جهود المصالحة في أفغانستان: شبح الماضي يشد الناس إلى الوراء

اشبه بأفعى تشق الطريق
Image caption جدار كابول

في طريقي نحو حي دار الأمان في كابول، أثار انتباهي جدار طيني قديم يشق كالأفعى جبل ده مزنك المطل على أحد اطراف المدينة.

الجدار بالتواءاته يذكر بنظيره في الصين، ولو أنه لا مجال للمقارنة بين الاثنين من حيث الرونق والقوة ومكونات البناء. لكن ما يجمع الجدرين هو أنهما بنيا في حقبتين غابرتين لأغراض عسكرية صرفة، لصد الاعداء المهاجمين، وبث الرهبة في القلوب، والفصل بين الفئات الموالية للحكام، وتلك التي تناوئهم.

كان الغرض من المرور عبر هذا المكان هو الالتقاء بأشخاص لديهم آراء تختلف عن تلك التي عبر عنها الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أثناء الجلسة الافتتاحية لاجتماع مجلس الأعيان القبليين (لويا جيرغا)، المخصص للبحث في المصالحة مع الفصائل التي مازالت ترفع السلاح في وجه الحكومة الأفغانية، وحلفائها من الأمريكيين ومن قوات حلف الأطلسي.

لقد سطر كرزاي في خطابه الذي ألقاه في خيمة كبرى، بحضور نحو 1400 مندوب عن القبائل والأعراق ورجال الدين والطوائف، تحولا نوعيا في تصنيفه للمعارضة، بما فيها حركة طالبان، حينما ركز كثيرا على أن هؤلاء يظلون أفغانا مهما كان مختلفا معهم، وعلى أن الكثير منهم تعرضوا لـ"الظلم" على أيدي القوات الأمركية. كما شدد على أن "الكثير من الجرائم التي يقوم بها الإرهابيون، تقترف باسم طالبان، وطالبان منها براء".

قذائف هاون مقابل "غصن زيتون"

اعتبر مراقبون كلام كرزاي بمثابة غصن زيتون ممدود نحو من ظلوا يحملون السلاح في منازلتهم لحكومة كابول وللقوات الأجنبية. إلا أن الرد على كلام الرئيس الافغاني جاء فوريا، وفي شكل سيل من قذائف الهاون التي انهالت تباعا على محيط المكان حيث يجري في الاجتماع. وبعدها، دارت معارك طاحنة بأسلحة خفيفة وبصواريخ (آر بي جي) بين انتحاريين وقوات الأمن الأفغانية. قتل اثنان من الانتحاريين واعتقل ثالث ، بينما قالت طالبان إن رابعا كان مع الجماعة. وكان من نصيبنا نحن الصحفيين الموجودين في فندق "إنتركنتينونتال" القريب من خيمة الاجتماع، صاروخ سقط غير بعيد عنا، فأدى إلى حالة ذعر وبلبلة شتتت اهتمام الجميع بمتابعة خطاب كرزاي عبر شاشة كبيرة أعدت لهذا الغرض.

استمر اجتماع "لويا جيرغا" كأن شيئا لم يحدث، بالرغم من أن المعارك جرت على بعد بضع مئات من الامتار منه. وخرج كثير من المسؤولين ليقولوا إنه لا صلح ممكنا في أفغانستان مادام في البلاد مقاتلون تابعون لحركة طالبان و تنظيمات أخرى، أبرزها الحزب الاسلامي، بزعامة قلب الدين حكمتيار.

سألت الرئيس الأفغاني الأسبق ورئيس مجلس المصالحة، برهان الدين رباني، عما إذا كانت حركة طالبان حاضرة في اجتماعات مجلس الأعيان، فأجاب بابتسامة دبلوماسية، أن ما يجري في اجتماعات المجلس يُبَلغ للحركة سواء من خلال المتعاطفين معها، أو أتباعها السابقين، أو وسطاء لم يكشفوا عن أنفسهم. والشيء نفسه ينسحب على جماعة قلب الدين حكمتيار.

برلمانية مغضوب عليها

يعد حكمتيار من قدماء قادة المجاهدين الذين قاتلوا القوات السوفيتية التي اجتاحت أفغانستان ما بين أواخر ثمانينيات القرن الماضي ومطلع تسعينياته. غير أنه اشتهر أكثر من غيره من قادة المجاهدين، بكون ميليشياته أمطرت سكان كابول بآلاف من القذائف في أواسط التسعينيات، وتسببت في مقتل وإعاقة الآلاف من المدنيين.

حاولت أن أتخيل حالة كابول وهي تستقبل قذائق جماعة حكمتيار، وأنا في طريقي للقاء واحد ممن فقدوا ذويهم اثناء حملته على العاصمة الأفغانية. داخل دكان مظلم كان بشير احمد بانتظارنا وفي يده فرشاة يلمع بها فردة من احذية قديمة يتاجر فيها.

بعد تبادل التحية سألته عن موقفه من الحوار المحتمل إجراؤه مع حكمتيار ومن هم على شاكلته. توارت الابتسامة عن محيا بشير وحلت محلها ملامح صارمة ، ثم قال: " لقد قتل أخي وعمي بصواريخ اطقلها علينا رجال حكمتيار. لذلك أرفض عودته هو وامثاله الذين قتلوا آلاف الشباب والأطفال والنساء. إنه يظل في أعيننا مجرد مجرم".

كان بشير مقلا في الكلام مقارنة بضيفة اخرى تتميز بكونها من اشد الناس معارضة لحكم كرزاي وللمعارضة المسلحة. يتعلق الأمر بالنائبة المطرودة من البرلمان، ملالي جويا. سيدة متوسطة العمر، نحيفة، وتتميز بطلاقة في اللسان واسترسال في الكلام بشكل لا يكاد ينقطع.

تغير ملالي سكنها باستمرار، بعدما نجت من الاغتيال في مرات عدة. والوصول إليها تطلب المرور بإجراءات امنية خاصة....

تقول ملالي إن جيرغا المصالحة "ما هي إلا مناسبة للمصالحة بين أفراد عائلة واحدة ، كلهم يفكرون بعقلية واحدة متشددة، والفرق بين طالبان وحكام كابول، يتمثل في اللباس فقط. فمنذ وصول تحالف الشمال إلى الحكم قبل ثماني سنوات، بمساعدة الامريكيين، لم يتغير فيهم سوى لباسهم الذي أصبح على الطريقة الغربية، أما العقليات فقد ظلت هي هي، عقليات أمراء الحرب".

المرأة التي قتلت "طاغية" كابول

Image caption مع البرلمانية المطرودة ملالي جويا

تمثل ملالي جويا تيارا نسائيا يزداد اتساعا مع مرور السنين. فهي درست في باكستان حينما كانت لاجئة مع اهلها إبان الحرب الاهلية، وتريد أن لا تفرط النساء في حقهن بالتعليم والعمل والتحرر من القيود الاجتماعية "الثقيلة" المفروضة على المرأة الأفغانية.

وداخل "اللويا جيرغا" تحدثت نساء كثيرات عن "خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها إن أريد لطالبان أن تعود إلى العمل العلني"، ومن بينها عدم إجبار النساء بلزوم البيت ، وكذلك عدم التفريط بحق الأطفال والفتيات في التعليم العصري.

حين تتحدث ملالي، تستخدم كثيرا عبارة "شعبي" ، وترى أنها تحمل رسالة "إزاء هذا الشعب الذي دماؤه ليست رخيصة كالماء".وانتقادها لا يقتصر على الأفغان، بل يطال الأمركيين. تقول إن شعب بلادها "يقع بين فكي كماشة ، في السماء الأمريكيون يقصفوننا ويقتلون أبرياءنا، وعلى الأرض المسلحون والحكام يقتلون ويغتصبون ويضطهدون".

انتهى اللقاء، وفي الطريق روى لي المترجم المرافق لي قصة الجدار الذي يتسلق جبل "ده مزنك"، فحسب روايته كان في أفغانستان ملك طاغية اسمه "زمبورك شاه"، وكان يجبر الرجال على بناء الجدار ويقتل أو يعذب من يرفض الانصياع لأوامره. وفي أحد الأيام تسللت سيدة ترتدي البرقع التقليدي، وسط الرجال، وشرعت في البناء. مر الملك عليها وقال لها "كيف لك ان تشاركي في البناء وأنا أمرت الرجال بذلك فقط".

فردت عليه :"أين هم الرجال؟ أنا لم أر سوى الجبناء هنا". ثم حملت قطعة حجر كبيرة وضربته بها. ولما رأى الرجال ذلك المنظر انضموا إليها وانقضوا على الملك حتى أردوه قتيلا وتخلصوا من شره.

انتهت رواية المترجم ... ولم يتسن التحقق من مدى صحتها. من كلام ملالي جويا، كان يبدو أنها بتحديها للحكومة وللمسلحين الذين يريدون إسكاتها، تريد ان تثول لهم إنها على شاكلة تلك المرأة التي قضت ذات حقبة غابرة، على طاغية كابول.