العنف العرقي في قرغيزستان: سؤال وجواب

خلَّف القتال العرقي الذي اندلع جنوبي قرغيزستان الخميس الماضي 138 قتيلا ومئات الجرحى حتى الآن، فيما عبر آلاف اللاجئين الأوزبك الحدود إلى أوزبكستان المجاورة. فيرديف روبنسون، رئيسة تحرير قسم وسط آسيا والقوقاز في بي بي بي سي، تسلِّط الضوء فيما يلي على خلفية الأحداث التي تشهدها قرغيزستان:

Image caption رغم وجود عنصر أنصار باكييف وراء إزكاء القلاقل، يصعب تفسير أعمال القتل الجماعية التي تجري بشكل عشوائي من خلال هذا العامل بمفرده، كما يقول المحللون.

تُرى، ما الذي أشعل فتيل شرارة العنف؟

ارتفعت حدَّة التوتر في المنطقة منذ الإطاحة بالرئيس كرمانبيك باكييف في انتفاضة في السابع من شهر نيسان/أبريل من عام 2010، إذ أصبح معقله جنوبي البلاد مركزا لعدم الاستقرار منذ ذلك الحين.

فقد قامت العناصر الموالية للرئيس السابق باكييف بتنظيم معارضتها للحكومة الانتقالية الجديدة، فاستولوا على المكاتب الحكومية وأسروا عددا من المسؤولين كرهائن. أمَّا الأقلية الكبيرة من الأوزبك، فقد عبَّرت عن تعاطفها مع الحكومة الجديدة في بشتيك.

أمَّا بالنسبة لروزا أوتونباييف، الرئيسة المؤقتة للبلاد، فقد جهدت بشق الأنفس للسيطرة على الجنوب، حيث قامت العناصر الإجرامية وتجار المخدرات باستغلال فراغ السلطة في المنطقة.

وهكذا، اشتعلت الشرارة التي أدت إلى أعمال العنف والاشتباكات الأثنية بين العصابات التي تنتمي لكل من الأثنيتين القرغيزية والأوزبكية في المنطقة.

Image caption نفي باكييف ضلوعه بأعمال العنف في قرغيزستان، رغم اتهام أنصاره بالتسبب بها.

وسرعان ما تحوَّل القتال بين العصابات إلى قتال شوارع بين الشباب في مدينة أوش. كما غذَّت الشائعات الأعمال الوحشية التي ارتُكبت من قبل الجانبين، إذ زحفت الجماهير الغاضبة من البلدات والقرى الأخرى إلى أوش، حيث أرغمت أعدادا كبيرة من أقلية الأوزبك على الفرار من المنطقة.

وهل هنالك من أسباب أخرى على المدى الأبعد وراء هذا الصراع؟

تقع مدينة أوش الجنوبية وسط سهل خصب منبسط يُعرف بوادي فرجانة. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، تم تقسيم الوادي بين ثلاث جمهويات مستقلة، هي: قرغيزستان وأوزبكستان وطاجكستان. لكن حدود الجمهوريات الجديدة أفرزت جيوبا صغيرة من الأقليات العرقية في كل بلد من تلك البلدان.

وفي عام 1990، كانت المرة الأخيرة التي اندلعت فيها اضطرابات عرقية خطيرة في المنطقة، وقد أخمدتها القوات السوفياتية حينذاك. ومنذئذٍ، أصبح الجزء القرغيزي من وادي فرجانة بمثابة المغناطيس الذي يجذب إليه الأعمال التجارية مع البلدان المجاورة.

وهكذا، فقد ازدهرت في المنطقة سوق غمرته البضائع الصينية الرخيصة، وأضحت مركزا للمخدرات التي تتدفق بشكل غير مشروع من أفغانستان في طريقها إلى أسواق العالم الأخرى.

وأخفقت الحكومات القرغيزية المتعاقبة بالتعامل مع الفساد وفي خفض معدَّلات الجريمة المتنامية. كما ساهم انهيار مشاريع البنية التحتية وانتشار الفقر بازدياد حدة السخط الشعبي.

Image caption هددت أوزبكستان بإغلاق حدودها في وجه موجات اللاجئين المتدفقين إلى أراضيها.

وسكان وادي فرجانة هم بغالبيتهم من المسلمين المتدينين، كما شكَّلت المنطقة أيضا تربة خصبة بالنسبة للحركات الإسلامية التي تقوم بتجنيد عناصر جديدة في صفوفها من سكان المنطقة.

أمَّا الأقلية الأوزبكية، فتشكِّل حوالي 15 بالمائة من العدد الإجمالي لسكان قرغيزستان البالغ خمسة ملايين نسمة. وهم أقلية في مدن وبلدات الجنوب، كمدينة أوش، وإن كان عددهم في بعض مناطق وادي فرجانة يفوق عدد أفراد القرغيز.

وقد يكون الخوف المنتشر بين السكان القرغيز في المنطقة من أن الأوزبك قد يرغبون بالاستيلاء على أراضي القرغيز ومن ثم ضمها إلى أوزبكستان أحد العوامل الرئيسية لتصاعد أعمال العنف في المنطقة خلال الأيام الأخيرة.

وهل تتمتَّع الحكومة الانتقالية بالكثير من السيطرة على الوضع؟

لقد حاولت الحكومة الانتقالية برئاسة روزا أوتونباييفا جاهدة للسيطرة على منطقة الجنوب حيث واصلت العناصر الموالية لباكييف التمتُّع بنفوذ كبير.

ومع انتشار أعمال العنف العرقي، أعلنت الحكومة الانتقالية حالة الطوارئ في الجنوب، لكنها أخفقت بفرض القانون والنظام. وقد نُظر على نطاق واسع إلى مناشدة أوتونباييفا لروسيا بإرسال قواتها للمساعدة بقمع أعمال العنف على أنها تشكِّل الدليل على عجز الحكومة عن التعامل مع الوضع.

لقد أرسلت الحكومة المؤقتة إلى الجنوب قوة من المتطوعين، وأعطت قواتها الأمنية سلطة إطلاق الرصاص الحي بغرض القتل. ولقي هذا الأمر انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوق الإنسان التي دعت القوات التابعة لحكومة قرغيزستان باتباع المبادئ الدولية الأساسية المتعلقة باستخدام القوة والأسلحة النارية.

وقد كرَّرت منظمة هيومان رايتس ووتش، التي كانت ممثلتها قد علقت وسط الاضطرابات في مدينة أوش، دعوتها لإرسال قوَّة بتفويض من الأمم المتحدة لمساعدة حكومة قرغيزستان بتأمين الحماية للمستهدفين، ووقف أعمال العنف العرقي التي تطوِّق الآن أوش وتنتشر إلى مدن أخرى في جنوب قرغيزستان.

من جانبها، قالت كاثرين أشتون، مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها "قلقة للغاية" بشأن الاضطرابات في قرغيزستان. ودعت أيضا إلى اتخاذ إجراءات وخطوات لتشكيل حكومة مستقرة في البلاد.

وقد جاءت تصريحات أشتون لتعكس المخاوف بأن الحكومة المؤقتة في قرغيزستان تواجه فشلا بتحقيق الأمن لشعبها.

وهل أنصار الرئيس المخلوع هم من أوقد أعمال العنف؟

اتَّهمت الحكومة المؤقتة في قرغيزستان أنصار الزعيم المخلوع باكييف بإزكاء نار الصراع بغرض تقويض الحكومة المؤقتة في الفترة التي تسبق الاستفتاء المزمع إجراؤه هذا الشهر على مشروع الدستور الجديد للبلاد. وقد تم اعتقال "شخص معروف جدا" بشبهة إثارة أعمال الشغب.

Image caption يصف مسؤولو الأمم المتحدة النسيج العرقي في آسيا الوسطى بـ "برميل البارود".

وفي تصريحات متلفزة، قال كوباتبيك بايبولوف، وهو مسؤول أمني في مدينة جلال آباد، في وصف أعمال العنف في الجنوب: "هذه ليست إلاَّ محاولة من قبل أنصار باكييف وأقربائه للاستيلاء على السلطة."

إلاَّ أن باكييف، الموجود خارج قرغيزستان، نفى ضلوعه بالأحداث الدائرة في بلاده، ودعا تجمُّع "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" لإرسال قوات لضبط الوضع في قرغيزستان.

وقد أفادت تقارير غير مؤكَّدة باعتقال ابن باكييف، ماكسي باكييف. كما أن أشقاءه يحاولون تقويض الحكومة.

ورغم وجود عنصر أنصار باكييف وراء إزكاء القلاقل، يصعب تفسير أعمال القتل الجماعية التي تجري بشكل عشوائي من خلال هذا العامل بمفرده، كما يقول المحللون.

كما قال نافي بيلاي، مفوِّض الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، إن الاشتباكات جنوبي قرغيزستان تُنفَّذ على أساس عرقي.

وما هي ردة الفعل المُحتملة لروسيا على ما يجري؟

مع الاتضاح على نحو متزايد أن قوات حفظ النظام القرغيزية لا تستطيع إيقاف العنف، دعت الرئيسة الانتقالية روسيا لإرسال قواتها للمساعدة بوقف أعمال العنف في قرغيزستان. لكن روسيا ترددت بذلك، وإن كانت غير قادرة على تجاهل الحاجة للتصرف بسرعة.

Image caption أفادت تقارير غير مؤكَّدة باعتقال ابن باكييف، ماكسي باكييف.

وفي اجتماع طارئ لها، دعت "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" إلى تقرير ما يمكن فعله حيال ما يجري في قرغيزستان. وعُقد الاجتماع بمبادرة من الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الذي يرأس مجلس أمن المنظمة المذكورة، كون بلاده عضوا فيها.

وللمنظمة الحق بإرسال بعثة حفظ سلام إلى قرغيزستان التي تشهد أعمالا قتالية خطيرة، فهي عضو في التجمع، لكن يبدو أن الروس يفضلون خيار المشاركة بقوة لحفظ السلام بدل التصرُّف لوحدهم.

وتخشى روسيا إمكانية الانجرار إلى المستنقع. لكن ميدفيديف وصف الوضع في قرغيزستان بأنه "لا يُحتمل"، وقال إنه يشكِّل حالة طوارئ إقليمية.

وهل ما يجري يهم آخرين خارج قرغيزستان؟

يمكن أن يكون لعدم الاستقرار في قرغيزستان أثر إقليمي أوسع في منطقة آسيا الوسطى. فلقرغيزستان حدود مشتركة مع كل من الصين وكازاخستان وطاجكستان وأوزبكستان.

لكن أوزبكستان هي الدولة الأولى التي وجدت نفسها في مواجهة الأزمة، وذلك نظرا لتدفق آلاف اللاجئين من العرقية الأوزبكية الذين فرُّوا من العنف في قرغيزستان ولجأوا إلى أوزبكستان.

Image caption تعبِّر الأمم المتحدة عن خشيتها من انتشار أعمال العنف في قرغيزستان إلى أنحاء أخرى من منطقة آسيا الوسطى، وذلك ما لم يسارع المجتمع الدولي إلى إيقافها فورا.

ففي المرة الأولى في تاريخها الحديث، فتحت أوزبكستان حدودها أمام اللاجئين. لكن، عبد الله أريبوف، نائب رئيس وزراء أوزبكستان، قال إن بلاده ستتوقف عن قبول اللاجئين الذين ليس بوسعها استيعابهم على أراضيها.

كما طلبت أوزبكستان مساعدة من المجتمع الدولي لتمكينها من تلبية حاجات موجات اللاجئين الذين يتدفقون على أراضيها.

أمَّا على المدى القصير، فإن الفوضى والدمار اللذين شهدتهما قرغيزستان قد تقوِّي من عضد الزعماء المتسلِّطين في المنطقة.