برلين: الجدار والوحدة وما بعدهما

من نافذة الطائرة تراها ملتصقة بالأرض دون نتوءات كثيرة، وحين تسير في شوارعها تكتشف أن جمال بناياتها وهندستها وعبق تاريخها يغنيها عن رفع مستويات أسقفها.

Image caption الاحتفالات بذكرى سقوط الجدار

هذه هي برلين، المدينة التي صنعت التاريخ في أكثر من مناسبة، ودمرت ثم ارتفعت من الحطام أكثر من مرة، وهي إلى اليوم تحاول محو عدم التجانس الناتج عن ثلاثة عقود من الإنقسام بين شطريها، الغربي جغرافيا وأيديولوجيا، والشرقي التابع للإتحاد السوفياتي السابق.

وحدة في طريق الإكتمال

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كانت جريئة جدا حين تحدثت بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لسقوط جدار برلين عن أن الإنقسام لا زال موجودا، خصوصا على الصعيد الإقتصادي الإجتماعي، فالمسؤولون الألمان يتفادون عادة وضع أقدامهم على أرضية زلقة كهذه قد تفتح المجال للمشككين في جدوى الوحدة التي تحققت في مطلع التسعينات، رغم معارضة قوية من فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا تديران مع الولايات المتحدة الأمريكية برلين الغربية بعد تقسيم المدينة.

لكن الفوارق بين الشرق والغرب في برلين لا تزال موجودة فعلا.

فقد وقع انسجام اجتماعي تدريجي، ووحد البلد مصادر قراراته السياسية، لكن الطريق تبدو طويلة ووعرة لإنهاء الفوارق الإقتصادية.

نسبة البطالة مثلا لا تزال مرتفعة فوق حاجز العشرة في المئة لدى الألمان الشرقيين. لاحظت أن شوارع برلين كانت مثالا في النظافة ولم يخطر ببالي أن يكون لذلك سبب غير الأداء الجيد للجهات المسؤولة عن النظافة في المدينة إلى أن أوضح لي أحد سكان المدينة أن السلطات ترفع من منح العاطلين عن العمل الذين يخصصون جزءا من أوقاتهم للمساعدة في تنظيف الشوارع.

ما يمكن رؤيته أيضا بالعين المجردة في شوارع برلين هو العدد الكبير لورشات البناء في الجانب الشرقي من المدينة مقارنة بجانبها الغربي. أسعار العقارات لا تزال منخفضة في برلين الشرقية رغم هجوم المستثمرين عليها، لكن الوتيرة التي تسير بها الأشغال تنبئ، حسب رأي أحد سائقي سيارات الأجرة في المدينة، بأن يصبح الجزء الشرقي أكثر غلاء خلال سنوات.

آثار الجدار على الحجر والبشر

جدار برلين سقط قبل عشرين عاما، لكن أجزاء منه لا تزال قائمة لتحتفظ بذكراه الأليمة للأجيال المقبلة. أما معظم الشكل الدائري للجدار فلم يتبق منه سواء آثار مرسومة بالحجر في موقعه القديم.

جيل كامل بات الآن لا يعرف الجدار إلا من خلال دروس التاريخ، أما بالنسبة للأجيال التي عاشت أيام الإنقسام، فيبدو أن عقدين من الزمن أفلحا في مسح الفرحة التي عمت الجميع في تلك الليلة التاريخية في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1989 ليحل محلها مزيج من مشاعر الفخر والامتعاض والحنين.

الألمان فخورون جدا بوحدتهم التي جعلت من بلدهم قوة سياسية واقتصادية وعسكرية يحسب لها ألف حساب.

Image caption أحجار الدومينو الرمزية تتهاوى في الاحتفال بذكرى سقوط الجدار

رغم ذلك أكدت استطلاعات الآراء أن أكثر من ربع سكان غرب البلاد ونسبة أقل بقليل في الشرق يودون لو عاد الجدار. ليس نادرا أن ترى في الشارع قمصانا كتب عليها "أعد لي جداري واجعله أعلى هذه المرة" أو تسمع نكتا تلمح إلى مزايا الأسوار، لكن الأمر لا يخرج عادة عن نطاق الفكاهة وشيء من الحنين الطبيعي إلى الماضي، أما ما تشير إليه الدراسات فليس مجرد مزحة.

ما كان يتصوره الألمان الشرقيون عن نعيم الحياة الغربية تبدد بفعل الزمن وقساوة الرأسمالية على من هو تحت خط معين من التحصيل المادي، وما كان مواطنوهم الغربيون يشعرون به من اعتزاز بفتح أحضانهم قبل عشرين عاما يخضع الآن لامتحان عسير أمام العبء الكبير الذي تشكله إعادة هيكلة الاقتصاد الاشتراكي السابق، خصوصا تحت وطأة الأزمة الإقتصادية العالمية. كان يمكن لنسب الحنين إلى الماضي أن تكون أعلى بكثير لو لم ينجح الإقتصاد الألماني رغم كل شيء في الحفاظ على مرتبته الأولى في أوربا ولو تراجع قليلا على المستوى العالمي.

التاريخ في نجدة الإقتصاد

ليس انضمام الشق الشرقي لألمانيا كله عبئا على ألمانيا الموحدة، بل كان عاملا مساعدا على ازدهار البلد برمته وعلى حفاظه على أداء اقتصادي جيد رغم الصعوبات. ألمانيا، بتعداد سكان يتجاوز 82 مليون نسمة، تتمتع بعد الوحدة بموارد بشرية هائلة لا تتوفر لدى شركائها في الإتحاد الأوربي.

سقوط جدار برلين رفع أيضا من مستوى الطلب السياحي على المعالم التاريخية التي تكاد لا تحصى والتي تتركز بشكل كبير في شرق البلاد.

في قلب برلين، هناك جزيرة للمتاحف تضم تحفا تاريخية تعود إلى حقب متتالية من الماضي الألماني، لكن في طريقك إلى الجزيرة أو منها، يكفي أن تلتفت يمنة أو يسرة حتى تقرأ فصلا من التاريخ.

المباني والكنائس والكاثدرائيات التي لم يسلم معظمها من القصف في إحدى الحربين العالميتين، لا تزال تحتفظ بندوب النيران، فقد استعملت حجارتها القديمة الداكنة في ترميمها إلى جانب حجر جديد يعوض القطع الضائعة إلى الأبد.

الكثير من اليهود في العالم يزورون أيضا برلين حيث يقوم كنيس رائع التصميم في شارع أورانينبورغ، لم يكن ليسلم من النازيين لولا شجاعة رجل شرطة ألماني في زمن هتلر ووثيقة موقعة من طرف الموحد السابق لألمانيا بيسمارك في القرن التاسع عشر.

لولا ذلك لكانت النيران قد أتت بالكامل على الكنيس في ما بات يعرف بعمليات ليل البلور "كريستلنخت" يوم التاسع من نوفمبر تشرين الثاني عام 1938، وهو التاريخ الذي انهار فيه جدار برلين بعد واحد وخمسين عاما جدار.