الانتخابات الأفغانية: يوميات موفدتنا إلى كابل

Image caption كابول هي الأخرى مدينة لا تنام

أدلى الناخبون الافغان بأصواتهم في 20 اغسطس/اب لاختيار رئيس للبلاد وانتخاب أعضاء المجالس المحلية في إطار ثاني انتخابات مباشرة وديمقراطية في تاريخ البلاد. وتأتي هذه الانتخابات وسط وضع أمني متوتر يعم أرجاء البلاد. وقد توافد صحفيون ومراسلون من جميع أنحاء العالم لتغطية هذه الانتخابات التي تنافس فيها الرئيس الحالي مع عدد من المرشحين الآخرين. هنا يوميات موفدتنا إلى كابل رولا الأيوبي:

الأحد 23 آب أغسطس

بعد ان هدأت أجواء الانتخابات وعادت كابل الى زحمة السير "الطبيعية"، حان وقت التعرف على المدينة التي لم أر منها في الأيام الماضية سوى الفندق ومكتب بي بي سي وحديقة شهري ناو المجاورة له ومدرسة البنات زرهونة التي كانت مركز الاقتراع الأكثر أمانا لنبث منه تغطيتنا المباشرة للانتخابات.

نسيت التحذيرات من الهجمات الانتحارية وخطف الأجانب والصواريخ في حديقة باغ بابر. مساحة خضراء بعيدة عن غبار الطرقات المحفرة. شاسعة بناها الامبراطور المغولي بابر في القرن السادس عشر. لكن الحديقة خالية ولا سياح يزورونها، قيل لي خصوصا عند الظهر عندما كنا فيها.

من باغ بابر العودة الى موعد عمل مع مسؤول في الأمم المتحدة. ندخل المقر المحصن بالاسمنت المسلح والحواجز الحديدية لنتذكر ان أفغانستان ما زالت تعتبر منطقة حرب.

كابل وليس كابول. تعلمت اليوم ان اسم كابل يلفظ خطأ في معظم الأحيان. يجب ان يلفظ بتخفيف الضم على الباء.

سألت عن الاسم وأصله. في النصوص التاريخية يعود تاريخ كابل الى حوالي ألفي سنة قبل الميلاد. ولأهل كابل روايتهم أيضا.

يقولون ان الاسم مركب من كلمتي "كاه" وتعني العشب بالفارسية و"بل" وقد تعني المال أو الجسر بالفارسية أيضا. كابل إذا هي "مدينة المال الكثير كالعشب" في دلالة على ثراء المدينة لموقعها كممر للتجارة من آسيا الوسطى. الرواية الثانية ان كابل قد تعني "مدينة الجسر المعشب" الذي يقطع نهر كابل.

مشينا عائدين من مقر الامم المتحدة الى مكتب بي بي سي. لاحظ مرافقي كفاية الله نبي خيل ان مشيي سريع من الخطوات الأولى. قلت انها الحياة السريعة في لندن تجعل خطواتي أسرع. قال ان النساء الأفغانيات لا يمكن ان يمشين بهذه السرعة.

صعب العيش في كابل من دون ماء. على ارتفاع ألف وثمانمائة متر عن سطح البحر مع الحرارة المرتفعة يجف الحلق سريعا. لكنه رمضان. قد تساقين الى الشرطة ان رأوك تشربين الماء في الشارع قال كفاية الله. بقايا حكم طالبان. وسيعيب عليه رفاقه ان رأوه يمشي في الشارع مع "أجنبية" في رمضان.

طرحت السؤال مرارا على من تحدثت اليهم. أخبار أفغانستان لا تسمح بالتفكير في هذا البلد "في أمان". لا يمكن التجوال في المدينة دون التفكير في ان المبنى الذي تمر قربه قد يكون عرضة لتفجير انتحاري. الحذر شرط جديد يحيا الأفغان في ظله.

سمعت طلقة رصاص قريبة أثناء كتابة هذه السطور. انها الحادية عشرة والربع ليلا.

الجمعة 21 آب/ أغسطس

فورتانا صحافية أفغانية. ترافقنا الى مؤتمر صحافي في أحد أفخم الفنادق في كابول. الفندق بخمس نجوم يشرف على كابول من على تلة تفصل نصفي المدينة شمالا وجنوبا. أقلتنا السيارة على الطرقات المحفرة.

كابل قيد البناء. أينما اتجهت طرقات محفرة. المرحلة الأولى من تعبيد الطرقات حفرها. لكن الحفر في كابول هو المرحلة الأولى والأخيرة. تحفر الطرقات لتهذيب الطبيعة الجبلية للمدينة بما يسمح لسيارة مدنية بالسير فقط. الطرق المعبدة بالأسفلت قليلة في كابل.

فورتانا أنيقة تكحل عينيها العسليتين وتضع حمرة الشفاه وتكشف شعرا أسودا أنيقا تغطيه إذا مشت.

"هل تشعرين انك في خطر في كابل؟" سألتني. فكرت قبل أن أجيب. أنا من كان يجب ان يطرح السؤال عليها. لكنها صحافية. وتريد ان تصل الى استنتاج معين. قلت انني لا أشعر بالخطر، لا. ولكن لم السؤال؟ سألتها. قالت "أعتقد ان صورة أفغانستان في الصحافة العالمية مشوهة".

"كيف تجدين كابول؟" ألحت بالسؤال قبل ان تكمل فكرتها كمن يسأل سائحا في مدينة. تحب فورتانا مدينتها. لم تنتظر جوابي. "تحتاج كابول الى وقت طويل لتعمر بعد الحرب" قالت.

الخميس 20 آب/ أغسطس

مرت الانتخابات من دون وقوع أعمال عنف وقتل أو اضطرابات واسعة النطاق، ولكن كانت هناك هجمات متفرقة أودت بحياة تسعة أشخاص. إجمالاً وقع مائة وخمسة وثلاثون "حادثا أمنيا" كما يسمي السياسيون والعسكريون التفجيرات والهجمات. وذهب الأفغان الى مراكز الاقتراع.

الأربعاء 19 آب/ أغسطس

أقفرت كابول هذه الليلة. أرعبتها الهجمات والأدخنة السوداء. تنتظر بهدوء ماذا سيفعل بها أبناؤها في يوم الانتخابات.

الثلاثاء 18 آب/ أغسطس

تراها أينما ذهبت. طائرة اصطناعية ظنناها عند رؤيتها للمرة الأولى من المطار. سمكة حوت بيضاء. جلدتها الخارجية ملساء. هي بعيدة. معلقة في السماء. حيرتنا نحن الواصلين الى كابول ولكنها معروفة جيدا عند الأفغان.

"بالون الأمريكان" يسمونها. ولا يعرف لها اسم دقيق. تحمل كاميرات مراقبة "تسهر على الأمن" في مدينة كابول. تحمل كاميرات استطلاع وقد علقت هكذا بمناسبة الانتخابات. وعلق مثلها في أنحاء مختلفة من البلاد.

تتحرك كالبوصلة حين تدور برأسها حول نفسها ولكنها غدارة فلا يعرف لها اتجاه. عرفت ذلك من الرحلة الى باغرامي.

اتجهنا شرقا من مدينة كابول نحو باغرامي، وسمكة الحوت الغدارة وراءنا تطل علينا برأسها.

قيل لنا ان المنطقة فقيرة وأبناؤها لا يأبهون بالانتخابات الرئاسية. لا يأبهون لأنهم يعيشون في خيم نصبوها بأنفسهم في الأراضي الشاسعة لدى لجوئهم قبل سنوات من مناطق الجنوب هربا من القتال بين القوات الأفغانية وحركة طالبان.

قيل أيضا ان سكان المنطقة، كعادة سكان الريف، يتعصبون لقبائلهم وقومياتهم – وما أكثرها في أفغانستان.

لا يتوقع المرء ان يتحدث المتعصب لقومية أو لمذهب أو لعرق عن تعصبه. لكن الشاب الذي أجاب عن سؤالنا عن شعبية الرئيس الأفغاني لم يتردد في ذكر الأغلبية الباشتونية في المنطقة سببا لشعبية الرئيس حامد كرزاي.

لا يسمع في باغرامي التي تبعد عن كابول حوالي خمسة عشر كيلومترا غير أصوات محركات الآليات الزراعية ولا يرى غير أبيض الرمال الممتدة تحت اللاجئين.

ترسم الخطوط العميقة وجه عمر غول الذي رد بحكمة سبعينياته على سؤالي عمن سينتخب. قرر ان اسم مرشحه سر وحق له ان يبقيه سرا. لكن السر الذي يحفظه عمر غول أفشاه زعيم قبلي في القرية.

عناية الله قدم لنا نفسه بنفسه بثيابه المتسخة واعتذر عنها قائلا انه كان عائدا من الحقل. هو زعيم فرع من القبيلة المقيمة في قرية حسين خيل.

والشورى بين زعماء القبائل هي وسيلة تقرير اسم مرشحهم للرئاسة. والتشاور يتم في المسجد. هناك يتجاوز الباشتون والطاجيك والهزارة والاوزبكيون... الى آخره من قوميات مختلفة، قومياتهم.

في باغرامي الأطفال كثر. عيون بلون العسل الصافي تدورها خطوط بنية غامقة، شعور شقرتها لفحات الشمس تتطاير، تغري الناظر بالتصوير للاحتفاظ بذكراها.

كانت تكفي دهشة الفتاة ذات الخامسة برؤية صورتها في الكاميرا الرقمية لتطلق نداءها. في لحظات تجمع العشرات من الأطفال من مختلف أنحاء المخيم الذي لم تبد له حدود.

مع مرور الدقائق تعودوا وجودنا. تجمعوا حولي ولم أتوقف عن أخذ الصور. أدخلوني في لعبتهم. تآلفنا.

ومع الألفة تترافق رغبة اللمس. لم تفارق يد الصبي ذي السادسة كتفي، كيد رجل يمسك كتف صديقه.

لا يزال الأطفال هناك لا يذهبون الى المدرسة. ولا تزال الخيام قائمة ومحمد غول ذو السنوات العشر يغني.

الإثنين 18 آب/ أغسطس: اليوم الأول

كثرت التحذيرات الأمنية للصحافيين، الأجانب منهم خصوصا، من التجوال غير المحسوب في العاصمة الأفغانية. وأصبحت الشركات الأمنية التي لاقت شهرتها الأولى في العراق هي الممسكة بأمور كل من تطأ قدمه أرض أفغانستان من "الأجانب" سواء كان هؤلاء صحافيين أو موظفين أو سياسيين دوليين أو عاملين في المنظمات غير الحكومية.

يحكى في المدينة عن ترتيب ضمني وجدول زمني للأماكن العامة ومن يسيطر على الأمن فيها.

الوقت "المخيف" هو ما بين السابعة والنصف والتاسعة صباحا. عبوات ناسفة وهجمات انتحارية أصحابها "طالبان". يبدو الجميع مسلّما بالأمر إلا الأفغان أنفسهم.

أما الليل فما يحكى عن القاهرة بانها مدينة لا تنام قد ينطبق على كابول مع اختلاف النسب.

غير ان أسياد ليل كابول، على ما قال صديق، هم أمراء الحرب. يتصيدون. والهدف خطف من تبدو عليه القدرة على دفع فدية.

الأحد 17 أغسطس/ آب: الوصول الى كابول

بدت الجبال بنية صحراوية من نافذة الطائرة المحلقة فوق كابول.

رهبة اللقاء الأول بالمدينة الدامية طغت على كل ما عداها بما في ذلك الخوف من العبوات الناسفة التي سادت في البلاد.

لسبب ما بدأ تحليق الطائرة التابعة لشركة "صافي" بطيئا في الدقائق العشرين الأخيرة من الرحلة.

اقتربنا من الهبوط ولكن كل ما نراه تلك الجبال... متى تنتهي؟ وكيف يمكن لمطار ان يكون في وسط الجبال في بلد فقير مثل أفغانستان؟

لم يطل الأمر حتى بدت المشاهد الأولى من العاصمة كابول، ووجدنا أنفسنا على سلم الطائرة المتعرج. أجانب من كل حدب وصوب يهبطون عليه ليستقلوا الحافلة الزرقاء التي أعادت لي صورة حافلات النقل الشعبية المزركشة في شوارع مدن عربية كدمشق وعمان وبيروت.

لم يكن هناك أفغاني واحد على متن الطائرة. أيعقل ذلك؟ نعم.. فالانتخابات "الأهم" في البلاد على الأبواب، ووسائل الإعلام العالمية توفد الصحافيين من أنحاء العالم ليشهدوا على الديموقراطية الناشئة.

الصحف والتغطيات الإخبارية في وسائل الإعلام العالمية تعكس للقارئ أن أفغانستان أرض الحرب والخوف وربما نقيضة الإثارة. أما ما يمكن تذكره من تعليقات قبل السفر الى أفغانستان فليس سوى التوصيات والنصائح...

تعليقاتكم

الإنتخابات الرئاسية الافغانية لا تصنف إلا ضمن الإنتخابات الشكلية لأن من ورائها أياد غربيةلا تريد منها إلا زعزعة الحكم.

<strong>عبدالرحمان بن سالم, إيليزي_ الجزائر </strong><br/>