بيشاور الباكستانية...هجمات تلو هجمات

لا يستطيع المرء أن يمنع الشعور بالخوف الذي يتسرب إلى قلبه في الطريق إلى بيشاور. فهذه المدينة وبحسب مسؤولي الشرطة فيها سبقت جميع مدن العالم من حيث عدد التفجيرات التي شهدتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

هذه التفجيرات شهدت ارتفاعا محموما في هذه الفترة بالتزامن مع الحملة العسكرية للجيش الباكستاني ضد مسلحي حركة طالبان في إقليم الحدود الشمالي الغربي, أحد أقاليم باكستان الأربعة والذي عاصمته بيشاور. لكن - ولأن الصحافة مهنة المتاعب كما يقال - لا يملك المرء سوى أن ينحي هذا الشعور جانبا ويمضي نحو المدينة الخطيرة.

عندما وصلت مع فريق بي بي سي إلى بيشاور وجدتها تحمل الملامح التقليدية لأغلب مدن باكستان ومن أبرزها الزحام, والفقر, وفوضى المرور. هناك كذلك نقاط التفتيش المنتشرة في الطرق. لكن هذه كان عددها كبيرا بشكل لافت في بيشاور.

تقريبا في كل طريق تدخله وسط المدينة تجد الشرطة حاضرة. ولا عجب في هذا بعدما نقلناه سابقا عن مسؤولي الشرطة في المدينة. لا عجب كذلك بعدما علمت أن بيشاور شهدت واحدا وعشرين تفجيرا خلال الربع الأخير من عام ألفين وتسعة.

هجوم واحد في أحد أسواق المدينة, سوق مينا بازار أوقع أكثر من ثلاثمائة ضحية بين قتيل وجريح في الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول أكتوبر الماضي. هذا الهجوم كان الأسوأ في تاريخ بيشاور على الإطلاق كما قال لنا قائد شرطتها لياقت على خان الذي التقيناه في بداية جولتنا بالمدينة. خان قال لنا كذلك إن الشرطة ألقت القبض على أكثر من مائة شخص خلال عام ألفين وتسعة قبل أن ينفذوا أو يساهموا في تنفيذ هجمات أخرى.

في حي ياقتوت الفقير التقيت الأخوين محمد أمجد, 38 عاما ومحمد أرشد, 32 عاما. فقدا أمهما وأختهما في تفجير سوق مينا بازار. الحزن لا يزال يخيم على المنزل وإن بدأت بعض الابتسامات ترتسم على وجوه أطفالهما الصغار عندما رأوا كاميرا بي بي سي تصورهم مع أبويهم. سألت مديحة, 8 سنوات ابنة محمد أرشد عن شعورها بعدما فقدت جدتها وخالتها فقالت وهي تنظر إلى الأرض: "كانت جدتي تلعب معي وكانت عمتي تذاكر لي دروسي أما الآن فلا أحد يلعب معي ولا أحد يذاكر لي دروسي." سألتها ماذا تريد أن تصير عندما تكبر فقالت:"أريد أن أصير طبيبة لأعالج كل الناس".

لم أستطع الذهاب إلى سوق مينا بازار لدواع أمنية فالسوق مكتظة للغاية ويسهل فيها استهداف أي شخص قد يرغب أحد في استهدافه. لكنني ذهبت إلى سوق أخرى غير بعيد تسمى سوق قصخاني أو قصة خاني حيث أنه أقيم في ذات المكان الذي كان الرواة يجلسون فيه قديما يقصون قصصهم على من يريد سماعها بينما يتناول مشروبه.

عرف المكان قديما بمقاهيه التي تجتذب السياح والمواطنين. أما الآن فقد صار سوقا للأغذية والملابس والأدوات المنزلية. وكعدد من أسواق بيشاور نال سوق قصخاني نصيبا من التفجيرات التي ضربت المدينة.

الحاج عبد البصير أحد تجار السوق, وهو يملك ويدير محلا متخصصا في بيع الشاي بجميع أنواعه حكى لي كيف أنه في شهر مايو أيار الماضي سمع تفجيرا في الزقاق المواجه لمحله في السوق فسارع لإغلاق الباب الحديدي للمحل. وبينما هو يفعل هذا إذا بتفجير آخر يقع على بعد أمتار منه شخصيا.

أراني عبد البصير جرحا في ساقه وشرح لي كيف أن شظية دخلت من الخلف وخرجت من الأمام أعلى ركبته. لا يزال عبد البصير أعرج منذ ذلك الحين. قال لي الرجل إن أحد جيرانه الذين أصيبوا أيضا أخبره أنه رأى الشخص الذي ترك الدراجة النارية التي كانت تحمل العبوة الناسفة تلك أمام محليهما وأنه نهره لترك دراجته في مكان غير ملائم لكن ذلك الشخص انصرف مسرعا. لم يدرك أحد ساعتها المخطط الذي حدث لاحقا.

قال لي الحاج عبد البصير كذلك إن من ترك تلك الدراجة هناك كان فتى في سن المراهقة. حينها تذكرت ما قاله لي قائد الشرطة من أن 99% ممن ينفذون التفجيرات في بيشاور بين سن الرابعة عشرة والسابعة عشرة وأن غالبيتهم يأتون من منطقة القبائل التي يتفشى فيها الجهل والتشدد والفقر حسب قوله. قال قائد الشرطة أيضا إن كثيرا من هؤلاء يتم استغلالهم من قبل "أعداء باكستان" دون أن يحدد من هم هؤلاء الأعداء.

أنهيت زيارتي إلى بيشاور بعدما شاهدت ما يكفي ليؤكد أنني كنت محقا عندما شعرت بالخوف في بداية اليوم. هذا الشعور أخذ يتبدد عندما غادرت بيشاور عائدا إلى إسلام أباد. وحل محله عدد من المشاعر المختلطة.

أبرزها التعاطف مع أهل المدينة والحزن والأسى على ما شاهدته من مآس والارتياح لخروجي من هناك سالما.