إدارة أوباما وخيار سياسة "العصا والجزرة" مع السودان

إمَّا تقديم الحوافز لقاء إحراز تقدم، أو التهديد باتخاذ إجراءات عقابية في حال لم يتم التحرك قدما نحو السلام وتحسين أوضاع حقوق الإنسان ونزع التسلح. تلك هي الازمة التي بتنا نألف ترديدها من قبل واشنطن في الآونة الأخيرة.

Image caption قد يكون المنزلق الأكبر للسياسة الجديدة هو التعامل مع البشير

فسواء كان الأمر يتعلق ببورما أو إيران أو السودان الآن، فإن الحكومة الأمريكية تتبع نهجا مشابها في تعاملها مع دول ومشاكل واسعة التمايز والاختلاف.

وليس نهج "العصا والجزرة" بالاستراتيجية المبتكرة، أو الجديدة في عالم السياسة الخارجية.

تحديات سياسية

إلا أن واشنطن، وعلى عكس ما كانت عليه في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش الذي كان يلجا في بعض الحالات إلى استخدام الجزرة فقط، باتت الآن تعتمد نهجا جديدا، وإن بدرجات متفاوتة، في التعامل مع معظم تحديات السياسة الخارجية.

ولعلنا نلمس في ذلك الترجمة الفعلية للوعد الذي كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد أطلقه في خطاب القسم، حيث تعهد بالانخراط في حوار مع الأعداء ومدّ اليد لهم، إن هم أرخوا قبضتهم.

ولكن الأمر في حالة السودان تحديدا يتناقض في الواقع بشكل مباشر مع ما كان أوباما نفسه قد أطلقه خلال حملته للانتخابات الرئاسية.

مناطق حظر طيران

فقد استخدم أوباما خلال الحملة كلمات قاسية، داعيا إلى إقامة مناطق حظر طيران في إقليم دارفور الواقع غربي السودان، وذلك بغرض حماية المدنيين هناك.

Image caption أثار اعتماد نهج سياسة "العصا والجزرة" حيال السودان جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة

كما اقترح أيضا فرض عقوبات نفطية أكثر صرامة، بينما مضى حينها المرشح لمنصب نائب الرئيس مع أوباما، أي جوزيف بايدن، إلى القول "لم أستطع تقبل فكرة الإبادة الجماعية."

إلا أن الوعود الكبيرة التي أُطلقت خلال حملة الانتخابات الرئاسية سرعان ما اصطدمت بالواقع على الأرض.

شرخ عميق

فقد سببت الفظائع التي ارتُكبت في دارفور شرخا عميقا داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. فقد احتدم جدل استمر لعدة أشهر بين المثاليين والواقعيين بشأن ما إذا كانت أعمال الإبادة لا تزال تُرتكب في دارفور، وهي وجهة النظر التي أيدتها بشدة مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، أم ما إذا كنا نرى فقط "بقايا وآثار إبادة جماعية"، كما جاء على لسان المندوب الأمريكي الخاص إلى السودان، سكوت جريشن.

لقد قُتل ما يقدَّر بـ 300 ألف شخص في الصراع الذي يشهده إقليم دارفور منذ عام 2003، وقضى العديد من هؤلاء على أيدي الميليشيا التي تدعمها الحكومة.

توالي الفصول

يقول النشطاء إن فصول جريمة الإبادة الجماعية لا تزال تتوالى، وذلك على الرغم من أنه لم يتم ارتكاب أعمال قتل جماعية خلال الفترة الماضية.

إلا أن الجدل امتد إلى أبعد من ذلك، إذ مضى البعض إلى حد الإشارة إلى أنه يتعين على الولايات المتحدة فرض عقوبات أكثر صرامة على الحكومة السودانية، وعلى الرئيس عمر حسن البشير شخصيا، وهو الذي وجَّهت إليه المحكمة الجنائية الدولية تهمة ارتكاب جرائم حرب.

لكن البعض الآخر جادل بأنه قد حان الوقت للانخراط بالحوار، قائلين إن العقوبات تضر بالشعب، كما تساهم أكثر بزعزعة استقرار دارفور، وتضع اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه بين جنوب وشمال السودان في خطر.

تعافي وانتعاش

فقدا خاطب جريشن إحدى جلسات مجلس الشيوخ التي عُقدت في شهر أغسطس/آب الماضي قائلا: "أنا لم أقل إن الإبادة الجماعية انتهت، بل ما أقوله هو أن تركيزي ينصب على تعافي الوضع والانتعاش."

وأردف بالقول: "وجهة نظري هي أن الدخول في جدل ليس مطلوبا لن يؤدي إلى حلحلة الوضع، الأمر الذي نحتاجه فعلا."

أما الآن، وبعد مضي تسعة أشهر على تنصيب أوبما رئيسا للولايات المتحدة، يبدو أن نتائج المعركة التي كانت محتدمة بين المثاليين والواقعيين قد حُسمت، إذ نلمس ذلك بوقوف كل من وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، ورايس وجريشن، جنبا إلى جنب في محاولة لإظهار الإدارة وكانها جبهة موحدة.

ضغط وانخراط

لقد كان في الأمر ثمة تسوية، إنها مزيج من الضغط والانخراط، التهديد بالعقوبات والوعد بتقديم الحوافز، إذا ما أنهت السودان أعمال العنف.

ولخَّصت كلينتون الأساس المنطقي الذي تستند عليه الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض عندما قالت: "إن الجلوس على الهامش ليس بالخيار."

كما قال الرئيس أوباما في بيان أصدره إن على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي أن يتصرفا دونما إبطاء وأن يسعيا لإيجاد نهاية مؤكدة للصراع في دارفور.

وقد جرى عرض تفاصيل قوائم الحوافز والعقوبات السياسية والاقتصادية في ملحق سرِّي أُرفق بالورقة التي تعرض السياسة الأمريكية الجديدة.

عرفوا وعرفنا

وردا على سؤال ما إذا كان قد تم إطلاع الحكومة السودانية على مثل تلك القوائم، أجاب مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية قائلا: "لقد عرف السودان ما تريده الولايات المتحدة منه، كما عرفت الولايات المتحدة أيضا ما الذي تريده الخرطوم منها."

ويبدو أن في ذلك إشارة إلى أن الحافز الرئيسي سوف يكون الرفع الحتمي لبعض العقوبات التي كانت الولايات المتحدة قد فرضتها على الخرطوم خلال تسعينيات القرن الماضي ردا على الدعم المزعوم الذي كانت تقدمه السودان للإرهاب.

كما سيسعى السودان أيضا إلى إزالة اسمه من على قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول التي ترعى الإرهاب.

لغة صارمة

ولوحظ أن كلينتون استخدمت لغة قاسية وصارمة، ناهيك عن استخدامها لعبارة "إبادة جماعية"، الأمر الذي قد يكون فيه إجبار لخاطر منتقدي مبدأ الانخراط بالحوار.

وكانت كلينتون قد حذرت قائلة: "سوف يقابل مروق أي طرف أو ارتداده لينغمس بالمشاكل من جديد ضغط أكيد سوف يأتيه على هيئة روادع من قبل حكومتنا أو شركائنا الدوليين."

ولكن، لم يتضح أبدا أي نوع من الضغوط ستكون واشنطن مستعدة أن تمارسها في حال لم تضع الحكومة السودانية حدا للعنف في دارفور.

رد إيجابي

الخرطوم، من جانبها، ردت بإيجابية على الخطوة الأمريكية الجديدة، قائلة إنها تُعد بمثابة التحسن، مقارنة بالسياسات السابقة للولايات المتحدة. إلا أن متحدثا باسم الحكومة السودانية قال إن استخدام عبارة "إبادة جماعية كان "غير ملائما ويدعو للأسف".

أما النشطاء، فقد انقسموا بين من رأى في السياسة الأمريكية الجديدة نهجا أكثر فاعلية، وبين من حذَر من أن السودان اعتاد على التجاوب فقط مع الضغوط الصارمة.

فقد قالت رايس: "إن سياسة الرئيس أوباما حيال السودان ذكية وصارمة ومتوازنة. فهي تعتمد نظرة جد واضحة للتاريخ، الأمر الذي يذكرنا بأن الطرق المؤدية إلى السلام قد تراكمت عليها عبر السنين بقايا الوعود التي تم التراجع عنها والتعهدات التي لم تُنفَّذ من قبل حكومة السودان."

تفاصيل سرية

Image caption تعتقد سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أن أعمال الإبادة تتواصل في دارفور

إلا أنه في بعض النواحي، ولأن تفاصيل السياسة الجديدة تظل طي الكتمان، فإنه من الصعب تقييمها ومعرفة ما هو بالضبط الشيء الجديد فيها.

يُشار إلى أن إدارة الرئيس بوش كانت قد نحت في آخر أيامها أيضا باتجاه اعتماد سياسة أكثر واقعية حيال السودان. أما الفرق الجوهري بين سياستي الإدارتين، الماضية والحالية، هو على ما يبدو أن النبرة التي اعتمدتها إدارة أوباما أقل حدَّة."

كما تقول إدارة أوباما أيضا إن النهج الذي تتبناه أكثر تماسكا، فهو لا يركز على دارفور فحسب، لكن على عملية السلام بين الشمال والجنوب أيضا.

اتفاق هش

فالإدارة الأمريكية تسعى إلى تطبيق اتفاق السلام الهش الذي جرى توقيعه في عام 2005 بين الخرطوم والمتمردين السابقين، وذلك قُبيل حلول الانتخابات العامة في البلاد العالم المقبل، وتنظيم الاستفتاء في عام 2011 على قضية انفصال الجنوب.

وقال جريشن في هذا السياق: "تستخدم الاستراتيجية كافة عناصر النفوذ الذي تحظى به أمتنا، من دبلوماسية ودفاع وتنمية، وذلك بغرض تحقيق الاستقرار والأمن وصيانة حقوق الإنسان، وتأمين فرص لمستقبل أفضل في السودان."

لكن قد يكون المنزلق الأكبر للسياسة الجديدة هو التعامل مع البشير، فقد قالت إدارة أوباما إنها ستنخرط في حوار مع الحكومة السودانية، ولكن ليس مع البشير مباشرة.

البشير والمحكمة

لا بل أن أحد كبار المسؤولين الأمريكيين ذهب إلى حد القول بشأن البشير: "عليه أن يجد محاميا جيدا ويسلم نفسه إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويواجه التهم المرفوعة ضده."

ويبقى القول إن النهج السياسي الأمريكي الجديد يأخذ بالحسبان الانقسامات الداخلية الممكنة.

كما أن البشير باق إلى الآن كرئيس للسودان، وقد يكون بوسعه عرقلة إحراز تقدم، إن لم يحصل على مكافآت له.