يوميات موفدنا إلى كابول: الاحتلال ومصدر الرزق

موفد بي بي سي العربية إلى العاصمة الأفغانية كابول، عبد الرحيم الفارسي، يروي انطباعاته عن الحياة هناك في هذه اليوميات:

الاثنين 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2009

Image caption نساء افغانيات يرتدين البرقع الأزرق

لمع غضب مفاجئ في عيني فهيم واحمر وجهه حين سألته عن موقفه الحقيقي من القوات الدولية في أفغانستان، خصوصا الامريكيين منهم.

لم يخف أن اخته تعيش في الولايات المتحدة، ولم يخف أيضا أن احد أبناء عمومته متعاقد مع الأمريكيين ويحصل على صفقات تموينية مجزية منهم.

لكنه ألح على أن غالية الأفغان يكرهون الأمريكيين، فهم في نهاية الأمر "قوات احتلال لم ندعها ولم نتوسل مجيئها. وكلما مرت سيارة أو مدرعة امريكية في شوارع كابل فإنهم يامروننا بالوقوف إلى ان يمضوا، لكن المواطنين يظلون يوجهون إليهم اللعنات في وجوههم ويطلبون من الله أن يعجل بانفراج هذه الغمة".

فهيم هذا الشاب البالغ من العمر عشرين عاما قال لي على مائدة الفطور "صحيح إن شريحة واسعة من الأفغان تقبل بالعمل او التعامل مع الأمريكيين هنا، لكن لا تنس أن الفقر هو الذي يحملنا على ذلك. نحن فقراء جدا. نحن مستعدون لقبول المعونة، إنما لن نسمح أبدا بالاحتلال، مهما طال أمده".

أوقف فهيم حديثه معي ليرد على اتصال هاتفي طارئ، ثم انصرف على أمل اللقاء لاحقا.

الأحد 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2009

من بين الأصوات المتصاعدة داخل أحد أسواق كابل أثار انتباهي صوت طفولي رقيق يدعو المتسوقين إلى شراء الموز الذي يعرضه في عربة يدوية.

كنت بصدد اعداد تقرير تلفزيوني عن أوضاع الطفولة الأفغانية. فطلبت من المصور أن يقترب منه ويأخذ له بعض اللقطات. اسمه فيصل. وعمره ثمانية اعوام. من سحنته يمكن القول إنه من قبائل البشتون التي تشكل غالبية سكان أفغانستان.

واصل فيصل صيحاته متظاهرا بعدم رؤية الكاميرا. وعلى احتشام أبلغنا فيصل بأنه ترك الفصل الدراسي قبل أسبوع حينما قررت حكومة كرزاي إغلاق المدارس خوفا من تفشي داء انفلونزا الخنازير.

وإن كان فيصل يستفيد من التعليم فإن شوارع كابل تعج بعشرات الآلاف من أقرانه الذين فقد عدد كبير منهم أبويه في التفجيرات والعمليات العسكرية. غالبية هؤلاء لا يقرأون ولا يجدون من يأخذ بايديهم.

تنهد أحد الصحفيين الأفغان حين سألته عن مصيرهم ثم قال: خوفي أن عددا منهم سيكون وقودا أو وقودا لحروب قادمة، إن قدر لأفغانستان ان تنتقل إلى فصل حربي جديد.

الجمعة 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009

كان إمام مسجد "بولخيشتي" العتيق في العاصمة الأفغانية قد شرع في صلاة الجمعة حين استرعى انتباهي رجل أسدل لحيته الكثة ولباسه اللذين لا يختلفان عن الصورة التي اشتهر بها عناصر طالبان.

الفرق الوحيد هو ان هذا الرجل مثل الآلاف الذين كانوا في السوق في تلك اللحظة، لم يبد مباليا بالصلاة، وإنما ظل مستلقيا على كرسيه أمام عربة بيع فاكهة الرمان.

الصورة النمطية الشائعة عن من هم على شاكلة هذا الرجل هي أنهم "متشددون في دينهم ويعيشون خارج هذا الزمن".

لكن خلال تجوالي في كابول رأيت مدينة "أكثر تفتحا"، فالنساء يرتدين لباسا عصريا يمكن ان تصادفه في أي مكان من العالم.

أما البرقع الازرق الذي اشتهرت به المرأة الأفغانية، فقد كان منتشرا قبل مجيء طالبان، وهو لباس تقليدي ظلت نساء البشتون يرتدينه منذ زمن بعيد، كما قال المترجم الذي يرافقني.