اوروبا "لليمين دُر" ... تبادل ادوار اليمين واليسار

قادة الاتحاد الاوروبي
Image caption يتواصل فوز اليمين في الانتخابات الاوروبية منذ 2007

لم يكن تقدم التحالف المحافظ في الانتخابات الالمانية بقيادة حزب المستشارة انجيلا ميركل مفاجئا، وانما ياتي في سياق تحول واضح في الحياة السياسية الاوروبية في السنوات الاخيرة.

ومع نتائج الانتخابات التي ابعدت حزب منافسها فرانك والتر شتاينماير عن السلطة بعد شراكة اربع سنوات مضت، تنضم المانيا الى عدد من دول اوروبا يحكمها ما يسمى يمين الوسط.

اذ اعتبر حزب شتاينماير، الديموقراطي الاجتماعي، ضمن ما يسمى يسار الوسط الذي اخذ في التراجع اوروبيا بعد فترة صعود نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن.

ويرجح ان يضم تحالف الحكم في فترة مستشارية ميركل الثانية حزبها، الاتحاد المسيحي الديموقراطي، وشقيقه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي وحلفاؤهما الليبراليون في الحزب الديموقراطي الحر المناصر لحرية السوق.

وسبق المانيا في هذا التوجه نحو اليمين ايطاليا برلسكوني العام الماضي وقبل ذلك بعام فرنسا ساركوزي.

كما جاءت نتائج انتخابات البرلمان الاوروبي قبل شهور مؤشرا على صعود اليمين في اغلب دول اوروبا.

تحولات

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تعد السياسة العامة في اوروبا حادة التقسيم بين يمين ويسار ووسط كما كانت منذ ما قبل الحربين العالميتين.

وبنهاية الثمانينيات، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك كتلة الدول الاشتراكية في وسط وشرق اوروبا، تخلى اليسار في اوروبا ـ وربما في العالم ـ عن كثير من مبادئه التقليدية.

كما ان اليمين التقليدي شديد المحافظة مر بمراحل تحول جعلته اقرب للوسط منه الى المحافظة الشديدة.

كان الاتجاه نحو الوسط من جانب اليسار اختيارا عمليا (براجماتيا) للوصول الى السلطة على ارضية سياسات اقتصادية واجتماعية اقل تعارضا مع التيار الرئيسي السائد في العالم.

اما اليمين، فقد برز تحوله في القوى السياسية التي برزت في اوروبا الشرقية والوسطى في الانتقال من الشيوعية الى المرحلة الجديدة.

ومع فوز اليسار "المعدل" في عدد من دول اوروبا الرئيسية، اخذ اليمين في الاقتراب اكثر من الوسط ليبدأ مرحلة صعود يتوقع اكتمالها بالانتخابات العامة في بريطانيا العام المقبل.

فبعدما تخلى حزب العمال البريطاني عن قدر من يساريته متجها نحو الوسطية السياسية في مطلع التسعينيات، يكاد يكون استنفد كل مقومات التغيير بعد مدة طويلة في الحكم.

وبدا كأن العمال يحيدون عن الوسط، ربما نحو اليمين وقربا من حزب المحافظين المعارض الذي جدد شبابه بزعيم جديد هو ديفيد كاميرون الذي يوصف بانه "بلير اليمين" (او توري بلير، اذ يسمى المحافظون في اللغة الدارجة توريز).

اكتظاظ

استندت الحملة الانتخابية في المانيا الى شعارات اقتصادية بالاساس، واعتمدت ميركل على ادارتها لشؤون البلاد في ظل ازمة عالمية عميقة.

كذلك فاز ساركوزي بوعود اقتصادية بالاساس تستهدف انعاش الاقتصاد الفرنسي، ومن قبله استند بيرلسكوني الى فشل حكومة يسار الوسط بقيادة رومانو برودي في حل مشاكل الاقتصاد الايطالي.

ويكاد ينحصر التنافس بين براون وكاميرون في بريطانيا على قضايا الاقتصاد، وما يتبعها من قضايا اجتماعية ترتبط بالاوضاع الاقتصادية.

وكما كان الاقتصاد حاسما في التمييز بين اليمين واليسار في زمن الشيوعية والراسمالية، يبدو الاقتصاد عاملا رئيسيا في تقريب طرفي السياسة نحو الوسط حتى اكتظ الوسط بيمين ويسار المشهد السياسي.

بالطبع تظل هناك قوى طرفية يمينية واخرى يسارية، لكنها تاخذ في الابتعاد عن الوسط المكتظ اكثر فاكثر حتى تقترب من التطرف.

واذا كانت قوى يسارية في امريكا اللاتينية وقوى محافظة صاعدة في اسيا وصلت الى السلطة في العقدين الاخيرين، فانها في اغلبها تظل اقرب الى الوسط.

وتنتظر السياسة ازمة كالتي شهدها الاقتصاد مؤخرا تهز نموذج الوسط هذا، وربما تؤدي الى بروز حركات وقوى جديدة تتجاوز النظام التقليدي وتبشر بمشهد سياسي عالمي جديد.