روسيا والناتو: رياح التغيير أم عصف من الماضي؟

تُرى، هل زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف إلى لشبونة للمشاركة بقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) مبررة حقا؟

Image caption يتفق معظم المحللين على أن القيادة الروسية بصدد اتخاذ موقف جديد فيما يخص علاقتها مع الغرب

علينا أن نرى ما إذا كانت الزيارة ستحسِّن فعلا العلاقات بين روسيا والناتو، أم إذا كان الطرفان سيجريان المزيد من المحادثات ويخرجان مرة أخرى منها خاليي الوفاض وبدون حل أي من الخلافات القائمة بينهما.

وعلينا ألاَّ ننسى أيضا أن ثمة لقاءات مشابهة كانت قد جرت في السابق بين رؤساء روسيا وقادة وزعماء الناتو في أعوام 1997 و2002 و2008. إلاَّ أن أيا من تلك المناسبات لم تولِّد ذلك الكم الكبير من التوقعات والتكهنات كتلك التي يُحاط بها لقاء لشبونة خلال عطلة نهاية الأسبوع.

كل الأنظار مسلطة هذه المرة على ميدفيديف، وذلك نظرا للوضع الجيوسياسي لروسيا ولعلاقاتها المعقدة مع دول الجوار.

تبديل النغمة

يتفق معظم المحللين على أن القيادة الروسية بصدد اتخاذ موقف جديد فيما يخص علاقتها مع الغرب، وأنها حريصة على الإشارة إلى المصالح المشتركة بين الطرفين، وعلى إظهار موقف أكثر تسامحا حيال الخلافات بينهما.

ويرتبط هذا التبدل بالمزاج بعوامل عدة، وعلى الأخص أثر الأزمة الاقتصادية التي أظهرت كم أن روسيا معتمدة حقا على الأسواق العالمية.

ففي موسكو، طلب الأمين العام للناتو من روسيا تزويد الجيش الأفغاني بالسلاح. كما تواجه روسيا مشاكل عسكرية، فجيشها يمر بمرحلة تحوُّل مؤلمة لا يرى معها أي نتيجة في الأفق.

كما تواجه البلاد مشاكل تتعلق بوضع قواعدها العسكرية وبيع كمية من السلاح لتصل قيمتها إلى 8 مليارات دولار في العام، وذلك على الرغم من عدم قدرتها على سد حاجة جيشها من السلاح بشكل كامل، وأخيرا المراجعة غير الرسمية لعلاقاتها مع الصين.

وتشعر موسكو أيضا بالقلق المتزايد حيال طموحات بكين العسكرية ومن التعزيزات التي يحصل عليها الجيش الأكبر في العالم، بالإضافة إلى النفوذ المتنامي للصين في آسيا الوسطى. فتواجد الصين حول حدود الشرقية لروسيا كان دوما سببا للقلق في موسكو.

ويشعر الكرملين بالتوتر والقلق الآن أيضا حيال الانسحاب الممكن لقوات الناتو من أفغانستان. فالعودة الممكنة لحركة طالبان إلى السلطة في تلك البلاد والتطرف الإسلامي المتزايد في دول آسيا الوسطى الضعيفة، والتي ينخرها الفساد، كلها تصب في خانة الاحتمالات المقلقة حتى بالنسبة للقوى البعيدة أكثر عن الحدود مع أفغانستان كالولايات المتحدة وأوروبا.

Image caption تنتشر قوات الناتو في العديد من أحياء افغانستان

هذا وقد اهتمت روسيا بقطاع النفط والغاز، وببناء علاقات وثيقة مع الموردين كطاجكستان وأوزبكستان وقرغيزستان، وبالتالي فإن إمكانية انسحاب قوات الناتو من أفغانستان سيترك روسيا أمام تحدٍّ جيوسياسي صعب للغاية.

خلاف على أنظمة الدفاع الصاروخي

وهكذا، فإن المجلس الروسي الأطلسي في لشبونة (أو كما يُطلق عليه في بروكسل اسم "روسيا الناتو") سيُظهر استعداد القيادة الروسية لإيجاد أرضية مشتركة مع الحلفاء وللتعاون في قضايا ذات اهتمام مشترك.

ويُتوقع أن تأتي النتيجة الأساسية للقاء لشبونة على شكل إعلان نوايا من جانب كل من بروكسل وموسكو لبناء نظام الدرع الصاروخي المشترك. فمن شأن مثل هكذا تعاون أن يشكل طريقة لاستعادة وحدة المجلس المنقسم على نفسه بشأن العديد من القضايا الأخرى.

يقول بافل باييف من معهد السلام في العاصمة النرويجية أوسلو: "إن إقامة الناتو لنظام الدفاع الصاروخي النظري بشكل محض هو وسيلة لإعادة التحالف إلى سابق عهده، لاسيما إذا ما أخذنا بالاعتبار حجم الخلاف بين الطرفين حول العديد من القضايا".

ويضيف باييف قائلا: "وسيكون محرجا نوعا ما بالنسبة لروسيا أن تقف ضد إنشاء الدرع، وذلك على الرغم من أن استعدادها للعب دور في المشروع يعتمد فقط على حقيقة أنها لا تعتقد أن بإمكانهم تنفيذه في الوقت الراهن، وذلك لسبب بسيط للغاية، ألا وهو الافتقار إلى التمويل".

وكما قال لي دبلوماسي غربي رفيع، فإن ممثل روسيا الدائم لدى الناتو، ديمتري روجوزين، يعمل مع السفراء الآخرين في بروكسل على تقريب موقف بلاده من مواقف الدول الأعضاء في الناتو. فهو يعمل على وجه الخصوص بشكل وثيق الصلة مع إيفو دالدر، ممثل الولايات المتحدة لدى الحلف".

يقول الدبلوماسيون إن الكرملين ووزارة الخارجية في روسيا يطلبان إجابات على أسئلة تتعلق بنظام الدرع الصاروخي الذي تنتاب الروس حياله شكوك بإمكانية أن يكون التهديد الإيراني لوحده مبررا لإنشائه.

كما يعتقد العديد من الروس المنخرطين بالمفاوضات أن الناتو مهتم بفكرة نظام دفاع صاروخي مشترك لأنه يريد زيادة إمكانيته الفنية في مجال تطوير دفاعاته الصاروخية الخاصة به.

مصالح أجنبية؟

ويعتقد عدد من الخبراء بأن روسيا تتظاهر بأن لها ثمة مصلحة بمشروع نظام الدفاع الصاروخي.

وسيحتل موضوع الانضمام إلى قوات الناتو في أفغانستان حيزا هاما على جدول أعمال قمة الناتو. فخلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، حاول أنديرز فوغ راسموسين إقناع روسيا بالموافقة على إمداد الجيش الأفغاني بالسلاح.

كما أرسلت موسكو الأسبوع الماضي شحنة كبيرة من الأسلحة النارية والذخيرة إلى أفغانستان. لكن لم يقرر الروس بعد ما إذا كانوا سيرسلون طائرات الهليوكبتر إلى تلك البلاد أم لا.

وإلى الآن فإن كلا من الناتو وروسيا يفعلان كل ما بوسعهما لإبداء نهج بناء وفهم مشترك حيال القضايا المطروحة على بساط البحث بينهما.

وفي النهاية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سيتغير الوضع في المستقبل القريب أم لا؟ والجواب هو أن ذلك سيعتمد على القرارات التي سوف سيتم اتخاذها، أو لن تتخذ، في لشبونة، بالإضافة إلى الأحداث في روسيا التي تواجه، وبالتأكيد ليس للمرة الأولى، خيار أي طريق سياسي ستسلك في المستقبل.

المزيد حول هذه القصة