صورة عن محنة المهاجرين وسط أدغال كاليه بفرنسا

لاجئون في فرنسا
Image caption يأتي مئات اللاجئين إلى فرنسا حاملين معهم حلم العبور إلى "أرض الأحلام": بريطانيا

على طريق مُنزلق بالقرب من ميناء مدينة كاليه الواقعة شمال فرنسا، راحت حفنة من الرجال الأفغان، تكسو ثيابهم ورؤوسهم طبقة من الغبار، يتحلقون حول صنبور ماء وحيد، لعلَّهم يستطيعون أن يملأوا بعض الزجاجات والقوارير بالماء ويغسلوا أرجلهم المتسخة.

لقد حصلوا على مثل هذه الخدمة (أي الحنفية) من فترة قصيرة فقط. فقبل أسابيع خلت كان معظم المهاجرين يعتمدون على مياه البحر، أو حتى على مياه الصرف الصحي التي يحصلون عليها من المصنع الكيماوي المجاور، وذلك لأغراض الغسيل وغيرها.

تعب وإرهاق

تبدو على الفتى همكار، البالغ من العمر 17 عاما والمولود في إقليم هلمند، علامات الإرهاق والإعياء والتعب الشديد من جرَّاء حرارة الشمس الحارقة. ومع ذلك، فهو يقول إنه يشعر بالسعادة لوجود صنبور الماء اليتيم في المكان، وذلك لأنه قد بات بمقدوره الآن أن يحاول الغسيل ولو مرة واحدة في الأسبوع.

إلا أن المعضلة الوحيدة التي يواجهها همكار ورفاقه الآن هي العثور على لحظة الخصوصية، إذ يتقاسم صنبور الماء هذا حوالي 800 شخص ممن باتوا يُعرفون بـ "أفراد الأدغال"، أو "جماعة الأدغال".

لقد غدت تلك "الأجمة" أو "الغابة الكثيفة" بمثابة المعسكر المؤقت الرئيسي، وغير القانوني طبعا، والذي نشأ في تلك الأدغال المحيطة بميناء كاليه، وقد ظهر المخيَّم للوجود بُعيد إغلاق مركز استقبال الصليب الأحمر في مدينة سنكاتيه في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2002.

"مغناطيس" المهاجرين

كان من المؤمَّل أن يكبح إغلاق مركز سنكاتيه، والذي كان بمثابة المغناطيس الذي يجذب إليه المهاجرين الساعين لعبور القناة إلى بريطانيا، جماح الهجرة ويوقف تدفق اللاجئين وطالبي اللجوء السياسي، إلاَّ أن عدد هؤلاء قد تضخََّم وتصاعد بشكل كبير.

وقد حدت تلك الزيادة في أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بهيئة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إقامة مكتب دائم للاجئين في الميناء الواقع شمالي البلاد.

يقدِّم المكتب النصح لطالبي اللجوء السياسي ويساعد المهاجرين على اتخاذ قراراتهم بعد أن يكونوا قيد أُحيطوا علما وأُطلعوا على ما يمكن أن يحيط بهم من ظروف قادمة.

يدعوني موسى إلى إلقاء نظرة بنفسي على ما هو موجود داخل الغابة. وهكذا ألفي نفسي ألحق به وسط الرمال إلى داخل المناطق التي تحف بها الأشجار الكثيفة.

مدينة الأكواخ

نقطع مسافة مائة متر فقط داخل الغابة، فأجد نفسي في قلب المعسكر المؤقت. إنه مخيَّم يفتقر لأدنى شروط الصحة والنظافة. فهو مدينة من الأكواخ، تعجُّ بكميات كبيرة من الأوساخ والمهملات والفضلات الملقية في المكان كيفما اتفق. يبدو المخيَّم وكأنه قد بُني على وسط مزبلة أو مكب للنفايات.

الخيام مشيَّدة من قضبان حديدية وأقفاص دجاج غُطِّيت بالقماش وألواح الصفيح وسلال القمامة. أمَّا الخيمة التي يمكث فيها موسى، ومساحتها حوالي 10 أقدام مربعة، فسقفها عبارة عن صفيحة كبيرة من الورق من النوع الذي تُلف به عادة هدايا عيد الميلاد.

يخبرني موسى كيف أن ثمانية أشخاص ينامون هنا بانتظام في هذه الخيمة الصغيرة للغاية، ولكن يتعيَّن عليهم أحيانا أن يضغطوا أنفسهم ليتَّسع المكان لعشرة أشخاص.

حرارة واختناق

نشعر بحرارة الجو داخل الخيمة إلى حد الاختناق، حتى تلك القطع الصغيرة والعتيقة من البُسُط والحُصُر وممسحات الأرجل التي تُستخدم عادة في السيارات، والتي فُرشت في أرض الخيمة، فتنبعث منها رائحة نتنة أشبه ما تكون برائحة اللحم القديم الفاسد.

لا توجد أسرَّة أو فرش داخل الخيمة. يقول أحد أصدقاء موسى إنه ورفاقه غالبا ما يعانون من مشاكل صحية في الجلد.

ناسد هو الآخر شاب أفغاني يبلغ من العمر عشرين ربيعا، وهو أيضا من إقليم هلمند، وقد أمضى في المعسكر المؤقت في أدغال كاليه ستة أشهر بالتمام والكمال.

وهو أيضا عاقد العزم على الوصول إلى بريطانيا. فهو يسعى مرتين في اليوم لتسلق سيارات الشحن والعربات العابرة، ومن ثم عبور القناة على متنها إلى بريطانيا خلسة دون أن يلحظه أحد. لكن سوء الطالع يلاحقه، إذ يتم اكتشافه على أثر كل محاولة يقوم بها.

بات ناسد الآن يعرف الروتين بشكل كامل، إذ تنتهي كل محاولة برحلة خاطفة إلى مركز الشرطة، فالحصول على إنذار خطي، وأحيانا جلسة في المحكمة، وإن كان يتم إطلاق سراحه لاحقا ليعود إلى الغابة، ومن ثم يبدأ محاولته من جديد.

"حكومة جيِّدة"

أسأل ناسد إن كان قد دفع أي أموال لأشخاص يتاجرون عادة بتهريب المهاجرين من أمثاله، وذلك بعد أن يقطعوا لهم الوعود بمساعدتهم على الوصول إلى أرض الأحلام: بريطانيا. لكنه يهز رأسه بالنفي، قبل أن يردف قائلا: "لا أموال لدي لكي أدفعها".

يقول ناسد إنه أدرك أنه يتعين عليه أن يحاول شق طريقه بنفسه، الأمر الذي جعل الأمور تسير بشكل شاق وعسير بالنسبة له. ومن هنا، أتت قناعته أن عليه أن يحاول العبور إلى بريطانيا مرتين في اليوم.

إلاَّ أن معظم المهاجرين يدفعون فعلا أموالا للمهربين لكي يساعدوهم على العبور إلى بريطانيا. ففي شهر أبريل/ نيسان الماضي، شنت شرطة كاليه غارة كبيرة سعيا لكسر حلقات المهربين والمتاجرين بالبشر. وقد أسفرت الحملة عن إلقاء القبض على أكثر من 190 مهاجرا وتحطيم خيمهم.

يعودون من جديد

لكن المهاجرين عادوا أدراجهم إلى المكان من جديد. وتواجه السلطات الفرنسية في تعاملها مع المشكلة الآن مهمة عويصة وهي تحقيق نوع من التوازن، وهذا أمر عسير وصعب التحقيق للغاية.

فالفرنسيون لا يستطيعون ترك المهاجرين يموتون جوعا من جهة، ولكنهم في الوقت ذاته ليس بإمكانهم أن يقدموا لهم الكثير من المساعدات الإنسانية في حال كان ذلك سيشجع المزيد من المهاجرين على القدوم إلى البلاد.

الإيواء جريمة

وفي فرنسا، تُُعتبر جريمة أن يعمد شخص لإيواء أو نقل المهاجرين الذين لا يوجد لديهم وثائق، وهكذا جريمة يمكن أن ينجم عنها غرامات باهظة، أو حتى أحكام بالسجن.

وقد رصد مؤخرا فيلم سينمائي بعنوان "أهلاً"، وحقق نجاحا باهرا، قضية اللاجئين هؤلاء. يظهر في الفيلم مدرب سباحة مقيم في كاليه وهو يحاول مساعدة فتى كردي مراهق عبر تدريبه على عبور القناة إلى بريطانيا سباحة. لكن، عندما يدعو المدرب الفتى، الشغوف للقيام بمغامرة السباحة إلى الشاطئ الآخر، إلى منزله، يقوم الجيران بالإبلاغ عنه، وينتهي الأمر بإلقاء القبض عليه.

كما أن السلطات الفرنسية تخضع لضغوطات متزايدة من قبل بريطانيا لكي توقف طوفان المهاجرين الساعين لعبور القناة إلى أراضيها.

مناشدة فرنسية

لكن الحكومة الفرنسية تدعو بدورها الحكومة البريطانية لتشديد الرقابة على حدودها، محذِّرة لندن من أن المهاجرين لا زالوا يرون في سوق العمل غير القانوني في بريطانيا بمثابة الأرض الموعودة بالنسبة لهم.

Image caption تخضع فرنسا لضغوطات بريطانية لكي توقف طوفان المهاجرين الساعين لعبور القناة إلى أراضيها

ويقول العديد من المهاجرين هنا في أدغال كاليه إن كون بريطانيا لا يوجد فيها حتى الآن نظام لبطاقات الهوية الشخصية يجعل من المملكة مكانا أسهل على المهاجر غير الشرعي أن يجد فيه عملا.

وبالعودة إلى خيمة موسى ورفاقه، نلتقي مع كاب الذي هرب من أفغانستان في أعقاب نشوب خلافات عائلية في منطقة العاصمة كابول التي كان يقطن فيها.

يسأل كاب لماذا لا تستطيع بريطانيا إنهاء محنته ورفاقه وتدع الرجال الـ 800 في المعسكر يغادرون الأدغال ويتوجهون للعيش في ربوعها؟

ويضيف: "لقد أتينا إلى هنا لأنه لدينا مشاكل في أفغانستان، ولسنا هنا لإيجاد وظائف."

ويختم كاب بقوله: "لدينا مشاكل في المياه، ولدينا مشاكل مع الأطباء، ولدينا مشاكل مع النوم. أريد أن أقول ببساطة: النجدة. رجاء ساعدونا."