أسوأ 40 دقيقة في مهمة صحفية بأفغانستان

جنديان بريطانيان من قوات إيساف
Image caption القوات متعددة الجنسيات من بين اهم أهداف الحركات المسلحة

هى حالة أقرب إلى الفزع مع بدء التصويت في انتخابات أفغانستان بسبب تهديدات حركة طالبان. حالة عايشتها، مع فريق بي بي سي العربية في العاصمة كابول.

كانت الساعة الواحدة والنصف فجر الخميس، يوم التصويت في الانتخابات الرئاسية والمحلية. داهمت فرقة مشتركة من القوات الأجنبية والأفغانية فندق "بارك بالاس" شمال كابول. ودبت حركة عصبية في أرجاء الفندق. جنود أشداء مدججون بالسلاح، يرتدون سترات واقية يطرقون الغرف ويفتشون عن شئ ما.

فتحت باب غرفتي وأحد هواتفي المحمولة في يدي، فوجدت في صدري فوهتي بندقيتين رشاشتين. جلبني جندي إلى خارج الغرفة وطلب مني بغلظة مواجهة الحائط ورفع يدي. وفتشني ذاتيا.

رن الهاتف، انتبه الجنود الذين تزايد عددهم فجأة، فبدا لى أنني هدفهم المقصود. أخرج جندي من جيبه كيسا من القماش ووضع فيه هاتفي وبعض متعلقات جلبها من الغرفة بعد تفتيشها، وعلق الكيس في رقبتي. تنفست بعمق اعتقادا بأن قائد المجموعة سوف يستجوبني بعد أن كررت كثيرا أنني في كابول ضمن فريق بي بي سي لتغطية الانتخابات، ثم يتنهي الأمر.

لم تتحقق الأمنية. أخرج جندي آخر من جيبه شيئا بلاستيكيا أبيض اللون. كادت أنفاسي تنحبس عندما حولتها أصابعه في لمح البصر إلى قيد سميك قاس أمريكي الصنع. فأدركت أن الأمر أخطر مما توقعت. وقيدني الجندي ويدي خلفى. ورغم رنين هواتفي المستمر لم يلق الجنود بالا ونظروا إليها بريبة.

"إن لم تكن أنت الهدف المطلوب فسوف نطلق سراحك"، قال لى أحد الجنود الأفغان.

لكن المحنة استمرت أربعين دقيقة، جالت بذهني خواطر كثيرة زاد من سوئها فشلي في اقناع قائد المجموعة، الذي كانت لكنته أمريكية، بأن يلتفت لما أقول وأنا أردد: "أريد الاطمئنان على مراسلي بي بي سي أعضاء فريقي المرافق."

لم يقترب مني أي جندي غربي. وتلقى جندي أفغاني إشارة ما، فأدخلني إلى الغرفة وأطفأ النور وطلب مني الجلوس صامتا. وترك الباب مفتوحا. وصوب إلي جنديان يتحدثان لكنة البشتون، العرق الذي ينتمي إليه الرئيس الافغاني المنتهية ولايته، حامد كرزاي.

"من أين أنت"، سألني أحدهما بلغة انجليزية بدا أنه حديث العهد بها. فكشفت له عن هويتي، وانتهزت الفرصة وسألته: "هل من الممكن أن أتحدث إلى قائدك. لم يجب."

سمعني ضابط غربي، فأشار إلى الجندي آمرا إياه بألا يتحدث معي. وأتبع ذلك بإشارة من أصبعه السبابة طالبا منه بحزم أن يغادر غرفتي.

جف حلقي تماما فطلبت ماء. سقاني الجندي الأفغاني. انتهزت الفرصة وحاولت استدرار عطفه، طالبا منه أن يرد على الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين. وقلت له: "لو لم أرد فربما تعتقد بي بي سي أن مكروها أصابني وفريقي. ولكنه هز كتفيه حتى كادت رأسه تغوص فيهما. وفهمت الر سالة. فكأنه اراد أن يقول إن ليس بيده حيلة.

ساد الصمت بضع دقائق تبعه هرج ومرج . تدفق عدد من القوات ومعهم شخص أفغاني بلباس مدني إلى الغرفة المجاورة لي وسمعت ضابطا غربيا يقول إنه "مسؤول من وزارة الداخلية الأفغانية". دارت حوارات. وأخذ ضباط أجانب يدخلون ويخرجون.

كدت أُنسى. فقد بدا أنهم وصلوا لهدفهم. فسألت عن امكانية تخفيف قيدي. لم أتلق ردا. وبعد دقائق جاء جندي أفغاني حاملا آلة. فظننت انه سيفك القيد.

خاب أملي. فقد خففه بعض الشئ. وخرج المسؤول الأفغاني من الغرفة المجاورة وسمعت ضابطا غربيا يقول له "هو يقول إنه مراسل لبي بي سي". رمقني بنظرة مسحتني بتأن من قدمي إلى رأسي ولم يقل شيئا. طلبت الحديث معه ولكنه تجاهلني. غير أن الأمل لم يخب تماما. فقال لى جندى "خمس دقائق. سنتحرى وإذا لم تكن المطلوب فسوف نطلق سراحك".

اقتادت القوات رجلا آسيويا، تبين لاحقا أنه ياباني، من الغرفة المجاورة. وفك جندي قيدي دون أن ينطق بكلمة.

تجمعت القوات في نقطة واحدة. وقبل أن تغادر الفندق، قال لى جندي أفغاني: هذا واجبنا، وهدفنا الأمن يمكنك أن تستريح. حاولت ونجحت، ولا تزال أفغانستان تحاول.

لكنها محاولة محفوفة بالتشاؤم من جانب كثير من الأفغان. فعندما رويت قصة الأربعين دقيقة التي كنت أظنها ستصدم الأفغان ، صدمتني ملامح وجوههم .

" لقد عاملوك معاملة محترمة للغاية" ، قال أحد العاملين في مكتب الاستقبال في الفندق.

وأضاف شاب أفغاني آخر يعمل مترجما " عندما تشتبه القوات الأجنبية وخاصة الأمريكية في أي أفغاني يضعون فوهة البندقة تحت أذنيه ولو استطاعوا لمنعوه حتى من التنفس".