بريطانيا: الحكومة تناشد المدارس تحديد مؤشرات الزواج القسري

قيد
Image caption يتم الإبلاغ في بريطانيا سنويا عن حوالي 5000 حالة زواج قسري

أعلنت الحكومة البريطانية أنها بصدد نشر دليل جديد يحثُّ المدارس، قُبيل بداية العطلة الصيفية، على تحديد العلامات والمؤشرات التي تدل على إمكانية حدوث الزواج القسري للطلاب.

وقد جاءت خطوة نشر الدليل الجديد في الوقت الذي أثار فيه تقرير رسمي أسئلة عدة بشأن إخفاق بعض المدارس والمجالس المحلية بالتصرف السريع واتخاذ الإجراءات المناسبة في الحالات التي تظهر فيها شكوك أو أدلة واضحة على وقوع حالات انتهاك لحقوق بعض الطلاب والطالبات من خلال إرغامهم على الزواج ممن لا يرغبون به.

ويدعو التقرير المدارس للعب دور وقائي أكبر بغية منع حدوث مثل تلك الحالات، قائلا إن البعض يتلكَّأ بشكل واضح في إقحام أنفسهم في مثل هكذا أمر أصلا.

نجدة ومساعدة

تقول وحدة الزواج القسري (أو الزواج بالإكراه) التابع للحكومة البريطانية إنها تلقت خلال العام الحالي 770 مكالمة من أشخاص يطلبون النجدة أو المساعدة في أمور تتعلق بالزواج القسري، وبذلك تكون نسبة الشكاوى في هذا المجال قد ارتفعت في البلاد بمعدل 16 بالمائة عن العام الماضي.

وأضافت الوحدة، التي تُدار بشكل مشترك بين وزارتي الداخلية والخارجية، إنها تلقت أيضا 1600 تقرير العام الماضي حول الزواج بالإكراه، وقد تدخلت الوحدة المذكورة بـ 420 حالة حصلت فعلا.

كما أصدرت المحاكم البريطانية 36 أمرا قضائيا بمنع حالات الزواج بالإكراه، ومنحت المحاكم السلطات المختصة سلطة قضائية مؤخرا تخولها وتمكنها من منع إرغام أي كان على الذهاب إلى خارج البلاد ضد إرداته بقصد إتمام الزواج بشكل قسري في الخارج.

ويُقدِّر الخبراء والمختصون عدد حالات الزواج الإجباري في بريطانيا بـ 5000 آلاف حالة على الأقل سنويا، رغم أنه من المستحيل عمليا معرفة عدد الحالات التي تقع بالضبط.

استغلال العطلة الصيفية

إلاََّ أن الخبراء يقولون إن الشهر المقبل سوف يكون هاما للغاية، لأن هناك ثمة أدلة على قيام بعض العائلات باستغلال فترة العطلة الصيفية للمدارس لإجبار بناتهم وأبنائهم على الزواج خارج بريطانيا.

وتحث وحدة الزواج القسري في بريطانيا المدرسين على توخي الحيطة والحذر والتقاط أي إشارات أو علامات يمكن أن تدل على وجود حالات زواج قد تتم بالإكراه، وذلك لأن المدرسة والكلية أو الجامعة هي المكان الوحيد الذي بإمكان الضحية المحتملة أن تتكلم بحرية حول هكذا أمور.

كما يقدِّم الدليل الجديد توجيهات وإرشادات للأطباء والشرطة وموظفي الخدمة الاجتماعية وموظفي أو أفراد خدمة المجتمع الآخرين، وذلك بشأن كيفية تعاملهم مع علامات وحالات الزواج القسري المحتملة او الممكن حدوثها.

تقصير

لكن بحثا حكوميا آخر، وتنشر نتائجها اليوم الخميس، يقول إن بعض الهيئات والدوائر المحلية لا تقوم بما هو كافٍ للتدخل ومنع وقوع بعض حالات الزواج الإجباري.

ويورد التقرير، الذي أعدته وزارة شؤون الأطفال والمدارس والأسر، تفاصيل الانتقادات الموجهة لبعض المدارس والسلطات التربوية المحلية، حيث تُتَّهم بكونها "تفتقر إلى الاستجابة" وتفشل بالتدخل في الوقت المناسب.

كما أن بعض المدارس والهيئات التربوية لا تقر بوجود حالات زواج بالإكراه لديها، وتصر على وصف تلك الحالات، إن وُجدت، بأنها "قضية ثقافية"، أو أنها ببساطة تخشى رد الفعل العنيف من قبل بعض الشخصيات والرموز القوية والنافذة في الأقليات والجاليات المحلية.

يقول التقرير: "لقد لاحظنا في كافة المناطق تتنوُّعا في مواقف الشركاء الأساسيين وفي الأهمية التي يولونها للاستجابة لحالات الزواج القسري."

تغيُّب وانقطاع

ويضيف التقرير قائلا: "لقد تحدث إلينا أحد الأشخاص الذين قابلناهم ووصف كيف أن حالات أولئك الأطفال الذين يتغيبون عن المدارس وينقطعون فجأة عن متابعة تعليمهم هم باختصار من تظهر عليهم علامات ومؤشرات احتمال وقوعهم ضحايا للزواج بالإكراه."

ويتابع التقرير قائلا: "إن تلك الحالات هي في الوقت ذاته الأقل احتمالا بأن تتم متابعتها في المدارس، لأنه ببساطة يُنظر إليها على أنها قضية تخص الطفل المعني تتعلق بثقافته."

أمَّا جاسفيندر سانجيرا، من منظمة كارما نيرفانا، وهي جمعة تُعنى بتنظيم حملات وطنية ضد الزواج بالإكراه، فقد حثَّت الموظفين والعاملين في القطاع الخاص في بريطانيا، وخصوصا المدرسين، على النظر إلى القضية بعين الريبة والتصرف حيالها بحذر.

Image caption يعاقب القانون البريطاني بالسجن كل من يُرغم شخصا آخر على مغادرة البلاد بقصد الزواج القسري في الخارج

تقول سانجيرا: "ليس هذا بالشيء الذي يتعين عليكم النظر إليه على أنه أمر ذو حساسية ثقافية. إنه ببساطة قضية استغلال لطفل وانتهاك لحقوقه، وبالتالي عليكم التعامل مع الأمر بهذه الطريقة واتباع إجراءات حماية أطفالكم. لا تغضُّوا الطرف عن مثل هذا الأمر وتتعاموا عنه."

أعين مفتوحة

أمَّا كريس برايانت، الوزير في وزارة الخارجية، فيقول في مقابلة مع بي بي سي إنه يتعين على المهنيين والعاملين في هذا المجال، أن يُبقوا أعينهم مفتوحة جيدا" على مثل هذا الأمر.

ويضيف بقوله: "هناك ثمة أوقات هامة وأساسية خلال العام، وخصوصا في حال زواج قريب أكبر للطفل، وهو مازال في سن صغيرة، أو في حال ترك الطفل المدرسة فجأة، أو قام طفل يافع مثلا بإيذاء نفسه، أو في حال دأب ذوو الطفل على مرافقته، حتى إلى عيادة الطبيب. هذه كلها أمور قد تشكِّل علامات أو مؤشرات واضحة على أن هنالك ثمة مشكلة."

ويردف قائلا: "علي أن أوضح بشكل مطلق وجليٍّ أنه لا يوجد ثقافة ولا دين يجب أن يكون الزواج القسري فيه مقبولا، أو يلزم أو يحتاج أن يكون فيه مقبولا."

ويختم الوزير بالقول: "أعلم أنه قد يوجد بعض الأشخاص الذين يعتقدون أن هذه قضية تتعلق بالإسلام، لكنها في الواقع ليست كذلك. فالإسلام لا ينصح بالزواج بالإكراه ولا يقبل به. ويجب أن يتم الزواج في كل دين بحرية وبقناعة ورضا وبشكل علني."

قانون الزواج القسري

يُشار إلى أنه كان قد صدر مؤخرا في كل من إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية قانون يرمي إلى منع الزواج القسري وحماية الضحايا الذين يجرى إكراههم خلال فترات سابقة على الارتباط بمن لا يرغبون ولا يودون الارتباط بهم أو الزواج منهم.

وقد نصَّ القانون المذكور على أنه يمكن سجن أي شخص يُدان بمحاولة إرغام شخص آخر على الزواج ممن لا يرغب به لمدة قد تصل إلى عامين.

كما نص القانون أيضا على أنه بإمكان من يقع ضحية لزواج إجباري، أو أي صديق للضحية أو عنصر شرطة، أن يتقدم ببلاغ أو طلب لحماية الضحية من الزواج الإجباري.

Image caption تقول شاذيا إنها كانت ضحية لزواج بالإكراه عندما كانت في سن السابعة عشرة من عمرها

ويمنع القانون أيضا الأسر من القيام بأي إجراء قد يؤدي إلى حدوث حالات زواج بالإكراه، وذلك من قبيل أخذ الأشخاص إلى الخارج بغية تزويجهم هناك أو مصادرة جوازات سفرهم أو الضغط عليهم وتهديدهم لكي يرضخوا ويتزوجون بمن لا يرغبون به.

كما نص القانون على ضرورة أن يبلغ أفراد العائلة عن مكان تواجد الأشخاص الذين يختفون ويُعتقد بأنهم وقعوا ضحايا زيجات إجبارية.

التشريع الأول

واعتُبر القانون التشريع الأول من نوعه الذي يتطرق لحالات الزواج الإجباري في الأجزاء المذكورة من بريطانيا.

أما السلطات الاسكوتلندية، فقالت إنها ستجري مشاورات بشأن إمكانية تطبيق القانون الجديد على أراضيها أم لا.

وكان يتم في السابق الاعتماد على النصوص والإجراءات الأخرى المرعية في بريطانيا من أجل حماية ضحايا الزواج بالإكراه، وذلك مثل تلك المتضمنة في قوانين الأطفال والهجرة.

وقالت شاذيا قيوم، وهي موظفة تعمل في مؤسسة "كارما نيرفانا" الخيرية التي تساعد النساء الآسيويات، إنها نفسها كانت قد وقعت عام 1998 ضحية لزواج إجباري وذلك عندما كان عمرها 17 عاما فقط.

وقد رحََّبت شاذيا في مقابلة مع بي بي سي، بالقانون وقالت: "إن الضحايا الذين يقصدون مؤسستنا لطلب المساعدة يقولون بوضوح إنهم سيستخدمون هذا القانون."