من هو بن لادن البوذي؟

مصدر الصورة Reuters
Image caption يواجه آشين ويراثو مشكلة بعد أن هاجم سوكي

يصف المساجد بأنها قواعد للعدو، ويشير إلى المسلمين على أنهم "كلاب مجنونة" ويتهمهم "بخطف واغتصاب النساء البورميات" و "التكاثر بسرعة فائقة".

على مدار سنوات، منحت سلطات ميانمار الحماية والرعاية لآشين ويراثو، أكثر الرهبان البوذيين إثارة للجدل في العالم، مما مكَّنه من الاستمرار في إلقاء خطبه النارية.

ولكن بعد الهجوم على أونغ سان سوكي الحائزة على جائزة نوبل، يبدو أن سلطات البلاد أدركت أنه تجاوز الحدود، وهو الآن يواجه الاعتقال بموجب قوانين الفتنة. فمن هو هذا الراهب؟

بداياته

خطف ويراثو (51 عاماً) لأول مرة الأضواء عام 2011، بعد شنّه حملة لمقاطعة الأعمال التجارية التي يمتلكها المسلمون.

واعتقل عام 2003 وحكم عليه بالسجن لمدة 25 عاماً، لكن صدر عفو عام وخرج من السجن عام 2010.

ويبدو أن السجن لم يحد من عدائه الشديد ضد الأقليات المسلمة في البلاد. إذ تتميز خُطبه بأمثال بوذية مصحوبة بجرعة كبيرة من النزعة القومية.

يتحدث بهدوء واضح خلال المقابلات الصحفية، لكنه يتحول إلى شخص عاطفي أثناء حديثه في الاجتماعات العامة. وغالباً ما تغذي كلماته العداء للإسلام في البلاد.

شن حملة من أجل سن قانون لحظر زواج المسلمين من البوذيات بشكل فعال وقال: "لا تقلل من شأن الثعبان لأنه صغير الحجم، المسلمون مثلهم".

سريلانكا وميانمار: لماذا يتجدد العنف بين البوذيين والمسلمين؟

تعرف على كهنة ميانمار البوذيين المتشددين

مصدر الصورة AFP/Getty Images
Image caption هرب مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا من ميانمار بسبب العنف في عام 2017

حظر

بدأ ويراثو باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالة مفادها أن الثقافة البوذية في البلاد ستنقرض وتختفي مع زيادة أعداد المسلمين.

وفي نهاية المطاف، أدرجه موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، في القائمة السوداء في يناير/كانون الثاني 2018، بعد نشره منشورات نارية استهدفت أقلية الروهينجا المسلمة، لكنه لم يهتم للأمر وقال إنه سيستخدم منصات بديلة لنشر خطاباته.

وقال "عندما يغلق فيسبوك حسابي، سألجأ إلى يوتيوب، لكن الأخير ليس منتشراً على نطاق واسع بما فيه الكفاية، لذلك سأستخدم تويتر لمواصلة العمل القومي".

وينشر مقاطع خطاباته المصورة عبر موقع التواصل الاجتماعي الروسي "VK".

لكن، لم يتم حظره من قبل فيسبوك فقط، ففي أبريل/نيسان الماضي، مُنع من إلقاء خطبة في تايلاند المجاورة ذات الغالبية البوذية.

مسلمو الروهينجا في ميانمار: بلا جنسية ولا يريدهم أحد

مصدر الصورة Getty Images
Image caption استخدم ويراثو وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك التقليدية مثل الكتب والأقراص المدمجة لنشر رسالته

"بن لادن البوذي"

ترافق صعوده السريع مع زيادة معاناة المسلمين في ميانمار، الذين يشكلون خمسة في المئة فقط من السكان.

وفي يوليو/تموز 2013، نشرت مجلة "تايم" الأمريكية صورته على غلافها تحت عنوان "وجه الإرهاب البوذي".

وقال لبي بي سي في عام 2013: "يُساء فهمي وأتعرض للهجوم، أعتقد أن هناك من يدفع للإعلام لتشويه سمعتي، وبالتأكيد يتحكم المسلمون بوسائل الإعلام الالكترونية".

ووُصِف بأنه "بن لادن البوذي" في فيلم وثائقي أنتج عام 2015، وهو اللقب الذي تبنته بسرعة بعض وسائل الإعلام الغربية، لكنه يرفض المقارنة ويقول: "أمقت العنف ولا أرغب حتى في الرد بطريقة غير لائقة".

الجيش في ميانمار يبرئ نفسه من الانتهاكات ضد مسلمي الروهينجا

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يُعتبر ويراثو على نطاق واسع أكثر الرهبان عداءً للمسلمين لكنه يقول إنه يحمي دينه وثقافته فقط.

تقرير الأمم المتحدة

يثير ويراثو الجدل ويعتاش عليه. فعندما أرسلت الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً في عام 2015 للتحقيق في محنة الأقلية المسلمة في ميانمار، وصف ويراثو، الدبلوماسية الكورية الجنوبية التي ترأست البعثة، يانجهي لي، بأنها "كلبة وعاهرة".

وجاء في تقرير للأمم المتحدة صدر العام الماضي، إنه يجب التحقيق مع كبار الشخصيات العسكرية في ميانمار، بتهمة ممارسة الإبادة الجماعية في ولاية راخين. وفي أعقاب ذلك، فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً أولياً بذلك.

رفضت حكومة ميانمار تقرير الأمم المتحدة، وشنّ الراهب حملة مضادة على التقرير.

وقال لأنصاره خلال تجمع حاشد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي إنه في "اليوم الذي تصل فيه المحكمة الجنائية الدولية إلى هنا، سيكون اليوم الذي يحمل فيه ويراثو السلاح".

مصدر الصورة Getty Images
Image caption أثارت مبعوثة الأمم المتحدة يانغهي لي غضب ويراثو بعد أن قالت في تقريرها إن العنف ضد أقلية الروهينجا يحمل "بصمات الإبادة الجماعية".

أزمة الروهينجا

ألقي باللوم على أنصار وأتباع ويراثو في أعمال العنف ضد المسلمين في ولاية راخين التي بدأت عام 2012، وبلغت ذروتها بنزوح أكثر من 700 ألف شخص إلى بنغلاديش المجاورة.

وفي مقابلة مع صحيفة "غارديان" عام 2017 ، قال: "إن أونغ سان سوكي تحاول مساعدة البنغاليين، لكنني أعيقها وأمنعها".

وغالباً ما يصف القوميون البورميون مسلمي الروهنجيا بأنهم "بنغاليون"، وهو مصطلح يستخدم للإيحاء بأنهم غرباء. واتهم ويراثو حزب "الرابطة الوطنية للديمقراطية" الحاكم باتباع أجندة إسلامية سرية.

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
1500 مسلم روهنجي "يفرون من ميانمار كل ساعة"

البوذية

رغم عدم وجود دين رسمي للدولة، إلا أن المجتمع في ميانمار متأثر بشدة بالبوذية، وما يقارب 90 في المئة من السكان ملتزمون بالدين. وكانت الأديرة تحظى برعاية الدولة لعدة قرون، وتوقف ذلك في القرن التاسع عشر خلال مرحلة الاستعمار البريطاني.

وتنتشر المعابد البوذية الفارهة في ريف ميانمار الخصب الذي يرويه مياه نهر إيراوادي وغيره من الأنهار، وتمتلك الأديرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

وعاشت البلاد فترات طويلة في ظل الديكتاتوريات العسكرية، ولديها جيش دائم قوامه أكثر من 400 ألف عسكري. ويقدر عدد الرهبان البوذيين بأكثر من نصف مليون راهب، جميعهم يحظون بمكانة اجتماعية مرموقة تصل إلى درجة التبجيل.

مصدر الصورة Reuters
Image caption أجبرت الحملة العسكرية العنيفة أكثر من 700 ألف من مسلمي الروهينجا على اللجوء إلى بنغلاديش المجاورة

" ابن بوذا"

ارتبط ويراثو في بداياته باسم منظمة تدعى حركة "969" التي يقول أنصارها إن رقم 9 الأول يرمز إلى السمات الخاصة ببوذا، أما الرقم 6 فيشير إلى الشخصيات الخاصة في التعاليم البوذية، ورقم 9 الأخير يمثل صفات جماعة الرهبان.

لكن في الواقع كانت حركة 969 معروفة بحملتها المعادية للمسلمين وكانت تتلقى الدعم من الدولة.

ففي عام 2013، قال ثين سين، رئيس ميانمار حينها، علناً إنه يدعم الحركة، ووصف ويراثو بأنه "ابن بوذا".

وأصبح ويراثو لاحقاً رئيساً لمنظمة "ماباثا" أو الرابطة الوطنية لبورما، التي أبصرت النور في عام 2014، وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء البلاد قبل حظرها عام 2017.

استمر ويراثو في النشاط دون عائق من مقره في دير "ماسووين" الهادئ في ماندالاي، آخر عاصمة للمملكة.

Image caption للبوذية جذور عميقة في ميانمار ولها تأثير عميق على المجتمع

أقام في مقره معرضاً دائماً لصور "ضحايا عنف المسلمين" على حد قوله.

وقال في حواره مع بي بي سي عام 2013، "يتصرف المسلمون بطريقة جيدة عندما يكونون ضعفاء، لكن ما أن يصبحون أقوياء حتى يتحولون إلى ذئاب أو بنات آوى، ويبدأون بصيد الطرائد الأخرى في مجموعات كبيرة". وأضاف: المسلمون لا يرون أحداً سواهم بمستوى البشر، يهاجمون المسيحيين والهندوس أيضاً، إنهم ضد الكل".

وأوضح: "إن لم تصدق ما أقوله، أعطِ مالديك من تكنولوجيا نووية لطالبان، سيختفي بلدك من الوجود".

مصدر الصورة AFP
Image caption بسبب الكاريزما التي يتمتع بها ويراثو، حظيت حركة ماباثا بشعبية كبيرة في البلاد

تأثير واسع

ويراثو في ترحال دائم ويقيم صلات مع مجموعات سريلانكية بوذية تسمى " Bodu Bala Sena " أو " BBS ".

ويرأس منظمة "BBS " رهبان سريلانكيون يتبعون بدورهم لطائفة "تيرافادا" البوذية. واكتسبت BBS سمعة سيئة بسبب حملاتها العنيفة ضد المسلمين.

وقال ويراثو أمام تجمع في كولومبو عام 2014: "اليوم البوذية في خطر، نحتاج إلى الاتحاد بقوة إذا سمعنا أجراس الإنذار".

ومُنع ويراثو من قبل الأديرة التقليدية في مجلس سانغا المدعوم من الحكومة، من إلقاء الخطب لمدة عام كامل في عام 2017.

لكن مشاكله الحقيقية بدأت عندما بدأ بالتهجم على شخصيات البلاد الأكثر شعبية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption عرض ويراثو صوراً بشكل دائم يقول إنها لضحايا "عنف المسلمين".

الهجوم على أونغ سان سوكي

وصف ويراثو أمام حشد كبير في أبريل/ نيسان الماضي الزعيمة السياسية سان سو كي قائلاً: "إنها تلبس مثل عارضات الأزياء وتضع المكياج وتلبس أحذية أنيقة ذات الكعب العالي، وتهز مؤخرتها امام الأجانب".

وفي خطاب آخر ألقاه في مايو/أيار، اتهم أحد أعضاء الحكومة "بمضاجعة أجنبي".

وكانت سو كي رهن الإقامة الجبرية التي فرضها النظام العسكري بعد أن مات زوجها الأكاديمي البريطاني مايكل آريس بمرض السرطان عام 1999.

ويقول ميات ثو، أحد الرهبان المعروفين وأحد مؤسسي مركز أبحاث فكري يسمى كلية يانغون للعلوم السياسية، إن ويراثو محبوب جداً وتزداد شعبيته بين أنصاره عندما يستهدف المسلمين في خطاباته.

ويُنظر إلى أونغ سان سو كي التي درست في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، على أنها الزعيمة الفعلية للبلاد، و لقبها الرسمي هو مستشار الدولة، وهي مقربة من الرئيس الحالي وين مينت.

وبموجب الدستور لا يحق لمن يحمل أبناؤه جنسية أجنبية تولي منصب رئيس البلاد كما هو حال سان سو كي.

Image caption تحظى شخصية أونغ سان سو كي باحترام كبير في البلاد

وتسعى الحكومة المدنية الآن، إلى التخلص من القيود التي تمنع أونغ سان سو كي من تولي المنصب الرفيع، لكن ويراثو يعارض التغييرات الدستورية المقترحة.

ويضيف ميات ثو: "تحظى أونغ سان سو كي باحترام كبير، فحتى الرهبان المتشددون الذين يقفون في صف ويراثو، يجدون صعوبة في تأييده ضد سو كي".

ويقول ميات: "لو كان ويراثو يعارض التعديلات الدستورية فقط، لكان من الصعب على الحكومة اتخاذ أي إجراءات ضده، لكنه يشن هجوماً شخصياً على سو كي، وهو الأمر الذي لا يروق للرأي العام".

لقد سهل الأمر على الحكومة إتخاذ إجراءات ضده.

لكن ويراثو يتحدى الحكومة ويقول: "إذا أرادت الحكومة أن تعتقلني فلا مانع من ذلك".

----------------------

يمكنكم تسلم إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة