البوسنة "عالم من الحقائق المتوازية"

سربرينتسه
Image caption قتل حوال 8 الاف مسلم في مجزرة سربرينتسه

لا يزال الحفر مستمرا في سربرينتسه، واصبح مصنع البطاريات السابق الذي كان يوما مقر قيادة لفرقة صغيرة من قوات حفظ السلام الهولندية خرابا تقريبا.

فالمقر عبارة عن عنابر صناعية واسعة خاوية تنضح بالرطوبة والبرد في الشتاء القارس.

هذا اكثر مواقع اوروبا المعاصرة ظلمة وكابة، ومتخم بالاشباح.

وقفت على مدخل احد العنابر احتمي من المطر واشاهد حفارا ميكانيكيا ينزع جزءا من التربة بحثا عن جثث خمسة اشخاص توفوا لاسباب طبيعية او انتحروا في هذا المكان منتصف يوليو/تموز 1995.

في ذلك الشهر بدأ جيش صرب البوسنة بقيادة الجنرال راتكو ميلاديتش مسيرته.

وحين وصل رجاله الى هنا اتى على الناس، ولم توفر القوة الهولندية التابعة للامم المتحدة اي حماية ولا حتى لمن لجأوا الى قاعدتها.

وتم فصل الرجال والشباب عن النساء والاطفال وعلى مدى خمسة ايام قتل 8 الاف شخص.

وبعد اربعة عشر عاما، ما زالوا يعثرون على الجثث.

Image caption كرجيتش يدافع عن نفسه امام المحكمة في لاهاي

هناك مجمع لرفات الموتى في مدينة توزلا البوسنية يثير الكابة بالنظر اليه، والاسوأ ان تشم رائحته.

مجموعات العظام معبأة في اكياس ومخزنة على الرفوف كالكتب في مكتبة.

ادرت ظهري للحفار الذي يغرس في الارض الرطبة بحرص وخطوت عميقا في ظلام العنبر.

وافقت شهيدة عبد الرحمن على اصطحابي الى هناك.

كانت من بين الالاف الذين احتشدوا في هذا المكان على امل ان تحميهم قوة حفظ السلام الهولندية التي كانت تتمركز هنا.

تقول شهيدة: "كل مرة اعود فيها الى هنا يفيض رعب الذكرى عليّ مرة اخرى ... بين الفينة والاخرى يذهب شخص الى النافذة ويقول ان الصرب قادمون ويهرع الناس الى ذلك الركن او ذاك. اتذكر الاصوات والشعور والخوف وقتها".

معظم الذكور من عائلة شهيدة مدفونون في المقبرة على الجهة المقابلة من الشارع. فالبوسنة اليوم عالم من الحقائق المتوازية.

خط على الخريطة يفصل النصف الصربي منها، ريبوبليكا صربسكا، عن بقية البلد.وهناك خط اخر يمر في عقول وقلوب الناس.

تعبر ذاك الخط وتدخل عالما لا تبدو فيه مجزرة سربرينتسه وكانها حدثت، او ان حدثت فلم تكن بايدينا ـ انها جهد شائن لتلطيخ سمعة الصرب.

قبل ايام ظهر زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كرجيتش في المحكمة في لاهاي في جلسة تسبق محاكمته. كانت تلك اول مرة اراه لحما ودما منذ 15 عاما.

وقف وتبادل الحديث مع عدد من الحراس الهولنديين بانجليزيته الطليقة. وبدا لي مسترخيا غير مثقل باي ضغط.

اطلق نكتة، جعلت الضباط يضحكون وقال شيئا ربما ساخرا. كان لا يزال كرجيتش القديم نفسه مرحا جذابا.

لقد كنا، نحن الصحفيون، يوما عرضة للافتتان بشخصية كرجيتش. لدي في مكان ما قصاصة ورق قديمة تحمل توقيعه.

كتب فيها على ضوء مصباح هزته العاصفة في مقره الجبلي: "هذا مراسل بي بي سي الان ليتل. رجاء ضمان حرية تنقله في ارجاء جمهورية البوسنة والهرسك الصربية، توقيع د. رادوفان كرجيتش، رئيس الجمهورية الصربي للبوسنة والهرسك".

ومعظم الوقت افادتني الورقة، فقد كان اسمه محل تبجيل وسلطته معترف بها.

ولا يزال الامر كذلك، لان رادوفان كرجيتش باع للصرب خطابا يجدون انفسهم فيه الضحية وليس الجلاد.

وقد كانوا غالبا، فربع الذين ماتوا في الحرب كانوا صربا معظمهم في سريبرنيتسه.

ويقول الادعاء في لاهاي انهم ماتوا في عمليات اجرامية، لكن الراي العام الصربي لا يقبل بذلك.

في سريبرينتسه انضممنا الى مجموعة من الصرب في الكنيسة الارثوذكسية اعلى الهضبة المطلة على وسط البلدة.

كانوا يتجمعون احتفالا بعيد مسيحي ارثوذكسي.

اكلوا شوربة الفول واللحم المشوي وشربوا براندي البرقوق المصنع محليا. واستقبلونا بكرم غامر ودفء اصيل.

وكان الشباب في الخارج يستمتعون بعلب البيرة والسجائر.

وعلى صوت الموسيقى الاليكترونية غنى الجمع اغان تمجد زعماء الصرب القوميين على مر القرون، واخرهم كان اسم رادوفان كرجيتش.

ومن مكبرات الصوت في الخارج، تردد صدى الاسم في شوارع البلدة التي قتل منها 8 الاف مسلم في غضون خمسة ايام.