الافغان يتدارسون إمكانية عودة طالبان إلى العمل السياسي العلني

Image caption يلتقي مئات الوجهاء والأعيان الأفغان في كابول في مؤتمر للمجلس القبلي بهدف مناقشة كيفية إقناع مقاتلي طالبان بوضع أسلحتهم والانخراط في العملية السياسية

أمام منزل متواضع في أحد احياء كابول، يقف مجموعة من الجنود المدججين بأسلحة خفيفة . بعضهم يتولى الحراسة وآخرون يرقدون داخل هيكل حافلة قديمة حولوه إلى مكان للأكل والاسترخاء أثناء ساعات المداومة.

بابتسامة خجولة استقبلنا صاحب المنزل. رجل في أواسط العمر، متوسط القامة مائل إلى القصر، وذو لحية خفيفة يبدو أنه يعنى كثيرا بتهذيبها وتمشيطها.

اعتذر كثيرا عن ضيق الغرفة التي استقبلنا فيها، قبل أن يواصل الترحاب بلسان يتردد كثيرا قبل أن يفوه بكلمات عربية.

مضيفنا هو وكيل أحمد متوكل، الوجه المدني لحركة طالبان، وآخر وزير للخارجية قبل سقوطها.

قضى متوكل أكثر من عامين في سجون تابعة للولايات المتحدة وللحكومة الأفغانية، قبل أن يفرج عنه مثلما أفرج عن سفير طالبان في باكستان، عبدالسلام ضعيف، الذي اشتهر بمؤتمراته الصحفية اليومية في إسلام أباد عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر ايلول عام 2001.

أزمة ثقة

Image caption قضى متوكل أكثر من عامين في سجون تابعة للولايات المتحدة وللحكومة الأفغانية

غرفة الضيافة في منزل متوكل صغيرة وتزينها مكتبة ملأى بالكتب الدينية باللغتين العربية والفارسية. وعلى أحد الجدران أثارت انتباهي لوحتان لبعض الزهور. كان من عادة حركة طالبان أن تحرم كل أنواع الصور بما فيها تلك المخصصة لبطاقات الهوية وجوازات السفر. أما التلفزيون فكان شيئا من "البدع" التي لا تجوز مشاهدته. لكن يبدو ان وكيل متوكل كان يشكل الجانب الأكثر انفتاحا في حركة طالبان. ويبدو أنه لهذا السبب جرى الإفراج عنه دون القيادات الطالبانية التي لها صلة بالعمل العسكري أو التأطيري.

سألته عن حظوظ نجاح مؤتمر الأعيان (جيرغا الصلح) المنعقد في كابول بمشاركة مئات من زعماء القبائل والوجهاء ورجال الدين، في التوصل إلى خطة لإقناع مقاتلي طالبان بترك اسلحتهم والانضمام للحكومة، فكان جوابه قاطعا: "طالبان لا تثق في الحكومة، وهي ترى أن مؤتمر الإعداد لخطة المصالحة ما هو إلا محاولة لدق إسفين بين من يوصفون بطالبان المعتدلين، والآخرين الذين ينعتون بالمتشددين".

انعدام الثقة بالضبط هو ما تقوله أيضا عناصر من السلطات الحاكمة في كابول. فهم يرون أن عودة طالبان او فصيل معين منهم إلى السلطة، قد يعني التمهيد لحرب انتقامية من أعدائهم الذين تراهم الحركة "عملاء" للولايات المتحدة وحلف الناتو، كما أنهم قد يتراجعون "عن مكاسب على مستوى الحريات الفردية والجماعية".

وانعدام الثقة هو الكلمة الأكثر تداولا في الشراع الأفغاني. حينما سألت شيخا عجوزا في أحد الأسواق الشعبية بكابول، عن مدى علمه بمؤتمر الأعيان الخاص بخطة المصالحة الوطنية، كان جوابه قاطعا أيضا: "نحن لا نثق في الحكام، وهذا التجمع لن يضم سوى الرئيس كرزاي وزبانيته. أما الشعب فهو في غفلة عما يخططون".

"صراع" أجنحة في الحكم

نفس الشعور يسري في الأوساط الدبلوماسية بكابول، بالرغم من تخفيفها الانتقاد العلني لحكومة الرئيس حامد كرزاي. فكلمة الفساد يتداولها أكثر من لسان هنا في العاصمة الأفغانية، مثلما صرح بها زعماء دوليون معروفون بدعمهم لحكومة كرزاي.

وكيل متوكل أكد القول ذاته، لكنه يشير إلى أن للحكم في أفغانستان أجنحة متصارعة. كما اتهم أطرافا حاكمة بالسعي لتقويض هذه الجهود لأن "استمرار العنف يخدم مصلحتها".

وبالمقابل يبدو المواطنون البسطاء في أفغانستان أكثر ميلا للمصالحة ولإعادة حركة طالبان إلى العمل السياسي العلني.

لكن الاختلاف حاصل في حدود هذه العودة.

عاشق الله عبدالله، شيخ يبدو أنه تجاوز السبعين من العمر، لكن بنيته الجسدية ما زالت قوية، وقد بدا ذلك من خلال إحكام قبضته بقوة حول اليد أثناء المصافحة. سألته إن كان يرغب في عودة حركة طالبان، فكان جوابه بالإيجاب. وأضاف "إنهم أفغان مثلنا، ولن تستقيم المصالحة بدونهم. وإن بقي واحد من رجالهم مهضوم الحقوق في إحدى القرى، فإن ذلك سيعكر صفو القرية كلها وسيؤدي إلى البلبلة، لذلك نرى انه من الواجب إشراكهم في السلطة".

لكن الحماس لعودة طالبان يخفت حينما ألتقي بنجيبة، وهي سيدة في العقد الثالث من عمرها. كانت ترتدي سروالا من نوع "جينز" وشعرها مكشوف، خلافا للبرقع الأزرق الذي اشتهرت بارتدائه نساء قبائل البشتون التي تشكل غالبية سكان أفغانستان.

سألتها عند مدخل أحد متاجر بيع الألبسة النسائية العصرية، إن كانت تمانع في احتمال عودة طالبان، فقالت إنها ترحب بهم، لكن وفق شروط عدة. من بينها "عدم التراجع عن حق المرأة في أن تخرج للتسوق والعمل والدراسة وان ترتدي ملابس عصرية".

وإن لم تتحقق هذه الشروط فإن نحيبة تقول إنها تخشى من "العودة مرة أخرى إلى العيش في ديار المهجر كلاجئين". ثم تغادر نجيبة المكان مهرولة نحو منزلها.

أما وكيل احمد متوكل فيقول إن طالبان ربما تكون راجعت بعض مواقفها السابقة، لكنه يؤكد أنها كانت "تتصرف وفق الشريعة الاسلامية. فنحن لم نكن نمنع المرأة من الدراسة او العمل، لكننا كنا وما زلنا ضد الاختلاط بين الجنسين".

يتذكر وزير الخارجية الأخير في حكومة طالبان أنه لم يعد منتميا رسميا للحركة، ويشير إلى أن اجتماع المصالحة ليس ملزما للحكومة ، بل هو مجرد لقاء استشاري. أما الحركة فقد وصلتنا عقب اللقاء مباشرة أنباء عن سيطرتها على دوائر جديدة في شمال شرقي البلاد، كانت تحت سيطرة القوات الحكومية.

ربما كانت تلك واحدة من الرسائل التي ترغب طالبان في ارسالها مجددا إلى الأمريكيين وحكومة كرزاي ومفادها أنه " ما لم تنسحب القوات الدولية من عموم أفغانستان، فإنه لا سلم معها أو مع من حالفوها من المحليين".