"بركة"، حكاية مدرسة في كينيا غيرت حياة صبي أمريكي

ديفون براون وزوجته أوكتافيا وطفلهما، نحميا، نشأوا في ظروف لا تتمتع بمقاومات نجاح كبيرة مصدر الصورة DEVON BROWN
Image caption ديفون براون وزوجته أوكتافيا وطفلهما، نحميا، نشأوا في ظروف لا تتمتع بمقاومات نجاح كبيرة

كان ديفون براون يُفترض أن يكون مجرد واحد من 486 ألف سجين أسمر البشرة في السجون الأمريكية بنهاية عام 2016.

لكن عاما دراسيا واحدا في كينيا خلال دراسته للصف السابع غيرت حياة براون إلى الأبد.

ويقول براون: "في الحقيقة، لقد غيرتني إلى الرجل الذي أنا عليه الآن. من صبي لا يمتلك خيارات كثيرة في مدينة بالتيمور إلى رجل يدير الآن شركة آيس كريم بعائدات تبلغ 400 ألف دولار ويشغل منصب مديرها التنفيذي."

ومرت طفولة بروان بكل أشكال الفشل وعناصره.

ولد براون في التاسع من يناير/كانون الثاني عام 1990 في شرق بالتيمور، وكانت والدته مدمنة للهيروين والكوكايين، بينما كان والده مدمنا شرها للخمور.

وخارج منزلهم، فاقمت الأوضاع القاسية في شوارع بالتيمور الوضع، إذ لم يقدم تجّار المخدرات والمدمنون والأسر المفككة والمدارس المكتظة هناك أملا في صناعة مستقبل أفضل.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تعاني بالتيمور من نسب عالية من جرائم العنف وتجارة المخدرات

وفي الوقت الذي تولى فيه جده وجدته مسؤولية تربيته، كان ديفون صبيا ناقما على ظروفه التي قللت من شعوره بتقديره لذاته.

وقال ديفون لبي بي سي: "كنت أشعر بحرج شديد بسبب وضع أمي غير المستقر، وكان يصعب علي فهم ذلك. فعندما كانت أمي متزنة كانت امرأة رائعة، لكن عندما سيطرت عليها المخدرات كان الأمر مختلفا تماما."

وخلال الدراسة في الصف السادس، فُصل ديفون من الدراسة أكثر من مرة، إذ كان يجد نفسه دائما في الجانب الخطأ من إدارة المدرسة.

فرصة "مثيرة"

وفي أحد الأيام، حضر أحد مسؤولي الموارد البشرية من مؤسسة أبيل، وهي مؤسسة محلية غير حكومية، إلى المدرسة، وقدم عرضا تفصيليا عن أنشطة المؤسسة لطلاب الصف السادس.

وفي العرض، أخبر مافيس جاكسون الصبية عن مدرسة يطلق عليها "مدرسة بركة"، وتعنى النعمة باللغة السواحيلية، التي كانت تعمل في كينيا منذ عام 1996.

وجاءت فكرة "بركة" بعد أن التقت مؤسسة "أبيل فاونديشن" بمديري المدارس ومسؤوليها داخل المدينة وناقشت طرق تحسين الأداء الأكاديمي للطلاب في مدارسهم.

وقال مديرو المدارس إنهم يريدون استبعاد 10 في المئة من الطلاب، ممن يعزفون عن التعلم أو أولئك الذين لا يمكن السيطرة عليهم، وذلك لتحسين الأداء الدراسي داخل المدارس.

مصدر الصورة DEVON BROWN
Image caption واصل ديفون طريقه ليحظى بفرصة عمل ناجحة

ثم قررت "أبيل فاونديشن" البحث عن مكان لإنشاء مدرسة داخلية يتمكن فيها الطلاب المتعثرون من التعلم في بيئة جديدة.

وفكّر مسؤولو أبيل في إنشاء المدرسة في واحدة من المناطق النائية بالولايات المتحدة، لكن إدارتها ستكون حينئذ مكلفا للغاية.

كما درسوا كذلك إنشائها في غرب أفريقيا كموقع محتمل، لكن بعض العراقيل ظهرت في الأفق، وفي النهاية اتفقوا على إنشائها في كينيا في شرق أفريقيا. وساعد في اتخاذ هذا القرار تحدث الناس هناك للغة الإنجليزية وكذلك اعتدال الطقس.

ويقول ديفون أنه كان يبلغ 12 عاما عندما سمع أول مرة عن مدرسة بركة.

وأضاف لبي بي سي: "كنت شغوفا بمعرفة تفاصيل هذه الفرصة. لم أذهب إلى مطار في حياتي، ولم أستقل طائرة وحدي على الإطلاق، لذلك كان هذا أكبر بكثير مما كنت أحلم به."

وبعد مرحلة طويلة من تقديم الطلب وإجراء مقابلة شخصية صعبة، وجدت نفسي على متن طائرة متجهة إلى كينيا في 12 من سبتمبر/أيلول عام 2002، مع 11 فتى آخرين.

وعندما هبطوا في مطار جومو كينياتا الدولي في نيروبي، في ذلك الصباح الدافئ، شعروا جميعا بصدمة ثقافية لا يمكن وصفها بدقة.

وكانت الرحلة من المطار إلى بلدة نانيوكي، التي تبعد 250 كيلومترا، بمثابة أحد الاكتشافات المثيرة.

مصدر الصورة MARY SCANLAN
Image caption المدرسة أنشئت في بدلة نائية بمقاطعة لايكيبيا

ويقول براون وهو يستعيد الذاكرة: "يمكنني أن أتذكر رحلتنا إلى نانيوكي، ورؤية الباعة الجائلين وهم ييبعون بضاعتهم في الشارع، ونحاول نحن في الوقت ذاته إيجاد موطئ قدم بين رعاة البقر الذين كانوا يوجهون ماشيتهم وأغنامهم في الطريق. لم يكن هذا مشهدا مألوفا بالنسبة لصبي من بالتيمور."

وأخيرا، وصلنا إلى مدرسة بركة في "دول دول"، وهي بلدة صغيرة بالقرب من نانيوكي.

وبينما كان الطلاب القادمون معتادين على جميع وسائل الراحة الموجودة في أي مدينة أمريكية، سيتعين عليهم أن يتكيفوا مع الظروف الجديدة، من إمدادات الكهرباء المحدودة، وغياب وجبات الطعام السريعة وألعاب الفيديو، إضافة إلى أن أقرب جيرانهم هي الحيوانات البرية.

مصدر الصورة MARY SCANLAN
Image caption غرف النوم المشتركة في مدرسة بركة كانت على الطراز الكيني التقليدي

وأمضى الصبية عطلاتهم الأسبوعية في تعلم المواد ذاتها التي في مدارسم الأصلية، إلى جانب تعلم اللغة السواحيلية كمادة إضافية وحيدة.

وقال رئيس "أبيل فاونديشن"، روبرت سي إمبري الابن، لبي بي سي: "ما جعل عملية التعلم في مدرسة بركة فعالا هو حجم الفصل الدراسي الصغير، والمدرسون الذي يتمتعون بدرجة عالية من التركيز، ومصادر الإلهاء القليلة، والبيئة الهادئة البعيدة عن بؤر الجريمة. كان متوسط حضور الطلاب في بالتيمور 60 في المئة، بينما لم يكن لدى الطلاب في بركة أي خيار سوى تحقيق 100 في المئة من نسبة الحضور."

وأضاف: "أتذكر التجول في الحديقة الوطنية من حولنا، ورؤية تلك الحيوانات الرائعة. كما كنا نترك المدرسة ونذهب إلى حمام السباحة في المدينة أو نلعب كرة السلة وكرة القدم أمام الفرق الزائرة. حتى إننا تسلقنا جبل كينيا الذي استغرق تسلقه ثلاثة أيام تقريبا."

كان لهذا المزيج من الحصص الدراسية المركزة والأنشطة الإضافية المدهشة للمناهج الدراسية الأثر المناسب على الطلاب، ما أدى إلى تحسين أدائهم الدراسي، كالرياضيات والقراءة، إلى درجة كبيرة.

مصدر الصورة MARY SCANLAN
Image caption ديفون براون اكتشف المذاق الخاص للأطعمة الكينية

ومرّ العام بسرعة كبيرة، وقبل العطلة الصيفية بوقت قصير عاد الصبية إلى الولايات المتحدة، متوقّعين العودة إلى إلى مدرستهم في سبتمبر/أيلول 2003 لبدء السنة الدراسية الجديدة.

لكن هذا لم يحدث، وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرا حول السفر إلى كينيا في مايو/أيار عام 2003 دعت فيه الأمريكيين إلى تأجيل السفر غير الضروري إلى كينيا.

وقال براون: "أغلقوا المدرسة خلال هذا الصيف بسبب وقوع اضطرابات في البلاد، وأخبرونا أنهم سيضطرون إلى تعليق المشروع. حتى إن السفارة هناك أغلقت أبوابها مؤقتا. لقد كان الأمر مؤسفًا للغاية".

وبلغ إجمالي الطلاب الأمريكيين الذين تخرجوا في مدرسة بركة 120 على مدار سبع سنوات.

مصدر الصورة MARY SCANLAN
Image caption ديفون الصغير، في قميصة الأحمر، تمكن من النجاح في بيئته الجديدة في كينيا

اكتشف ديفون محور تركيز جديدا وأعمق في الإيمان بالله بعد قضائه هذا العام الدارسي في كينيا. وأنهى ديفون دراسته الثانوية، وتخرج في وقت لاحق في كلية ميريلاند للفنون.

ورفع العام الدراسي الذي قضاه ديفون في كينيا، إلى جانب إطلاق فيلم وثائقي بعنوان "صبية بركة" في عام 2005، مكانته في بالتيمور، ومنحه الفرصة للحديث مع مجموعات عدة حول خبرته.

"الحياة تتغير إلى الأفضل"

وخلال دراسة الجامعية، طُلب من ديفون براون الانضمام إلى مجلس إدارة شركة "تهاركا" لصناعة الآيس كريم.

وكان ديفون سفيرا جيدا للعلامة التجارية للشركة التي سُميت بهذا الاسم تيمنًّا بـ "تاهاركا مكوي"، الذي كان يبلغ 25 عاما، وهو معلم محلي قتل بالرصاص بوحشية في يناير/كانون الثاني عام 2002.

ولم يكن هدف الشركة هو تحقيق الأرباح فحسب، بل كذلك إلهام رواد الأعمال الصغار في الضاحية الفقيرة.

وبعد أن تخرج ديفون في الكلية، ترقى في وظيفته ليصبح المدير التفيذي لشركة الآيس كريم، ويتفاخر ديفون بنجاحه في الشركة بعدما تمكن من زيادة أرباحها من 100 ألف دلولار سنويا إلى 400 ألف دولار.

مصدر الصورة MARY SCANLAN
Image caption ديفون يقول إن حجم الفصل الدراسي الصغير والمدرسون الذين يتمتعون بدرجة كبيرة من التركيز وقلة مصادر الإلهاء والبيئة الهادئة حول المدرسة ساعدته على التعلم

ويدير ديفون الآن شركته الخاصة للتسويق في ميريلاند، ويعتني بأولاده الثلاثة هو وزوجته أوكتافيا براون.

وقال ديفون لبي بي سي: "تحولت حياتي إلى الأفضل. وكذلك نجح بعض الطلاب الذين ذهبنا سويا إلى كينيا في حياتهم، لكن آخرين لم ينجحوا. فهم لا يزالون في مستنقع المخدرات وغيرها من أشكال الانحراف. كل شخص عليه أن يقرر خياراته الخاصة."

ويحلم ديفون بأخذ أسرته إلى كينيا في يوم من الأيام لإطلاعهم على المدرسة والأرض التي غيرت حياته.

وقال: "علمت أن أفريقيا ليست سيئة كلية، فليس الجميع فقراء في هذه القارة، وليس الجميع يعانون. لا يوجد أشخاص عراة يركضون كل خمس ثوان كما يصورونهم في الأفلام."

المزيد حول هذه القصة