كيف عاش جورج بوش الأب حياته؟

جورج بوش الأب عام 2011 مصدر الصورة Getty Images
Image caption جورج بوش الأب عام 2011

لم يكتفِ الأميركيون بإعلان الحداد بعد وفاة بوش الأب بل امتد حدادهم ليشمل اختفاء حقبة سياسية سادت في الماضي. فالرئيس السابق جورج هيربرت ووكر بوش كان آخر رئيس في جيل أمريكي مختلف، إذ كان معتدلاً في الداخل الأمريكي بعدما تعهد بصدق في عام ١٩٨٨ بجعل بلاده أكثر لطفاً ورقة، كما كان براغماتياً وهو يراقب بحذر صعود الأصوليين الأيديولوجيين في الحزب الجمهوري الذين قدسوا تخفيض الضرائب وشيطنة الحكومة.

وفاة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب عن 94 عاما

جورج بوش الأب .. نعاه كويتيون بـ"الكحيلان" و سماه آخرون "عراب الحروب"

وبالنسبة لكثيرين، مثلت وفاة بوش نهاية عصر كان في الحقيقة قد وصل إلى نهايته قبل ربع قرنٍ مضى، وبالضبط في مطلع التسعينيات مع تحول جيلي عن السياسيين من أمثال جورج بوش الذي شارك في الحرب العالمية الثانية وجرى اختباره في ساحة القتال إلى أولئك الذين ولدوا إبان فترة الارتفاع العالي في معدل المواليد التي أعقبت سنوات ما بعد الحرب، من أمثال بيل كلينتون والسيناتور نوت غينغرتش، الذين قضوا سنوات نشأتهم في إضرام نار معارك ثقافية في سنوات الستينيات وكانت سياساتهم أكثر حزبيةً.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption جورج بوش الأب يصافح نظيره السوفياتي ميخائيل غورباتشوف

وعلى غرار هاري ترومان، وهو رئيس آخر ذو سياسات خارجية عظيمة لم يحظ بالتقدير الكافي في عصره، يقدم بوش نموذجاً بارزاً على تطور سمعة الرئيس على مدار السنوات الماضية وكيف يُعاد تقييم الإرث، وكيف أن خصالا قد توصف في الحاضر بالضعف يمكن أن تراها الأجيال المستقبلية فضائل ومزايا.

فالأجيال بالتأكيد أكثر كرماً من واضعي عناوين الأخبار الذين سخروا منه باعتباره ضعيفاً وشخصا غير ذي قيمة، وقد جاء في وضعٍ غريب بين شخصيتين أكثر أهمية هما دونالد ريغان وبيل كلينتون.

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
ترامب يصافح أوباما ويتجاهل "كلينتون" في جنازة بوش

ولكن بوش بأسلوبه الأقل ميلاً للاستعراض كان أيضاً سياسياً محدداً لمعالم عصره الذي لم يدم طويلاً، ومع ذلك فقد تبين أنها كانت سنوات عز الهيمنة الأميركية التي لم يكن لها نظير.

وكي لا نقع في فخ المغالاة، وهي نزعة عصرية في عالم يُنعى فيه عظماء السياسة على نحوٍ متزايد، من المستحسن تسليط الضوء على محطات أخفق فيها بوش.

نبذة عن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب

بالصور: محطات رئيسية في حياة جورج بوش الأب

مصدر الصورة Getty Images
Image caption بوش متحدثا مع كلينتون

فعندما كان يخوض معركة الرئاسة في ١٩٨٨، سلك طريقاً سيئة إذ شكك في وطنية منافسه الديمقراطي، مايك دوكاكيس، لاجئاً إلى تأجيج المخاوف العرقية.

ولم تكن حملة بوش الانتخابية هي من قامت بتصميم إعلان Willie Horton سيء الصيت بل كان وراءه لجنة حراك سياسي مؤيدة لبوش، الا أنه بُث على التلفزيون لمدة ٢٥ يوماً قبل أن يدينه المرشح الرئاسي.

وقال رئيس الحملة الانتخابية لبوش، لي أتواتر، معلقاً على الهدف من تصوير دوكاكيس كليبرالي نخبوي متهاون مع الجرائم: "إذا كان من الممكن ان أجعل Willie Horton شخصية معروفة، فسنكسب الانتخابات"، ومن البديهي أن يكون قد قال ما قاله بمباركة من مرشحه.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عائلة بوش تتابع أخبار نتائج الانتخابات الرئاسية سنة 1988

أما الرسالة المهذبة التي كتبها بوش لبيل كلينتون في يوم تنصيبه في يناير / كانون الثاني عام ١٩٩٣ وقال فيها: "إن نجاحك نجاح للوطن" فهي تحتاج أيضا إلى أن توضع في سياقها، فبوش لم يعتقد أن كلينتون يمتلك من المقومات الشخصية ما يؤهله ليصبح رئيساً، وفي يومياته سجل ردة فعله إزاء جندي رفع إبهامه له خلال حفل التنصيب، فكتب يقول:" يجب أن أذكر أنني قلت لنفسي: كيف بحق السماء يمكن لهذه البلاد أن تنتخب هذا الشخص الذي تهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية؟".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مع الجنرال نورمان شوارزكوف في السعودية عام 1990

وقبيل انتخابات عام ١٩٩٢، كان بوش، ذلك الطيار البحري السابق الذي أطلق عليه اليابانيون النار فوق المحيط، يستهين بمنافسه الأصغر سناً الذي لم يخدم في حرب فيتنام ولم يرتدِ قط زياً عسكرياً حتى أنه قال بالحرف الواحد :" الشعب الأميركي لن ينتخب أبداً شخصا مثل بيل كلينتون".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption مع جورج بوش الإبن وروبن وبربارا في عام 1950

وعندما كان في منافسة على مقعد مجلس الشيوخ في تكساس عام ١٩٦٤، عارض بوش، الشاب آنذاك، قانون الحقوق المدنية الذي يُنهي الفصل العنصري في الجنوب كما سخر من مارتن لوثر كينغ واصفاً إياه بـ "العسكري".

ولكن حتى بالعودة سنوات للوراء حتى منتصف الستينيات عندما بدأ محور الحزب الجمهوري ينتقل من وول ستريت الى ولاياتOld Confederacy وجنوب غربي Sun Belt، عبر بوش عن قلقه إزاء التطرف المتنامي لحركة المحافظين.

وقال في أعقاب هزيمته في عام ١٩٦٤ :"عندما تصبح كلمة "اعتدال" غير مرغوب بها علينا أن نقوم ببعض البحث الروحي، أريد أن تكون المحافَظَة حساسة وديناميكية وليست مقدسة أو رجعية".

وبحلول عام ١٩٨٨، عندما فاز بترشيح حزبه له لمنصب الرئيس متغلباً على المزيد من المنافسين اليمينيين تحولت كلمتا "حساس وديناميكي" إلى "ألطف وأرق".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption جثمان جورج بوش الأب

وقد حاول دونالد ترمب في الآونة الأخيرة تقليد خطاب "الألف نقطة ضوء" الشهير لبوش فسأل الحاضرين: "ما الذي جرى؟" ولكن بالنسبة لبوش كانت هذه الكلمات تحدد علامة مميزة وكانت في جزءٍ منها تصحيحاً لتجاوزات"الجشع جيد" في سنوات إدارة ريغين، وفي جزءٍ آخر منها كانت تعبيرا عن الالتزام بالنبل الذي تشربه كابن للأرستقراطية الأميركية وربما أيضاً تعبيرا منه عن فجيعته كأب بفقدان ابنته المحبوبة روبن بعد إصابتها سرطان الدم عندما كانت في الثالثة من العمر.

وللمفارقة، لا أحد أفضل من بوش يجسد إعادة التكيف الجغرافي للحزب الجمهوري فهو سليل عائلة مصرفية وابن سيناتور أرستقراطي أصبح تاجر نفط وسياسيا.

--------------------------------------

يمكنكم استلام إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة