2010 عام ويكيليكس وحرب المعلومات

ملأ جوليان أسانج وموقعه الالكتروني للتسريبات "ويكيليكس" الدنيا وشغل العالم عام 2010، حتى صنفته صحيفة "لوموند" الفرنسية "رجل العام"، فيما رشحته مجلة "التايم" للمنصب نفسه قبل أن ترفعه عن اللائحة لأسباب مفهومة.

ويستحق الناشط الاسترالي وقرصان الانترنت السابق التنويه، ليس لصواب ما يفعله أو خطئه، وإنما لتركه بصمة على طريقة تبادل المعلومات، وجعله العام 2010 نقطة تحول لسنوات مقبلة في كيفية عمل الاعلام التجريبي الحديث.

وسبق لأسانج أن قال ان المرء يعيش حياته مرة واحدة، وعليه فعل شيء مجدٍ.

Image caption جوليان أسانج أسس لتيّار غيّر النظرة الى تبادل المعلومات على الانترنت

تكريس لحروب افتراضية

أخذت عاصفة ويكيليكس بالانحسار مع نهاية العام، لكنها مرشحة للعودة في أي لحظة، وهي كرست لحروب افتراضية قد يشعلها خصوم ويكيليكس أو مؤيدوه في أي لحظة. وبات الموضوع الاساسي كيف سيمكن للولايات المتحدة تسلّم اسانج من السويد متى استردته الأخيرة من بريطانيا.

وتسليم المتهمين عند ادانتهم إجراء شكلي في بريطانيا، فيما يجادل محامو أسانج بأن مذكرة الاعتقال السويدية - بتهمة الاعتداء الجنسي لا تسريب المعلومات- دوافعها سياسية.

وسيعود اسانج الى دائرة الضوء في العام 2011، بعدما أرجأ القضاء البريطاني النظر في قضيته من 14 ديسمبر/ كانون الاول الى شباط/ فبراير المقبل، اثر احتجاز استغرق 10 ايام في سجن واندوورث جنوب لندن.

واللافت أن لندن وليس استوكهولم من عارض اطلاق سراحه بكفالة، مما يذكّي المخاوف من أن ترحيله الى السويد سيكون خطوة اولى امام تسليمه الى الولايات المتحدة.

تيّار أسانج

Image caption يخشى ترحيله الى أمريكا بعد السويد

يقول أسانج، وهو قيد الاقامة الجبرية بقصر نورفولك ببريطانيا، ان ترحيله الى الولايات المتحدة يقلقه أكثر منه الى السويد. وهو لوّح في أكثر من مناسبة بالكشف عن برقيات اكثر خطوة، متى تعرض للخطر. وهي وثائق وصفها محاميه مارك ستيفنس بـ "جهاز حراري-نووي " لعصر الانترنت.

ويدار موقع ويكيليكس من مواقع مؤقتة وأماكن مختلفة. ويقال إن أسانج قادر على امضاء ايام بلا طعام، مركزاً على العمل بدون النوم لساعات كافية.

ونشر ويكيليكس وثائق من بلدان مختلفة، لكنه لم يشغل عناوين الصحف إلا حتى أبريل/ نيسان، عندما عرض شريط فيديو التقطته مروحية أمريكية في العراق في 2007. وتسببت الصور التي نقلتها وسائل الإعلام بصدمة واسعة في العالم.

عندها، دخل أسانج إلى دائرة الضوء للدفاع عن شريط الفيديو، اضافة إلى نشر وثائق عسكرية أمريكية سرية عن حربي العراق وأفغانستان في يوليو/ حزيران ويوليو/تموز الماضيين.

وأصدر الادعاء السويدي مذكرة اعتقال دولية في حقه، بتهم تتعلق بالاغتصاب وبالتحرش الجنسي. وبرزت التهم هذه بعدما زار أسانج السويد في أغسطس/ آب 2010، وهي تتعلق بامرأتين أقام علاقة معهما، يؤكد محاميه أنها مدبّرة. ويقول اسانج إن التهم هذه تندرج في إطار حملة لتشويه سمعته على خلفية موقعه الالكتروني.

مانينج

Image caption أسانج ومانيج يروجان لحرية المعلومات؟

وهنا يأتي دور مسربي المعلومات. فأي موقع مهما بلغت أهميته لن يتمكن من نشر معلومات بخطورة البرقيات الدبلوماسية الامريكية بدون مسرب من الداخل. وكان دور برادلي مانينج، الذي اعتقل في خريف العام 2010، بسبب استخدامه بطاقة ذاكرة صغيرة كان مفعولها على الولايات المتحدة كبير. فبطاقة الذاكرة هذه حملت ملفات بحجم 1.6 جيجابايت هي البرقيات الدبلوماسية الامريكية المسربة الـ 251.287 التي تشغل العالم منذ بدء نشرها.

وربما يتحول مانينج الى رجل العام 2011 عند بدء محاكمته امام المحكمة العسكرية الامريكية لاحقاً.

ويتهم الشاب الذي عمل محللاً للمعلومات الاستخبارية بالتحميل غير الشرعي لمواد سرية خلال خدمته في قاعدة عسكرية خارج بغداد. ويشتبه في أنه نسخ اضافة الى ارشيف الخارجية الامريكية، شريط فيديو لجنود امريكيين في طائرة "أباتشي" يفتحون النار على مدنيين في بغداد، اذافة الى مئات آلاف التقارير اليومية عن العمليات العسكرية في افغانستان والعراق.

واللافت ان مانينج كان مخولاً دخول شبكات سرية امريكية 14 ساعة في اليوم، ايام في الاسبوع على مدى 8 شهور. وهذا يطرح تساؤلات عما تضعه السلطات الامريكية في متناول موظفيها بلا قيود.

نتائج عكسية

Image caption تحضر واشنطن لائحة اتهامية ضد مؤسس ويكيليكس

وقد تكون لحملة أسانج التي يقول ان هدفها زيادة مساحة الشفافية الرسمية، نتائج عكسية. فد تدفع الدول المتضررة، ولاسيما الولايات المتحدة، إلى فرض إجراءات صارمة ضد اسانج وأي بائعين مماثلين أو وسطاء للوثائق المسربة. ويعني هذا تمكين الحكومات من ملاحقة أي شخص يحصل على معلومات غير مسموح بها، ومن بينهم الصحفيين.

واذا كان لدى الادارة الامريكية اي أمل في محاكمة اسانج، عليها اولا ان تتخطى عقبة اساسية كبرى وهي قانون العقوبات القديم الذي تطبقه.

وقال وزير العدل الأمريكي إيريك هولدر إن الإدارة الامريكية تدرس ما إذا كانت ستوجه اتهامات جنائية ضد أسانج. ومن القوانين التي تجري دراستها قانون للتجسس نادرا ما يستخدم ضد من يحصلون على تسريبات رسمية.

وقال مشرعون، من بينهم قيادة لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إنه إذا كان القانون الجنائي الأمريكي ضعيف أو عتيق على نحو لا يسمح بإغلاق موقع ويكيليكس الإلكتروني فلا بد من سن تشريع يجعل إجراء كهذا أكثر يسرا.

وهذا يعيدنا الى العام 1971 عندما قضت المحكمة العليا الأمريكية بأنه لا يحق لإدارة الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون منع الصحف من نشر أوراق البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية)، وهي دراسة لحرب فيتنام على درجة كبيرة من السرية.

وسبق للكونجرس ان رفض محاولات تشديد القوانين الأمريكية المناهضة للتسريب من خلال سن قانون أمريكي مماثل لقانون الأسرار الرسمية البريطاني، وجد المدعون صعوبة في تطبيقه على تسريبات لا ترتبط بالتجسس.

حتى أنه في فرنسا، طلب وزير الصناعة اريك بيسون منع استقبال ويكيليكس، الامر الذي رفضته محكمة مدينة ليل.

واقامة قضية ضد أسانج أو أي شخص آخر مرتبط بتسريب معلومات سرية سيستغرق وقتا. ولم يقدم مسؤولون من وزارة العدل أي مؤشر على أن التهم الموجهة لأسانج أو آخرين وشيكة.

قضاء

Image caption مخاوف من قيود مستقبلية على وسائل الاعلام

وتشير بعض التقارير الى انه جرى سراً تحضير لجنة محلفين عليا امريكية، لا شك ان افرادها سيركزون على تورط اسانج في تسريب معلومات سرية بدلاً من محتوى ما نشر. وهذا التمييز سيحول دون ملاحقة الصحف التي نشرت الوثائق المسربة.

من البديهي أن تستحق الجرائم الكبرى رداً كبيراً. ولا بد لأي دولة ان تنزل عقوبة بمن يسرق 250 الف وثيقة سرية منها. وتزيد الخطورة إذا كلفت التسريبات ارواحاً- وهو امر لم يحصل مع ويكيليكس حتى الان- وتسببت في فقدان وظائف وانعدام الثقة.

ولا بد للحكومات السويدية والامريكية والبريطانية الاستعداد في المرحلة المقبلة للردود الانتقامية لقراصنة الانترنت في حال محاكمة اسانج، فيما تعد إزالة المواد غير المشروعة عن الإنترنت في غاية الصعوبة.

وتنهمك الحكومات حاليا بمحاربة المواد الاباحية والانتهاكات بحق الاطفال وصنع القنابل ونشر المواد المشجعة على الارهاب وحقوق النشر. وهي تستفيد من أن مطاردة داعمي من ينتهك القانون لها مبررات قضائياً. ويفسر ذلك تخلي "باي بال" و"فيزا" و"ماستركارد" و"أمازون" عن دعم ويكيليكس، وكذلك "ايفريدي ان اس" (خدمة معالجة انترنت) وبنك "بوستفايننس" السويسري جمد اموال اسانج بحجة ادعائه الاقامة في سويسرا.

ضربات

وعلى الولايات المتحدة ان تدرك ان اعتقال اسانج لن يوقف تدفق المعلومات. وهو ما برهنه عندما كان في السجن. ولا بد من ان تستعد لضربات قراصنة، والرد عليها بضربات مماثلة، عبر برنامج زيريكس Xerxes الذي يستخدم عادة لاستهداف المواقع الجهادية وصممه امريكي يدعى جستر، يصف نفسه بالجندي السابق.

في المقابل، ظهرت خوادم متعاطفة مع ويكيليكس وشكلت مرآة له، منها wikileaks.ch والمئات غيرها، مما يجعل مهمة تعقبها وتعطيلها مهمة مستحيلة.

ما يحصل مع ويكيليكس يذكرنا بالدعوى ضد موقع نابست رلتحميل الاغاني عام 2001، والذي حكم القضاء بحظره بدعوى حقوق الملكية الفرية، لكن ذلك لم يمنع الناس من استمرار تبادل الاغاني، وعودة نابستر بشكل قانوني الى العمل.

قد يزول موقع ويكيليكس، لكن التسريبات لن تتوقف. وقد بدأت مواقع منافسة، مثل "كريبتوم" Cryptome الذي تأسس عام 1996 بنشاطات مماثلة، وكذلك شريك سابق لاسانج، اعلن عن تأسيس موقع اوبنليكس للتسريبات.

المزيد حول هذه القصة