رحلة سرِّية لنقل شحنة وقود نووي من صربيا إلى روسيا

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

وصلت إلى روسيا شحنة وقود نووي بعد عملية دولية في غاية السرية لنقلها من صربيا، حيث كان يُخشى أن يستولي عليها "إرهابيون" بغية استخدامها لصنع قنبلة نووية أو قنبلة قذرة.

تحت جنح الليل، يتسلل بضع رجال مسلحين ومقنَّعين ليحيطوا بالقافلة الطويلة المكونة من شاحنات عدة امتدت داخل الغابة على مشارف العاصمة الصربية بلجراد، قبل أن نسمع فجأة أصوات أجهزة الراديو واللاسلكي تعلن استعداد القافلة للانطلاق في رحلة طويلة.

مهمة الرجال المقنعين هي مرافقة "بضاعة خطيرة"، هي من النوع الذي يتوق الإرهابيون لوضع أيديهم عليه.

يورانيوم عالي التخصيب

لدينا الكثير من إجراءت الأمن هنا، فهذه (الشحنة) هامة للغاية

الرئيس الصربي بوريس تاديتش

وفي داخل الحاويات المطلية باللون الأزرق والمصنوعة من مادة مضادة للقنابل والحرائق، والمحمَّلة على متن الشاحنات، تم وضع 2.5 طن من المواد المشعَّة، بما في ذلك 13 كيلو غراما من اليورانيوم عالي التخصيب من النوع الذي يمكن استخدامه لصنع سلاح نووي.

هذه هي الشحنة الأكبر من نوعها التي يتم نقلها من مكان إلى آخر، وبإتمام العملية ستصبح صربيا خالية من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يُستخدم للأغراض السلمية.

قُبيل الساعة الثانية صباحا، يصل الرئيس الصربي بوريس تاديتش فجأة إلى المكان. وعندما أجد نفسي معه وجها لوجه، يبدأ هو بمخاطبتي قائلا: "لدينا الكثير من إجراءت الأمن هنا، فهذه (الشحنة) هامة للغاية".

قبل ساعتين من وصول الرئيس إلى المكان، كنت قد أُخذت إلى مبنى المفاعل النووي الذي جرى تفكيكه، وحيث كانت المواد النووية، التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، مخزنة منذ حين.

الحرب الباردة

الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب (يمين) مع الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيف

انتهت الحرب الباردة مع سقوط الاتحاد السوفياتي إبان عهدي غورباتشيف وبوش.

فخلال الحرب الباردة، دأب كل من الاتحاد السوفياتي حينذاك والولايات المتحدة على تزويد الدول بمفاعلات لإجراء البحوث النووية. وبعض تلك المفاعلات، كالمفاعل الذي كان موجودا هنا في فينكا، جرى تشغيلها باليورانيوم العالي التخصيب الذي كان يأتي من الاتحاد السوفياتي السابق.

وقد تم نقل معظم اليورانيوم العالي التخصيب الموجود في فينكا، وذلك منذ عام 2002. ولكن جرى تخزين الكميات المتبقية من اليورانيوم الأقل تخصيبا، وتلك الكميات الكبيرة التي تم استخدامها منه، إذ خُزِّنت هنا، وغالبا في ظروف سيئة.

هنا ترى أختام الشمع الأصفر وقد تدلت في الممرات ومن على الأسلاك، وذلك بعد أن تم فتح الحاويات والمخازن لنقل المواد النووية من أمكنة تخزينها إلى مكان آخر.

لقد تحسَّن الوضع الأمني هنا خلال السنوات الأخيرة الماضية، فتم فرض المزيد من القيود على الوصول إلى المكان الذي نُصبت فيه أيضا كاميرات المراقبة.

"مثير للقلق"

قافلة الشحنة النووية من صربيا إلى روسيا

قطعت الرحلة 11300 كيلومترا تقريبا، واستغرقت قرابة الشهر.

إلاَّ أن هذا المكان لا يزال يحتل رأس قائمة الأماكن الأكثر إثارة للقلق في هذا العالم الذي يشهد سباقا لتأمين المواد العرضة للخطر قبل أن يتمكن الإرهابيون من وضع أيديهم عليها.

لقد كُلِّف حوالي 3 آلاف شرطي صربي لمراقبة سير العملية، فأُخليت الطرقات والشوارع واصطفت عناصر الشرطة على طول الطريق التي ستسلكها القافلة.

تتجه القافلة شمالا نحو سابوتيكا الواقعة بالقرب من الحدود مع المجر، وذلك في الوقت الذي تحلِّق فيه طائرة هليوكبتر فوق خط سير القافلة.

عند ساعات الفجر الأولى، تصل القافلة ويجري تحميل الحاويات على متن قطار داخل مستودع كبير خارج المدينة.

عربة خاصة

بوسعك وضعها في يدك، أو لفِّها داخل إصبع دايناميت، أو وضعها داخل حقيبة تُحمل على الظهر أو في محفظة

جون كيلي، من الوكالة الدولية للطاقة الذرية

يغادر القطار في صباح التالي وعلى متنه عدد من المسؤولين في عربة خاصة، ليعبر الحدود مع المجر حيث يجري تبديل الحرََّاس الأمنيين هناك.

تقضي القيود المفروضة على العملية على أنه لا يمكن نقل المواد جوَّا، كما أن نقلها برَّا مباشرة عملية مستحيلة لأن بعض البلدان لا تريد أن يعبر آخرون حدودها.

لقد استغرق أمر التخطيط للعملية، من تفاوض على الطريق الذي ستسلكه القافلة والحصول على ترخيص بمرور المواد في البلدان التي تسمح بعبورها، خمس سنوات بالتمام والكمال.

"تعاون وثيق"

كما أن الأمر اقتضى أيضا تعاونا وثيقا بين مسؤولين من كل من الولايات المتحدة وروسيا والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتُعتبر قضبان الوقود من مفاعل فينكا خطيرة على نحو خاص، وذلك بسبب حجمها المناسب (بطول حوالي 15 سنتمترا)، وحقيقة أنه جرى تخفيض درجة إشعاعها، مما جعل عملية التعامل معها سهلة، وبالتالي أصبحت مثالية لمن يهدف لصنع ما يُسمَّى بـ "القنبلة القذرة".

لقد تم وضع أجهزة خاصة على متن السفينة لتحديد مكانها وتعقُّب خط سيرها كيفما اتجهت

سيرجي ناليتوف من شركة "أسبول البلطيق للشحن"

يقول لي جون كيلي، من الوكالة الدولية للطاقة الذرية: "بوسعك وضعها في يدك، أو لفِّها داخل إصبع دايناميت، أو وضعها داخل حقيبة تُحمل على الظهر أو في محفظة".

ويضيف: "وبإمكانك التسبب من خلالها أيضا بكارثة في أي مدينة".

في سلوفينيا

يدخل القطار بنا إلى ميناء كوبر في سلوفينيا مع فجر اليوم التالي. تنهمر الأمطار غزيرة أثناء نقل الحاويات إلى متن إحدى السفن.

هنا يخبرنا سيرجي ناليتوف من شركة "أسبول البلطيق للشحن" أنه "لن يكون هنالك حرَّاس مسلحون على متن السفينة، إلاَّ أنه تم اتخاذ إجراءات أمنية خاصة".

ويضيف: "لقد تم وضع أجهزة خاصة على متن السفينة لتحديد مكانها وتعقُّب خط سيرها أينما اتَّجهت".

هذه هي سادس بلد نكون قد أخليناها من اليورانيوم عالي التخصيب منذ خطاب الرئيس أوباما

سارة ديكرسون من إدارة الأمن النووي القومي الأمريكية

وحالما تغادر السفينة المكان، يبادر مسؤول أمريكي ليريني كيف أنه بإمكانه رصد الموقع الحقيقي للسفينة باستخدام برنامج موجود في هاتفه المتحرك".

تلميح

ويلمح المسؤولون أيضا إلى اتخاذ إجراءات خاصة لتحديد مسار السفينة في المياه الدولية، لكنهم ليسوا مستعدين للقول ما هي تلك الإجراءات بالضبط.

تمخر السفينة عباب البحر الأبيض المتوسط وتمر عبر مضيق جبل طارق، ومن ثم عبر القنال الإنجليزي في طريقها إلى ميناء مورمانسك الواقع في الجزء الروسي من القطب الشمالي.

وبالمجمل، يمكننا القول إن تلك الحاويات تكون بذلك قد قطعت رحلة طولها 11300 كيلومتر تقريبا، واستغرقت قرابة الشهر.

في ميناء مورمانسك، يتم إنزال الحاويات ونقلها لتحمََّل من جديد على متن قطار سيسير بها ليقطع المرحلة الأخيرة من الرحلة التي تنتهي في منشأة ماياك للمعالجة في جبال الأورال.

نقل شحنات نووية

قطار يحمل حاويات فيها نفايات نووية يصل إلى لوبمين بألمانيا.

تعهُّد أوباما

في عام 2009، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن القيام بجهود دولية لتأمين كافة المواد المعرَّضة للخطر خلال السنوات الأربع التالية.

وحول ما تحقق نتيجة لتلك الجهود، تخبرنا سارة ديكرسون من إدارة الأمن النووي القومي الأمريكية، والتي تابعت سير عملية شحن المواد من فينكا إلى كوبر، إذ تقول:

"هذه هي سادس بلد نكون قد أخليناها من اليورانيوم عالي التخصيب منذ خطاب الرئيس أوباما".

وتختم بقولها: "لدينا الكثير من العمل الذي لا يزال يتعين علينا إنجازه".

أكثر الموضوعات تفضيلا

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك