حركة طالبان تعود للواجهة في باكستان

طالبان

تواجه السياسة التي تتبعها الحكومة الباكستانية لمجابهة الحركات المسلحة الانهيار بينما يعود مسلحو حركة طالبان الى الظهور بقوة في المناطق الشمالية الغربية من البلاد.

فقد عاد مسلحو الحركة الى سبع من المناطق القبلية الباكستانية اضافة الى اقليم سوات الذي شهد عملية عسكرية واسعة النطاق نفذها الجيش الباكستاني لتطهير المنطقة منهم.

وعادت هذه المناطق مجددا الى الواجهة الدولية، بسبب محاولة التفجير التي شهدتها مدينة نيويورك مؤخرا، حيث ان المتهم الرئيسي في تلك المحاولة - الباكستاني فيصل شاهزاد - كان قد تلقى تدريبا على ايدي مسلحي طالبان في اقليم وزيرستان.

وقد عاد المسلحون الى اغتيال الزعماء المحليين وتخويف السكان وتهديد قوات الامن وتقويض المشاريع الانمائية والتهديد بالعنف.

وكان انتحاري قد قتل خمسة اشخاص في وادي سوات في الاول من الشهر الجاري، بينما قتل في الشهر الماضي ستة من زعماء القبائل البارزين في هجمات استهدفت مساكنهم في مدينة مينجورا مركز اقليم سوات وغيرها من بلدات الاقليم.

وعاد المسلحون الى عاداتهم القديمة في الاغارة على المدن بالدراجات النارية لترويع المدنيين واشعال النيران في مدارس البنات وتهديد كل من يجرؤ على التعاون مع الجيش - وكل ذلك على مرأى ومسمع رجال الشرطة والجيش.

عودة

تعتبر هذه التحركات مؤشرات موثوقة الى ان مسلحي طالبان يستعدون للعودة بقوة الى الواجهة في اقليم سوات. فزعيمهم مولانا فضل الله، المتواري حاليا عن الانظار، قد يظهر الى العلن في اية لحظة.

وكان رئيس الاركان الباكستاني الجنرال اشفق كياني قد قام بعدة زيارات الى المنطقة لتقييم الموقف.

وكان الجيش الباكستاني قد اعلن قبل سنة بأن وادي سوات والمناطق المجاورة له اصبحت خالية من المسلحين، وذلك بعد قتال عنيف شارك فيه زهاء 50 الف جندي.

ومع عودتهم الى المنطقة، يسعى المسلحون الى الانتقام من الجيش.

يقول مسؤولون غربيون وباكستانيون إن الجيش الباكستاني ما زال يحتفظ بالفين وخمسمئة من المسلحين المشتبهين لعجز النظام القضائي عن حسم قضاياهم. وكثير من هؤلاء هم من اهالي سوات، حيث وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش لحقوق الانسان ثلاثمئة حالة قتل غير قانوني نفذها الجيش في العام المنصرم.

كل هذا والجيش ما زال يصر على انه طهر معظم اقليم سوات من المسلحين من خلال سلسلة من العمليات العسكرية التي نفذها في الاشهر الـ 18 الماضية.

Image caption يقول الجيش إنه طهر سوات من المسلحين

الا ان هذه العمليات دفعت المسلحين الى خارج المنطقة، حيث يتجحفل الآلاف منهم وقادتهم في اقليم وزيرستان الشمالية المجاور وهي منطقة لم يتعرض لها الجيش البتة.

هجوم

يذكر ان اقليم وزيرستان الشمالية واقع تحت نفوذ زعيم طالبان افغانستان جلال الدين حقاني وزعيم حركة طالبان باكستان غل بهادر، اللذان يقولان إن مقاتليهما يستهدفون القوات الامريكية في افغانستان وليس الجيش الباكستاني.

وطالما حث الامريكيون وحلفاؤهم الاطلسيون الجيش الباكستاني على استهداف المسلحين في وزيرستان، الا ان الباكستانيين يرفضون ذلك بدعوى ان قواتهم تعمل فوق طاقتها وليس بامكانها فتح جبهة جديدة.

ومن الجدير بالذكر ان معظم الضربات الصاروخية التي نفذها الامريكيون على اهداف داخل باكستان هذه السنة كانت ضد اهداف في وزيرستان الشمالية - الاقليم الذي تلقى فيه فيصل شاهزاد المتهم بتدبير محاولة تفجير نيويورك الاخيرة تدريبا في كيفية اعداد السيارات المفخخة.

وبدأ المسلحون في الاشهر الاخيرة بالتسلل من معاقلهم في وزيرستان الشمالية الى المناطق القبلية المجاورة، وبتنفيذ هجمات كبيرة على قوافل الجيش ومعسكراته، علاوة على الهجمات الانتحارية التي طالت الزعماء المحليين الذين يتعاونون مع الجيش.

وفي واحد من اكثر هذه الهجمات دموية، قتل سبعة عسكريين باكستانيين في كمين نصبه لهم مسلحو طالبان قرب بلدة ميران شاه في وزيرستان الشمالية في الثالث والعشرين من الشهر الماضي. وقد اصيب في ذلك الكمين ايضا 25 عسكريا واعطبت ستة شاحنات.

وفي هجمات اخرى، استهدف المسلحون الارتال التي تنقل الوقود والمؤنة الى القواعد العسكرية الامريكية في افغانستان، وكما شهدت مناطق اوراكزاي ووزيرستان الجنوبية وباجاور جولات من القتال العنيف بين مسلحي طالبان وقوات الجيش الباكستاني.

لقد اصبح اقليم وزيرستان الشمالية اكبر مرتع للجماعات المسلحة في المنطقة، إذ تتمركز فيه جماعات من آسيا الوسطى والشيشان والبلاد العربية وكشمير اضافة الى جماعات متعددة من البنجاب جنوبي باكستان وجماعات طالبان الباكستانية المكونة من رجال قبائل البشتون.

وكان الاسبوع الماضي قد شهد عودة ظهور زعيم حركة طالبان باكستان حكيم الله محسود الذي كان نبأ مقتله في غارة صاروخية امريكية مزعومة قد اعلن في شهر قبراير/شباط المنصرم. ويبدو ان محسود كان مختبئا هو الآخر في وزيرستان الشمالية.

وتشهد الاوضاع في الاقليم فوضى متصاعدة، حيث تتجاهل الجماعات المسلحة المتعددة - ولاسيما البنجابيون - سلطة حقاني وغيره من الزعماء.

وفي الحقيقة، لا تمتلك السلطات الباكستانية اية استراتيجية او عقيدة عسكرية شاملة لمحاربة الحركات المسلحة، وهو امر كان من المفترض ان يكون قد حسم من قبل الجيش والحكومة قبل الشروع في العمليات العسكرية.

استراتيجية

تشتمل عقيدة محاربة الحركات المسلحة التي يتبعها الامريكيون وحلفاؤهم في افغانستان على مراحل محددة: تطهير الارض ثم الامساك بها ثم اعادة بناء ما دمر فيها من منشآت ثم اخيرا تسليمها الى السكان المحليين.

اما في باكستان، فالوضع مختلف، حيث يقوم الجيش الباكستاني بتطهير الارض والامساك بها، ثم يقوم هو (الجيش) باعادة تأهيل البنى التحتية، ولكنه لا يسلم المناطق المطهرة الى سكانها ابدا. ويجب ان نعلم ان الجيش الباكستاني ليس مهيأ ولا مجهز للقيام بالمهمتين الاخيرتين.

ففي المناطق القبلية ووادي سوات، يضطر الجيش الى التعامل مع ربع مليون نازح على الاقل مع كل ما يعني ذلك من توفير المعونات الانسانية واعادة البناء والمسؤولية الادارية وشق الطرق وضمان انسياب المواد الغذائية على طرق تتعرض باستمرار لكمائن المسلحين.

وبينما عرضت الحكومة تحمل مسؤولية هذه المهمات المدنية بالاساس، لم يضع الجيش خطة تشجع السلطات المدنية على ذلك، وبينما سلم رئيس الوزراء الباكستاني كافة المسؤوليات الامنية في المنطقة لرئيس الاركان، لم يبلور الجيش الخطط اللازمة لتشجيع المدنيين على التعاون معه بينما يوفر هو (الجيش) الامن لهم.

يبقي هذا الوضع الكثيرين من سكان المنطقة في وضع لا يحسدون عليه، فمن ناحية هم يكرهون وجود الجيش بين ظهرانيهم ولكنهم من ناحية اخرى لا يجدون مناصا من التعاون مع العسكر لغياب اية سلطة مدنية ترعى شؤونهم.

إن الوضع الامني المتدهور في وزيرستان الشمالية بدأ يلقي بظلاله على المسرح الدولي، ويساعد في خلق قاعدة واسعة يلوذ بها المسلحون. وفي غضون ذلك، توشك مناطق اخرى من باكستان على السقوط في ايدي مسلحي طالبان.

على السلطات المدنية والعسكرية في باكستان بلورة استراتيجية متكاملة لمواجهة الحركات المسلحة، استراتيجية قادرة على توفير الامن وتثبيت سلطات ادارية تتمكن من دفع عجلة التنمية الى الامام مما سيعزل المسلحين.

ان الارتجال الذي تتعامل به السلطات مع المناطق المتأثرة في غياب هكذا استراتيجية لابد ان يؤدي الى تدهور الاوضاع الامنية فيها.