ماذا تعني الخسارة في الانتخابات النصفية بالنسبة لسياسة اوباما الخارجية؟

اوباما

في كل مرة يتوجه فيها الامريكيون الى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس او كونغرس جديد، يراقب العالم بتوجس ما ستتمخض عنه هذه الانتخابات من آثار على سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

مراسلة بي بي سي في وزارة الخارجية الامريكية كيم غطاس تحاول في هذا المقال تقييم الآثار المحتملة للخسارة الكبيرة التي مني بها الحزب الديمقراطي - حزب الرئيس باراك اوباما - في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي اجريت الاسبوع الماضي على اولويات سياسة اوباما الخارجية.

قوبل فوز باراك اوباما بالرئاسة الامريكية بالفرح والغبطة في ارجاء عديدة من العالم. فكان يعني فوز هذا الاسود الشاب بالرئاسة الامريكية للكثيرين نهاية عهد المحافظين الجدد وعودة امريكا الى السياسات التوافقية التي تخلت عنها ابان فترة حكم الرئيس بوش. النتيجة كانت ان الكثيرين عقدوا آمالا كبيرة جدا - وغير واقعية احيانا - على "التغيير" الذي بشر به اوباما.

ولكن التوقعات - ايجابية كانت ام سلبية - قلما تتحقق على ارض الواقع، ولذا فالكثير من التنبؤات المتشائمة، التي سوقها الديمقراطيون القانطون او الجمهوريون الطامحون الى تقويض برامج البيت الابيض، حول تأثير نتائج الانتخابات النصفية على قدرة اوباما على الضغط على حلفاء الولايات المتحدة وردع اعدائها، هي في الواقع مضخمة الى حد كبير.

دعا المحلل السياسي المخضرم ديفيد برودر - في الواشنطن بوست - اوباما الى التغلب على الخسارة التي مني بها في الانتخابات عن طريق التشدد في سياسته الخارجية، وعلى وجه الخصوص عن طريق الوقوف الحازم بوجه طموحات ايران النووية، إذ كتب في عموده الاسبوعي: "سيتحسن وضع الاقتصاد اذا ارتفعت حدة التوترات الدولية واسرعنا الخطى للاستعداد للحرب."

وبينما اعتبر الكثير من المحللين هذا الرأي رأيا مضرا، فهو يسلط الضوء مع ذلك على المشكلة التي سيتوجب على الرئيس اوباما مواجهتها في النصف الثاني من فترة ولايته الاولى، وهي المشكلة التي تتلخص في النظرة اليه باعتباره رئيسا ضعيفا لبلد منهك اقتصاديا.

ففي اسرائيل على سبيل المثال، قالت بعض التقارير إن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو - الذي اتسمت علاقته باوباما بالبرود - رحب بنتيجة الانتخابات النصفية الاخيرة.

وقال داني دانون، احد نواب حزب ليكود الذي يتزعمه نتنياهو، إن الانتخابات قد اسفرت عن مجيء "العشرات من اصدقاء اسرائيل الاوفياء (الى الكونغرس) سيتمكنون من ايقاف سياسات اوباما الخطرة احيانا والمريبة دوما فيما يخص اسرائيل."

أما في العالم العربي، فقد كان رد الفعل الفوري للخسارة التي مني بها حزب اوباما في الانتخابات هو قلق من ان الرئيس الامريكي لن تكون لديه القدرة من الآن فصاعدا على الضغط على اسرائيل لاجبارها على القيام "بالتنازلات" الضرورية لدفع مفاوضات السلام مع الفلسطينيين الى الامام.

"صراع من اجل الامتيازات"

اما بالنسبة لـ"تنظيم القاعدة"، في افغانستان او باكستان او اليمن، فلابد ان امتلأت قلوب مقاتليه بالغبطة لدى سماعهم باحتمال جنوح اوباما الى التشدد، حيث ان سياستهم المعادية للولايات المتحدة ستتعزز في حال انتشار الانطباع القائل إن المحافظين الجدد عادوا للامساك بدفة السياسة الخارجية الامريكية.

ولكن في حقيقة الامر، فإن هذا الانطباع لا يمكن ترجمته الى عالم الواقع. الحقيقة هي ان رئيس الولايات المتحدة ما زالت له اليد الطولى في تشكيل السياسة الخارجية، كما ان المباديء التي تستند اليها هذه السياسة ما زالت ثابتة، رغم الازعاجات التي قد يسببها الكونغرس بتشكيلته الجديدة.

يقول الخبير في الدستور الامريكي ادورد كوروين إن الدستور عبارة عن "دعوة للتنافس من اجل الفوز بشرف ادارة السياسة الخارجية الامريكية."

والتنافس في هذه الحالة هو بين الرئيس ومجلس الشيوخ ومجلس النواب.

ويمضي كوروين للقول: "ولكن الاحداث وحدها هي الكفيلة باختيار اي من هذه الاطراف سيكون له القول الفصل في تقرير مسار الامة الامريكية."

تعتبر انتخابات التجديد النصفي للكونغرس واحدة من هذه الاحداث، وستتكفل هويات النواب الجدد وتوجهاتهم بتضخيم التأثير الذي ستحدثه خسارة الديمقراطيين لسيطرتهم على مجلس النواب.

الانسحاب من العراق

يذكر ان مجلس الشيوخ يصدق على الاتفاقيات الدولية باغلبية الثلثين، ولذا فإنه من المتوقع ان تتعرقل عملية المصادقة على اتفاقية الحد من الاسلحة النووية مع روسيا (اتفاقية ستارت) - وهي اتفاقية يعارضها عدد من الشيوخ الجمهوريين - عند عرضها امام المجلس الجديد.

اما مجلس النواب، فهو المسؤول عن الانفاق الخارجي، ولذا فمن المتوقع ان تتقلص ميزانيات المعونات الخارجية والمساعدات التنموية التي تقدمها الولايات المتحدة للدول الاخرى.

اضافة لذلك، سيكون بامكان الاعضاء الجمهوريين في مجلس النواب اجراء جلسات استماع يتحدون من خلالها سياسات الرئيس - تجاه سورية والصين على سبيل المثال - كما ستكون لديهم الاغلبية الكافية في المجلس لتسهيل مرور بعض القوانين (كفرض المزيد من العقوبات على ايران او كوريا الشمالية) وعرقلة البعض الآخر (كانهاء العقوبات المفروضة على كوبا مثلا).

فعلى سبيل المثال، قد يتم تعيين اليانا روس ليتينين النائبة الجديدة عن ولاية فلوريدا بمنصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النوب.

وليتينين هذه تدعو الى قطع التمويل الامريكي للامم المتحدة والسلطة الوطنية الفلسطينية. وباعتبارها تنحدر من اصول كوبية، فإنها ستعمل على عرقلة توجهات الادارة نحو رفع القيود المفروضة على سفر الامريكيين الى كوبا.

من جانبها، عبرت كاي جرينجر، النائبة الجمهورية عن ولاية تكساس المرشحة لترؤس اللجنة الفرعية للانفاق في مجلس النواب، عن رغبتها في خفض ميزانية المعونات الخارجية.

اما اريك كانتور، المرشح لمركز زعيم الاغلبية في المجلس، فيريد حماية المعونة التي تحصل عليها اسرائيل عن طريق فصلها عن ميزانية المعونات الخارجية العمومية.

كما قد يعمد المجلس الجديد الى عرقلة خطط الادارة بسحب القوات الامريكية المتبقية من العراق.

اما فيما يخص افغانستان، فقد تتعرض خطط الادارة للبدء في سحب القوات الامريكية من ذلك البلد الى صعوبات على يد مجلس النواب الجديد.

فقد قال مسؤول امريكي بارز اصر على عدم ذكر اسمه إن الجنرال ديفيد بتريوس القائد الامريكي الاعلى في افغانستان يعلم الآن انه لو تمكن من تحقيق تقدم ما، مهما كان صغيرا، فإنه سيحوز على دعم قوي من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون يمكنه من الابقاء على عدد القوات الحالي او حتى زيادته مما سيسلط ضغطا قويا على الرئيس اوباما.

ليس الرئيس اوباما اول رئيس امريكي يخسر حزبه السيطرة على الكونغرس جراء انتخابات نصفية.

ومثله كمثل اسلافه، بوسع اوباما التركيز على الشؤون الخارجية بينما يسعى مناوؤوه على الحد من قدرته في العامل مع الشأن الداخلي.

ففي اعقاب الانتخابات النصفية التي اجريت عام 1994، والتي مني فيها الجمهوريون بخسارة ايضا، عمد الرئيس بيل كلينتون الى التدخل العسكري في البلقان وكثف من تدخله السياسي في الشرق الاوسط.

وبعد انتخابات 2006 النصفية، التي خسر فيها الجمهوريون خسارة كبيرة، عمد الرئيس بوش الى زيادة عدد القوات في العراق.

وتنقسم الآراء في واشنطن حول المنحى الذي ينبغي على الرئيس اوباما سلوكه الآن، بين اولئك الداعين الى التفرغ للشأن الداخلي من جهة واولئك الداعين الى السعي لتحقيق مكاسب خارجية من جهة اخرى.

وفي الواقع، قد يميل الرئيس اوباما الى اي من طرفي النقاش، ولكنه يعلم ايضا ان تحقيق انجازات ملموسة في السياسة الخارجية ليس بالامر اليسير.