عام 1977.

لم يكن ذلك اللقاء وحده ميراث بهلوي للثوار الذين أطاحوه بعد الزيارة بسنة وشهر، فهو ترك لهم في درج الملفات اتفاقية صداقة عقدها في أغسطس/ آب عام 1955 مع الرئيس الأمريكي حينذاك دوايت إيزنهاور، والتي أقرت من قبل البلدين ودخلت حيز التطبيق في يونيو/ حزيران 1957. تلك الاتفاقية، ورغم كل التوتر الذي يحكم العلاقة بين البلدين، صمدت بشكل عجيب، وها هي اليوم تعود إلى الواجهة وإن لم يبق منها شيء ليطبق، لا سيما البند الأول الذي ينص على أنه "يجب أن يكون بين الولايات المتحدة وإيران سلام متين ومستمر وصداقة صادقة".

مصدر الصورة AFP
Image caption أُبرمت اتفاقية الصداقة في عهد محمد رضا بهلوي آخر ملوك إيران

صمدت الاتفاقية وإن لم يبق صداقة، ولا علاقات تجارية، ولا علاقات قنصلية، وهي القوائم الثلاثة الرئيسية التي عقدت لأجل تعزيزها الاتفاقية.

في لاهاي، حيث مقر محكمة العدل الدولية، يحمل مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القانون الدولي، محسن محبي، الاتفاقية ويقارن بين بنودها وبين انعكاسات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي على بلاده.

صباح الإثنين تناوب هو وعدد من الوكلاء عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية للترافع أمام هيئة المحكمة والحديث عن خروقات واشنطن للاتفاقية. من بين هؤلاء محامون وأساتذة قانون بريطانيون وفرنسيون، في مشهد ذكّر بالمواجهة الأشهر بين إيران وبريطانيا في عام 1952، في ذات المكان، حول تأميم إيران للنفط.

حينها ظهر رجل آخر، هو رئيس الوزراء الأسبق محمد مصدق، غريم الملك محمد رضا بهلوي، والذي أصر على الوقوف شخصيا في المحكمة إلى جانب الوكلاء، الذين كان بينهم رجال قانون غربيون، للدفاع عن قراره تأميم النفط الإيراني وإخراج شركة النفط الإنجليزية الإيرانية.

حينها فرضت لندن على طهران عقوبات قاسية بهدف إجبارها على التراجع عن القرار، ولما لم يتراجع مصدق كانت النتيجة أن قامت بريطانيا والولايات المتحدة بالتخطيط لانقلاب، عرف بـ"عملية أجاكس"، أطاح به وأنهى أثر التأميم.

مصدر الصورة Reuters
Image caption يرى ترامب أن الاتفاق النووي به عيوب

مصدّق، الذي دفن في عام 1967، حضر بشكل صاخب في مشهد ما بعد الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة دول (5+1) في عام 2015. فقد حذر معارضو الاتفاق من مصير كمصير مصدق الذي وثق بالأمريكيين.

لاحقا، ومع خروج الولايات المتحدة من الاتفاق، شبّه وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، خطوات واشنطن بالانقلاب على رئيس الوزراء السابق. وكتب ظريف بموقع توتير في ذكرى الانقلاب في 19 أغسطس/ آب، قائلا "قبل 65 عاما، قامت الولايات المتحدة بانقلاب على حكومة الدكتور مصدق المنتخبة ديموقراطيا، وأعادت الديكتاتورية ووضعت الإيرانيين تحت سطوتها 25 عاما أخرى. اليوم هناك (مجموعة عمل) تحلم بالقيام بالأمر ذاته من خلال الضغط، والمعلومات المضللة، والديماجوجية. أبدا لن يحدث مجددا".

تريد طهران عبر استخدام ما يمكن وصفه بالدبلوماسية القانونية صناعة عامل ضغط جديد في مواجهة العقوبات التي تفرضها وستفرضها واشنطن عليها. هي تدرك جيدا أن قرارا من محكمة العدل الدولية لصالحها قد يأخذ الملف إلى مجلس الأمن حيث للولايات المتحدة حق النقض (فيتو)، وهو ما يعني موت أي إمكانية لتنفيذ القرار، لكن مجرد وجود قرار دولي يعطي طهران سلاحا قانونيا في مواجهة واشنطن، وهو ما يرسخ لها صورتها التي تريد لها أن تكون.

هي ورقة قوة من وجهة نظر طهران تضاف إلى الورقة المتمثلة بالخروج الأمريكي من طرف واحد من الاتفاق النووي، وهو الأمر الذي أظهر الولايات المتحدة كطرف خارق للاتفاقيات الدولية.

الولايات المتحدة بدورها حولت الجلسة الثانية للاستماع إلى مساحة لإدانة السياسات الإيرانية من خلال ربط العقوبات بمنع إيران من حيازة سلاح نووي، وهو ما قالت عنه المستشارة القانونية لوزارة الخارجية الأمريكية، جينيفر نيوستد، إنه يشكل تهديدا للولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

الاستراتيجية الأمريكية ذهبت مباشرة نحو إسقاط أصل القضية من خلال نفي أن تكون "اتفاقية الصداقة" موضع نزاع، مع الإشارة إلى أن إيران انتهكت هذه الاتفاقية منذ عام 1979، وأن الوضع اليوم مختلف تماما عما كانت عليه الظروف عند توقيعها.

ليست هذه المرة الأولى التي تتواجه فيها الولايات المتحدة وإيران أمام هذه المحكمة خلال العقود الأربعة الماضية.

الدعوى الأولى رفعتها الولايات المتحدة ضد إيران بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران من قبل طلاب ثوريين واحتجاز عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن. لكن واشنطن عادت وتنازلت عن الدعوى بعد اتفاق الجزائر في يناير/ كانون الثاني من عام 1981.

الدعوى الثانية كانت من رفعتها إيران بعد إسقاط البحرية الأمريكية طائرة مدنية إيرانية في صيف 1988 ومقتل 290 راكبا. وبعد سنوات دفعت الولايات المتحدة تعويضات بقيمة 131 مليون دولار، وجرى إسقاط الدعوى بناء على ذلك قبل صدور الحكم.

ثم كانت قضية قصف الولايات المتحدة لحقلي نصر وسلمان الإيرانيين في أبريل/ نيسان 1988، التي حكمت فيها محكمة العدل الدولية لصالح واشنطن.

وأخيرا دعوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد الولايات المتحدة والتي تقدمت بها في عام 2016، متهمة إياها باحتجاز ملياري دولار من أصول البنك المركزي الإيراني، حيث طالبت بإدانة هذه الإجراء الذي باعتباره "معاديا" وكذلك تعويض الأضرار الناجمة عن ذلك. ومن المتوقع أن تبدأ جلسات الاستماع في هذه القضية في أكتوبر/ تشرين أول المقبل.

المزيد حول هذه القصة