اسباب تخلي الفرنسيين عن عشقهم لساركوزي

بعد استطلاع رأي تلو الآخر يشير الى انحدار شعبية الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وبعد الانتخابات المحلية التي بدا فيها حزب الرئيس ضعيفا، يبدو ان الناخين الفرنسيين الذين وقعوا في حب ساركوزي عام 2007 قد خذلوه اليوم. مراسلة بي بي سي في العاصمة الفرنسية باريس ايما جاين كيربي تستفسر عن هذا الموضوع في محاولة معرفة حقيقة ما ادى الى ما آلت اليه الامور مؤخرا.

Image caption ساركوزي لم يعد يتمتع الا بـ36 بالمئة من التأييد

الاسبوع الماضي، خابرتني باربرا، وهي قريبة لي تبلغ من العمر 80 عاما وتسكن في غرب يوركشير في بريطانيا. كانت باربرا متحمسة لمعرفة المزيد مني حول تقارير وردت في الصحافة البريطانية مفادها ان زواج الرئيس الفرنسي من المغنية وعارضة الازياء السابقة كارلا بروني يعاني من مشاكل.

وقالت باربرا: "هل صحيح ان كارلا بروني تقابل شخصا آخر وهو مغن شاب وان ساركوزي تقرب من احدى الوزيرات في حكومته؟ الكل هنا في محل بيع الكتب يتحدث عن ذلك".

ولكن في باريس الامر يختلف كثيرا، ففي المكتبات لا يتكلم الناس عن هذا الموضوع، ولكن سبب غياب هذا الموضوع ليس القانون الذي يحظر على الصحافة عدم نشر تفاصيل حياة السياسيين الشخصية على صفحاتها وليس كذلك كون هذه المعلومات غير مؤكدة بسبب صدورها على احدى المدونات الالكترونية.

خيانة ساركوزي

الفرنسيون لا يتكلمون عن وجود او عدم وجود مشاكل زوجية بين بروني وساركوزي لانهم قلقون على ما هو اهم وهو ما يعتبرونه خيانة ساركوزي لهم.

عندما انتخب ساركوزي رئيسا منذ نحو 3 اعوام تعهد بأمور كثيرة لناخبية الفرنسيين اذ وعد المواطن العادي بأن تتحسن حالته المادية كما وعد الفرنسيين عامة بأن تصبح فرنسا اكثر تنافسية على الساحة الاقتصادية.

ولكن الرياح جرت كما لا تشتهي السفن اذ تخطت نسبة البطالة 10 بالمئة حسبما افادت التقارير الاخيرة وهي النسبة الاعلى التي تسجل في 10 اعوام، كما ان القطاع المصرفي الفرنسي سجل مؤخرا عجزا كبيرا، وفي ظل كل هذه المعطيات بات الكثيرون في فرنسا يعتقدون ان كل ما وعد به ساركوزي لم يكن الا كلاما انتخابيا معسولا.

وتشير استطلاعات الرأي بقوة الى خيبة الامل هذه الذي يعاني منها الشعب الفرنسي حيال رئيسه وحكومته اذ ان مؤيدي الرئيس اليميني باتوا لا يتخطون الـ36 بالمئة وهي اسوأ نسبة يصل اليها ساركوزي منذ انتخابه.

لا يمكن القول ان هذا التدني في مستوى شعبية ساركوزي هو لصالح شخصية اخرى او خصم سياسي قوي ينافس الرئيس، على الرغم من النتيجة الجيدة التي حققها اليسار في الانتخابات المحلية الاخيرة لكن حتى الآن لا يمكن الحديث عن شخصية يسارية بارزة لديها ما يلزم من الزخم للمنافسة في الانتخابات الرئاسية لعام 2012.

من ينافس؟

منافسة ساركوزي في انتخابات عام 2007 الاشتراكية سيغولين روايال قد تراجعت مقارنة بما كانت عليه منذ 3 اعوام، اما دومينيك ستروس-كاهن الذي يلقبه الفرنسيون بأحد فيلة الحزب الاشتراكي الفرنسي يرأس الآن صندوق النقد الدولي ما قد يضعه في موقع غير مريح حيال القواعد الشعبية اليسارية للحزب الاشتراكي.

وتتحدث بعض الصحف والتقارير الفرنسية عن الزعيمة الحالية للحزب الاشتراكي مارتين اوبري مشبهة اياها الى حد ما بالمستشارة الالمانية انجيلا ميركل لكن اوجه الشبه الحقيقية بين الامرأتين والتي يتكلم عنها كتاب الافتتاحيات في الصحف الفرنسية لا تتعدى تصفيفة الشعر واختيار الملابس.

ولكن في السياسة، لا شك ان الحزب الاشتراكي يتحرك في اتجاهين الاول نحو الناخبين الفرنسيين مكثفا حملاته والثاني نحو الاحزاب اليسارية الاخرى محاولا نسج تحالفات نجح بعضها اذ تمكن الاشتراكيون من التحالف مع الحزب البيئي الاوروبي وحزب الخضر الفرنسي في الانتخابات التي جرت الاحد.

وفي تحركه في هذين الاتجاهين، لا يمكن للحزب الاشتراكي الا ان يخرج منتصرا.

هجرة اليمين

في المقابل، يقف حزب التجمع من اجل حركة شعبية المؤيد لساركوزي وحده بعد ان هجرت التحالف معه احزاب يمينية اخرى لها مكانة على الساحة السياسية الفرنسية، ما جعل حزب الرئيس يدخل الانتخابات بدون حلفاء ويخسرها.

ولكن ما الذي جعل الشعب الفرنسي يتخلى عن تأييده لحزب التجمع من اجل حركة شعبية؟

Image caption انباء تتحدث عن مشاكل في زواج نيكولا ساركوزي وكارلا بروني

تجدر هنا الاشارة الى ان الغزل الذي كان قائما في الفترة الاخيرة بين حزب الرئيس واليمين المتطرف لا بد ان ازعج الناخب الفرنسي وبخاصة اليميني المعتدل.

مصدر هذا الاستنتاج هو الجدل الذي قام العام الماضي في فرنسا حول ما سمي بـ"الهوية الوطنية" والذي وضع اليمين في خانة "المتهم بالعنصرية" من خلال محاولته تشديد قوانين الامن والهجرة بهدف جذب تأييد ناخبي اليمين المتطرف بزعامة جان ماري لوبين، لكن ذلك كان له اثرا سلبيا اذ ادى الى فقدان تأييد ناخبي يمين الوسط التقليدي.

ساركوزي والمحسوبية

كما ان قرار الرئيس (والذي عدل عنه) بتعيين نجله جان ساركوزي رئيسا للوكالة التي تشرف على قطاع الاعمال في باريس اثار سخطا كبيرا على الساحة السياسية الفرنسية اذ اتهم ساركوزي بالمحسوبية.

بالاضافة الى ذلك يقول منتقدو ساركوزي ان الرئيس امضى وقتا طويلا يهتم بحكومته وما يجري بداخلها بدل الاهتمام اكثر بالمشاكل التي تعاني منها الامة الفرنسية بشكل عام.

Image caption زعيمة الحزب الاشترامي مارتين اوبري الذي يشبهها البعض بالمستشارة الالمانية انجيلا ميركل

ويضيف المنتقدون ان الرئيس، عندما انتهى من التركيز على شؤون الحكومة وانكب على العمل لم تكن النتيجة مرضية ابدا وتحديدا في مجال الاصلاحات التي كان قد وعد بها او على صعيد توسيع صلاحيات المجالس المحلية او في مجال اصلاح نظام التقاعد واصلاح القضاء وهما عنوانان لا يزالان يثيران انقساما كبيرا لدى الطبقة السياسية الفرنسية.

وفي محاولة منه قد تكون جاءت لكسب الرأي العام مجددا اعلن الرئيس مؤخرا عن تخفيف وتيرة الاصلاحات التي بدأها.

استعادة الثقة

قد يكون لذلك علاقة بالانتخابات الاخيرة التي شكلت انتكاسة لحزب ساركوزي على الرغم من قول الرئيس ان الانتخابات المحلية لا تعني شيئا على الصعيد الوطني. ولكن الواقع يبقى ان الرئيس تاذى من النتيجة الضعيفة التي حققها حزبه في الانتخابات والدليل على ذلك احد الاستطلاعات الاخيرة التي افادت بأن المؤيدين السابقين لساركوزي يرغبون برؤية رئيس حكومته فرانسوا فييون في قصر الاليزيه عام 2012.

ولكن هل سيتمكن ساركوزي من اجتذاب الناخبين الفرنسيين مجددا؟ السيدة الاولى الفرنسية كارلا بروني تجيب على ذلك بالقول انها تثق دائما بزوجها.

لكن الشعب الفرنسي وقريبتي باربرا وغيرها من الذين يتناولون الموضوع في محال بيع الكتب قد يحتاجون لافعال مقنعة واداء مختلف يقدمه الرئيس الفرنسي لكي يكسب التأييد مجددا.