الهجرة تعود كأمر واقع بسبب الازمة الاقتصادية في اليونان وايرلندا

فيليبوس كاتامبوريس ووالده
Image caption فيليبوس يعتبر قراره بالعودة الى اليونان خطأ كبيرا

وسط الازمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم وتحديدا اوروبا تتمحور عناوين الصحف ونشرات الاخبار حول خفض النفقات العامة والبطالة وعوامل اخرى ستؤثر في الاقتصادات الاوروبية على المدى المتوسط والطويل.

ومن بين هذه العوامل عودة التفكير في الهجرة لدى الشبان والشابات في بلدان تعاني بشدة من الازمة كاليونان وايرلندا.

ففي البلدين المذكورين، وبينما اعطى العقدان الاخيران انطباعا بأن لا حاجة للشبان والشابات للهجرة بحثا عن فرص عمل افضل، قضت الازمة الاقتصادية وما نتج عنها على هذا الشعور واعاد الى اذهان شرائح شبابية كبيرة من المجتمع امكانية السفر من اجل البحث عن عمل افضل في ظل مستويات ونسب بطالة مرتفعة جدا.

وسط سوق الاسماك في العاصمة اليونانية اثينا، فيليبوس كاتامبوريس قد يكون حقا احد مساعدي بائعي الاسماك، لكنه في الوقت نفسه من اصحاب المهارات العالية، اذ لديه شهادة من الجامعة اليونانية وشهادة دراسات عليا في الادارة والتكنولوجيا من احدى جامعات بريطانيا.

منذ بضعة اعوام، قرر هذا الشاب ترك وظيفته في بريطانيا والعودة الى اليونان، وحينها كان يعتبر فيليبوس وغيره من اليونانيين المغتربين من اشباهه رمزا او مثالا في ما يتعلق برغبة العودة الى البلاد لما كانت تقدمه اليونان من فرص عمل لاصحاب المهارات.

ويقول فيليبوس انه "اراد العودة لانه لم يرغب بقضاء ما تبقى من حياته في بلد اجنبي"، لكنه الآن يقول ان ما فعله "كان خطأ كبيرا"، اذ خسر عمله في شركة ابحاث تجارية مع بداية الازمة الاقتصادية وكل ما يستطيع ان يقوم به الآن هو ان يعمل الى جانب والده في سوق الاسماك.

ويضيف فيليبوس انه "يفكر احيانا في العودة الى بريطانيا، لكن زوجته لا تقبل بمرافقته، لذلك كل ما يمكن ان يفعله هو البقاء في اليونان آملا بمستقبل افضل".

حالة فيليبوس ليست نادرة، فهو واحد من بين آلاف الشبان والشابات اليونانيين الذين يواجهون السؤال نفسه، هل يبقون في البلاد ام يكونون الموجة الجديدة للشباب اليوناني المهاجر الى استراليا وبريطانيا او الولايات المتحدة؟

ايرلندا

الوضع في ايرلندا مشابه، فالحديث عن الهجرة اصبح متداولا بكثرة بعد نحو عقدين من نسب نمو عالية جعلت الايرلنديين يفتخرون بفكرة خلق ما يكفي من فرص عمل للمحافظة على مهارات الشباب وتشجيعهم على البقاء في بلادهم بدل الهجرة.

Image caption كونان اوبروين ودع في الاشهر الاخيرة 5 او 6 اصدقاء هاجروا بسبب الحالة الاقتصادية المتردية في ايرلندا

ولم يقتصر الامر على ذلك اذ كان الوضع في ايرلندا يشجع الايرلنديين المغتربين بالعودة الى بلادهم والعمل في عدة مجالات تمتد من البناء حتى الاسواق المالية.

ولكن حالة الرفاه الاقتصادي هذه تحولت الى "فقاعة" اقتصرت على السوق العقاري انتهت بشكل كارثة في ظل الازمة الاقتصادية والمالية العالمية، اذ ادى كل ذلك الى ارتفاع دراماتيكي بنسب البطالة ما دعا الحكومة الايرلندية الى التدخل بشكل حازم وفرض حالة من التقشف ادت الى استياء شعبي عارم.

ومن بين الموظفين الرسميين الذين اضربوا احتجاجا على هذه التدابير موظفي ادارة جوازات السفر في العاصمة الايرلندية دبلن ما ادى يوميا الى انتظار الناس في طوابير طويلة في كل صباح آملين ان ينهوا معاملاتهم الادارية لاصدار جوازات تسمح لبعضهم بالسفر في اجازات، ولآخرين بالهجرة.

وفي احد الطوابير قال احد المنتظرين قابلناه ان "لديه فرصة للعمل في الولايات المتحدة ويفكر جديا في الاستفادة منها".

ويضيف الشاب: "لا اريد مغادرة بلدي، ولكن الحالة الاقتصادية تجعل الكثيرين يفكرون في الرحيل لان الوضع يمكن تلخيصه بالتالي: تخفيض الراتب تلو تخفيض الراتب، وفي حال غادرت فلن اعود".

على بعد مسافة قصيرة من ادارة اصدار الجوازات تقع جامعة ترينيتي الايرلندية حيث التقينا رئيس رابطة الطلاب كونان اوبروين الذي قال وهو مستاء جدا: "لقد ودعت على الاقل 5 او 6 من اعز اصدقائي في الاشهر القليلة الماضية، بعضهم لن يعودون ابدا".

ويضيف الطالب: "انتهت فترة الاحلام التي كنا نعيش فيها وسقطنا الآن في واقع مرير شبيه بالحالة الاقتصادية الرديئة التي عانت منها ايرلندا لفترة امتدت نحو 3 عقود منذ خمسينيات القرن الماضي".

ويعتبر الطالب ان "هناك عودة الى ارتفاع نسب الهجرة كما في السابق وذلك كخيار آمن ناتج عن اخفاق الايرلنديين في بناء اقتصاد ثابت وقوي".

ويختم اوبروين بالقول انه "يفكر ايضا في الرحيل وبشكل جدي جدا".

الهجرة بحثا عن فرص وعمل افضل ليست بالامر الجديد، ولكن تجدر الاشارة الى ان انشاء منطقة العملة الاوروبية اليورو تهدف بشكل اساسي الى اعتبار اوروبا قارة يمكن لسكانها الانتقال بسهولة من بلد الى آخر بحثا عن عمل افضل دون عوائق.

ولكن الآن، وبخاصة في حالتي اليونان وايرلندا، اصبح هاجس الشبان والشابات الهجرة بحثا عن فرص افضل، فينتهي بهم الامر كالكثيرين من اهلهم واجدادهم، واوروبا لم يعد اليوم بالامكان اعتبارها كما كانت توصف في الاعوام الاخيرة "كعائلة تنعم بالازدهار الاقتصادي شجعت الكثير من البلدان على الانضمام اليها".